هيئة قضائية معطلة ب”غطاء سياسي”: اي حماية للمستهلك؟ اي ردع لاعمال الغش؟ واي مكانة للقضاء؟


2012-03-30    |   

هيئة قضائية معطلة ب”غطاء سياسي”: اي حماية للمستهلك؟ اي ردع لاعمال الغش؟ واي مكانة للقضاء؟

اللبنانيون تحت الصدمة، يعانون من قلق كبير بعد اكتشاف كميات كبيرة من الماكولات والمشروبات الفاسدة، التطمينات التي تطلقها الجهات الرسمية لم تهدئ من روع القلقين، وقلة هم المواطنون الذين يعرفون بان ما يحول دون استكمال عملية حمايتهم يكمن في التغييب القسري لاحكام قانون حماية المستهلك بما فيها محكمة المستهلك المسماة بـ "لجنة حل النزاعات".

حزيران 2011، لم تكن المشاهد المفزعة للحوم والاجبان والمأكولات الفاسدة قد اجتاحت شاشات التلفزيونات اللبنانية، كان كل شيء يسير "بشكل طبيعي"، بهدوء كما المشهد الصيفي الذي يطبع محيط قصر العدل في بعبدا. لكنه بطبيعة الحال هدوء "غشاش". في كواليس القصر، كان يدور كلام عن حماية المستهلكين: بعض المتابعين يشيرون الى قضايا تُرفع امام محكمة الجنايات وتصدر فيها احكام.
هنا كانت بداية القصة، فمنذ نحو 5 اعوام صدرت عن القاضي رولان الشرتوني احكام في قضايا المياه التي تُباع وهي ملوثة او من قبل مؤسسات غير مرخصة، في عمليات التلاعب بالاسعار في مؤسسات متنوعة الاختصاصات (بيع البسة، اغذية وما الى ذلك) او عدم اعلان السعر على المنتوج،  هناك ايضا دعاوى تتعلق بالبنزين، مدى نظافته او تطابقه مع المعايير العلمية الصحيحة.
الاحكام تطال عشرات الملفات، الا ان عملية تحقيق العدالة دونها مشاكل كثيرة، يروي المتابعون ان بعضها يتعلق بمدعى عليهم "مدعومين" لا يحضرون جلسات الاستجواب، البعض الآخر مرتبط بالاداء "غير الجيد" لعدد من مندوبي مصلحة حماية المستهلك، اذ تحرر مخالفات ضد موظفين وعمال في المؤسسات المخالفة لا ضد اصحابها، فيحرم بذلك بعض العمال من العمل في لبنان، ويبقى رب العمل بعيدا عن المساءلة، وتستمر بالتالي عمليات الغش او المخالفات الاخرى.
البحث الاستقصائي، انطلقت به "المفكرة القانونية" من بعبدا، وكان الهدف هو تسليط الضوء على احكام وملفات قانونية ضد الغش والفساد… لكن قضية حماية المستهلك والعوائق التي تواجهها، بدت اشبه بلعبة الدمى الروسية، داخل كل عائق عائق اخر، ولب المشكلة معقد ومكثف، يكمن في ما يحول دون ان تقوم الجهة القانونية المولجة الحماية بدورها… وهنا بيت القصيد.
كان السؤال الذي حيرنا هو التالي: الاحكام التي يجري الحديث عنها في كواليس قصر العدل في بعبدا، هل تغطي فعلا كل القضايا المتعلقة بحماية المستهلك؟ كان البحث يحتاج الى طرق ابواب جديدة، بشكل خاص باب جمعية حماية المستهلك من جهة، وباب المديرية المولجة هذا الامر في وزارة الاقتصاد من جهة اخرى، وفي الختام كان لا بد من العودة الى النص القانوني الذي يضمن حماية المستهلكين.
في الجمعية كنا امام اسئلة رئيسها د. زهير برو، لفتنا الى ان المستهلك لا يعرف اجابة عن السؤال التالي "كيف يصل المواطن الى المحكمة لرفع دعوى في قضية غش في مواد مستهلكة او فسادها او غيره"، كان برو يطرح كما من التساؤلات التي تلامس الشك: هل كل القضاة المعنيين يلعبون دورهم في الدفاع عن المستهلكين؟ هل تُعلّق القرارات ضد المخالفين على ابواب مؤسساتهم؟ هل تزداد الغرامات ضد مخالف كرر ارتكاباته؟ ما هي العقوبات الرادعة التي تُفرض على المتهمين في قضايا تضر المستهلكين؟
وكانت الاجابات التي جمعناها من متابعين لهذه الملفات في المؤسسات القضائية والعدلية، تأتي دائما بمنحى سلبي، فالغرامات التي تفرض على المؤسسات المخالفة لا تتجاوز في اغلب  الاحيان مبلغ 5 ملايين ليرة.
بعد الجمعية الاهلية، لقاء مع الجهة الرسمية المعنية. في وزارة الاقتصاد كان رئيس مصلحة حماية المستهلك فؤاد فليفل يبدي استعدادا كبيرا للاجابة على كل اسئلتنا، ومدنا بما يملك من وثائق (وهي مرفقة مع المقال). لفت الى ان للمديرية اربعة دوائر متخصصة في قمع الغش، ومكافحة الاحتكار والغلاء، والمقاييس والموازين (لمراقبة عمليات الكيل والاحجام والاوزان…)، ودائرة المصوغات. وفي خدمة المديرية 1739 مركزا لتلقي الشكاوى. واكد فليفل ان التعاون "مع القضاء قائم من خلال ضبط المخالفات وتكوين الملف: اي التحقيقات وتحليل النتائج وجمع البيانات الجمركية، واحالته الى النيابة العامة التي تحيله بدورها الى احدى المحاكم"، وذكّر فليفل ان عدد المراقبين في المديرية 250 مراقبا، ويتم التعاون مع 7 مختبرات.
نظرة الى المستندات التي امدنا بها فليفل تشي بان قضية "حماية المستهلك" لا تسير على ما يرام، وسنتوقف عندما نُشر عن عام 2010 لان الملف يبدو مكتملا،  حيث تم تنفيذ 11467 مهمة مراقبة، واخذت 11085 عينة للتحليل، اضافة الى تلقي 1346 شكوى، الا انه تم تحرير 400 محضر ضبط فقط، وتم تلف بضاعة بعدد 284، وفق الجدول الذي حصلنا عليه من فليفل وعنوانه "بيان الاعمال المنجزة في مصالح مديرية حماية المستهلك ابتداءً من شهر كانون الثاني وحتى شهر كانون الاول 2010".
رئيس مصلحة حماية المستهلك اقر في حديثه الى "المفكرة القانونية" بان الاحكام التي تصدر عن القضاء اللبناني في قضايا المستهلك ليست رادعة، ووفق ما امدنا به من وثائق عن احكام صادرة ما بين عامي 2006 و2011، فان 18 حكما صدر عن محكمة جزاء بيروت في قضايا مواد منتهية الصلاحية وغش وعدم اعلان اسعار ورفع اسعار، وتراوحت الاحكام بين مليون ليرة و5 ملايين ليرة.
اما فيما يختص بمحكمة جزاء بعبدا فصدر عنها عام 2010، ستة احكام تتعلق بالغش وتمنّع عن بيع بنزين، وصدرت الاحكام بفرض غرامات تراوحت بين مليون وخمسة ملايين ليرة، كما ان الوثيقة التي امدنا بها فليفل عن احكام محكمة استئناف جزاء المتن فقد اقتصرت هي ايضا على احكام صادرة عام 2010، في 11 قضية، وقضت العقوبات بفرض غرامات تراوحت بين مليون ليرة و30 مليون و500 الف ليرة ( يمكن مراجعة الوثائق منشورة مع المقال).
هنا لا بد من الاشارة الى ان عملية متابعة الاستقصاء كان دونها عوائق ابرزها: عدم وجود جهة اخرى (غير المصلحة) لجمع الاحكام ومعرفة عدد القضايا المرفوعة امام المحاكم، وعدم وجود جهة للتثبت من ان هذه الاحكام وجدت طريقها الى التنفيذ، واخيرا عدم وجود اي اشارة تلفت الى مصدر هذه الوثائق.
اذا كانت الاحكام باعتراف فليفل نفسه غير رادعة، فلما لا تقوم "محكمة المستهلك" بدورها؟ اجاب فليفل بان المحكمة التي صار القاضي صقر صقر رئيسا لها "تنظر في الشكاوى التي تزيد عن 3 ملايين وتحال اليها القضايا التي لا نستطيع حلها، ولكن لم تدع الحاجة الى ذلك"، وهي العبارة نفسها التي كررها فليفل في غير منبر اعلامي، مشددا على انه فيما يتعلق بلجنة الوساطة فان المراقبين يقومون بالوساطة بين المدعي والمدعى عليه.
انها مسألة المحكمة المعطلة "لجنة حل النزاعات"، وفق التسمية القانونية، فليفل يرى ان الحاجة لم تحتّم استدعاءها، اما النص القانوني الخاص بحماية المستهلكين رقم 659، والصادر في 4 شباط 2005، فقد جاء في المادة 97 منه "تنشأ لجنة لحل النزاعات اواكثر، للنظر في الخلافات المنصوص عليها في المادة 98 من هذا القانون.
تؤلف هذهاللجان من قاضي شرف او قاض من الدرجة الرابعة فما فوق، رئيسا وعضوية ممثل عن غرفالتجارة والصناعة والزراعة وممثل عن جمعيات حماية المستهلك.
خلال فترة انتقاليةلا تتجاوز الستة اشهر، ولحين تشكيل اللجان المذكورة اعلاه، ينظر في هذه الخلافاتقاضي شرف او قاض من الدرجة الرابعة فما فوق يعين بمرسوم يصدر بناء على اقتراح وزيرالعدل، بعد موافقة مجلس القضاء الاعلى.
يعين القضاة رؤساء اللجان بمراسيم تصدربناء على اقتراح وزير العدل، بعد موافقة مجلس القضاء الاعلى، ويعين اعضاء اللجانبمراسيم تصدر عن مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الاقتصادوالتجارة."
في المادة 98 المتعلقة بـاختصاص اللجان الحصري، جاءللجنة حل النزاعات الاختصاصالحصري للنظر في النزاعات الناشئة بين محترف ومستهلك او مصنع والناتجة عن تطبيق اوتفسير احكام هذا القانون ايا كانت قيمة النزاع وذلك باستثناء الملاحقات الجزائيةالتي تبقى من صلاحية المحاكم الجزائية المختصة.
اذا تبين للجنة حل النزاعات اناعمال احد اطراف النزاع معاقب عليها بموجب القانون، فعليه احالة صورة عن كامل الملفالى مدير عام الاقتصاد والتجارة، ليحيله بدوره، عند الاقتضاء، بعد موافقة وزيرالاقتصاد والتجارة الى النيابة العامة المختصة وفقا لاحكام المادة 81 من هذاالقانون.
الا انه لا يجوز تقديم الدعاوى، التي تتناول نزاعا تقل قيمته عن ثلاثةملايين ليرة لبنانية، مباشرة الى لجنة حل النزاعات قبل استنفاد مرحلة الوساطةالمنصوص عليها في المواد 83 من القانون".
لكن ايعقل ان ايا من القضايا التي طُرحت في اطار حماية المستهلك، لم تتجاوز قيمة النزاع فيها مبلغ 3 مليون ليرة(!)، ولماذا تغيب كل المستندات المتعلقة بهذه القضايا والتي يمكن ان يُستنتج منها قيمة النزاع؟
حاليا يرأس هذه اللجنة القاضي صقر صقر، بعدما ترأستها القاضية كارلا قسيس، وفيما قال فليفل ان الحاجة لم تحتم دعوة اللجنة، كانت الاجابات التي ترد الى جمعيات تهتم بشؤون المستهلك تفيد بان ما يُعرقل قيام هذه المحكمة بمهامها هو عدم تعيين كاتب لها (!)، مرة اخرى ان رجال السياسة (الحاكمين والمعارضين) يحولون دون قيام السلطة القضائية بواجبها.
هذا اضافة الى ان النص القانوني واضح فيما يتعلق بنشر الاحكام فقد جاء في المادة 122 "للمحكمة المختصة ان تقضي بنشر الحكم كله او بنشر خلاصته في الصحف التي تعينها على نفقة المحكوم عليه ولها ان تقضي بلصق خلاصة الحكم على ابواب الاماكن التي يمارس فيها المحترف او المصنع او مقدم الخدمة نشاطه "، ولكننا نادرا ما نقرأ في الصحف نص حكم في اطار دعاوى متعلقة بحماية المستهلك، ولا تفسير لغياب هذه الاحكام.
لو كانت عملية المحاسبة تتم وفق الاصول المنصوص عليها قانونيا، لو لم يُعطل دور محكمة المستهلك، هل كان يمكن للمشاهد التي رأيناها لاطنان من المواد الفاسدة ان تكون؟ والاهم لو قامت الجهات المعنية بمراقبة عمل المراقبين ومحاسبتهم على حسن الاداء، هل  كان يمكن لمندوبي مديرية حماية المستهلك ان يقوموا في عام 2011 بما يزيد عن 50 الف زيارة لمؤسسات تجارية، دون ان يقعوا خلالها على ما يدعو للريبة، وعلى مخالفات تزيد قيمتها عن 3 ملايين ليرة.
اخيرا، اذا كانت مصلحة حماية المستهلك او وزارة الاقتصاد او المؤسسات الرسمية المعنية لم تر حاجة لانعقاد محكمة المستهلك، فهل المشاهد التي تتالت امام عيون اللبنانيين عن المواد الفاسدة تدع مجالا للشك بان هذه المحكمة يجب ان تنعقد؟ المؤسف ان المواد الفاسدة التي ادت الى تسمم شخصية كبيرة، وفق ما تناقلته وسائل الاعلام، لم تدفع زملاء هذه الشخصية من سياسيين (وزراء ونواب) الى الاتفاق على اسم كاتب في لجنة حل النزاعات، لذا فان المحكمة ما زالت معطلة وكان لا حياة لها ولا دور.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية