“هويّتي”: شبكة للتضامن مع عديمي الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

،
2021-02-03    |   

“هويّتي”: شبكة للتضامن مع عديمي الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
هويتي

يعدّ موضوع انعدام الجنسية مشكلة كبيرة في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. كما أنّ التطرّق لواقع انعدام الجنسية في المنطقة يكاد يكون منعدماً في الأطر القانونية الوطنية. لذلك تجتمع الآن جهات فاعلة من المجتمع المدني للعمل من أجل حماية الأشخاص عديمي الجنسية.

وبالنّظر إلى الخبرات السابقة ونماذج شبكات إقليمية أخرى الراسخة مثل الشبكة الأوروبية لانعدام الجنسية، وشبكة انعدام الجنسيه في آسيا والهادئ وغيرها من الشبكات سواء على المستوى الإقليمي والقارّي أو على مستوى الأقاليم الفرعية داخل القارّة الواحدة، تبيّن أنّ اجتماع أصحاب المصلحة المتعدّدين من الأشخاص عديمي الجنسية ومنظمات غير حكومية ذات صلة بالموضوع وكذلك باحثين وناشطين في هذا المجال في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بات ضرورة ملحّة تدعو لتأسيس وتطوير شبكة رسمية لانعدام الجنسية في المنطقة.

وفي هذا الإطار ولدت شبكة انعدام الجنسية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا – المعروفة الآن باسم “هويّتي” في منتصف عام 2020 كنتاج لمرحلة طويلة من اللقاءات والمشاركات الاستراتيجية وكذلك التعاون البنّاء بين الجهات الفاعلة والعاملة في مجال انعدام الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وكان للمناقشات الهامّة الدائرة في أماكن مختلفة من العالم، ابتداءً من العاصمة بيروت في لبنان مروراً بلاهاي في هولندا وغيرها من المشاورات مع فاعلين وأكاديميين ونشطاء ومحامين، الدور الرئيسي في إظهار إمكانية تعزيز وتطوير التعاون القائم بين المهتمّين بموضوع انعدام الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

انعدام الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مشكلة خارج نطاق التقارير

غالباً ما تكون مشكلة انعدام الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نتيجة للتمييز العنصري، وسياسات التفرقة المبنيّة على الهوية أو العرق، والصراعات الدائرة في المنطقة.

فمثلاً يشكّل ملايين الفلسطينيين الذين يفتقرون إلى الجنسية منذ طردهم من منازلهم في نكبة عام 1948 ، الشريحة الأكبر من عديمي الجنسية في المنطقة. وفي نطاق آخر، أدّى التمييز العرقي والديني إلى حرمان أو سحب الجنسية من بعض الأقليات في المنطقة كما هو الحال مع الأكراد في سوريا، والموريتانيين السود وكذلك عدد من شخصيات المعارضة الشيعية في البحرين. كما وجد العديد من الأشخاص في المنطقة أنفسهم مستبعدين من سجلّات المواطنين بسبب عدم تسجيل أجدادهم في سجلات الإحصاء الرئيسية التي أجريت أثناء إنشاء دول المواطنة المعاصرة، كحال الكثير من البدو في لبنان والبدون في الخليج. بالإضافة إلى ذلك، تمثّل دول المنطقة ما يقارب نصف دول العالم التي تعتمد مبدأ عدم المساواة بين الجنسين في قوانين الجنسية بحيث تكون الأم غير قادرة على نقل جنسيتها إلى أطفالها على قدم المساواة مع الأب، وفي الإطار نفسه تميّز العديد من قوانين هذه الدول بين الأشخاص على أساس الدّين أو العرق أو العجز والحالة الجسدية.

في الواقع، لم تحظ مشكلة انعدام الجنسية في معظم أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا باهتمام كبير نسبياً من سلطات الدول والمشرّعين وحتى من المدافعين عن حقوق الإنسان وهذا يمثّل أحد أهم العوامل الرئيسية التي تميّز هذه المنطقة عن غيرها بالنسبة لمشكلة انعدام الجنسية. لذلك وبسبب هذا النقص في الاهتمام، يُلاحظ أن حجم المشكلة والأرقام الحقيقية أكبر وأعلى بكثير من التقديرات في الإحصاءات الرسمية المتاحة والمعلنة. على سبيل المثال، ليس لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين – وكالة الأمم المتحدة المكلّفة بتحديد وحماية الأشخاص عديمي الجنسية في جميع أنحاء العالم – أي أرقام أو تقديرات للعديد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على الرّغم من اعتقادها بوجود عدد كبير من السّكان عديمي الجنسية في هذه الدول (أي ما يزيد عن 10000 شخص). في حين أنّ أحدث أرقام المفوضية للأشخاص عديمي الجنسية في جميع أنحاء المنطقة (باستثناء 5.7 مليون فلسطيني مسجّلين لدى الأونروا) هو 370.519 شخص، فإنّ العدد في الواقع هو بلا شك أعلى من ذلك بكثير.

في الوقت نفسه، تفتقر تشريعات جميع دول هذه المنطقة إلى مواد وأحكام قانونية خاصّة لتحديد وحماية الأشخاص عديمي الجنسية. وبالتالي يفتقر عديم الجنسية للوضع القانوني في هذه الدول. كذلك لا تعتبر معظم دول المنطقة قضايا الجنسية خاضعة لاختصاص المحاكم الوطنية. يضاف إلى ذلك أنّ عدداً قليلاً فقط من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وقّعت على اتفاقيات 1954 و1961 الخاصّة بانعدام الجنسية، الأمر الذي أدّى إلى غياب إطار قانوني محدّد ومعترف به للتعامل مع انعدام الجنسية والأشخاص عديمي الجنسية. يُستثنى من ذلك بعض الدول في شمال إفريقيا التي تعدّ، مقارنةً بغيرها، بمثابة نموذج للالتزام بالمعايير الدولية في تشريعات قوانين الجنسية وتطبيقها. ومع ذلك، فإنّ التقدّم في المنطقة كان بطيئاً على أقلّ تقدير. فموريتانيا كانت الدولة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي قدّمت تعهّدات (4 من أصل 360 تعهداً في المجموع) خلال اجتماع رفيع المستوى عقد في خريف عام 2019 للاحتفال بمرور 10 سنوات على بدء حملة #أنا أنتمي (#IBelong) لإنهاء حالات انعدام الجنسية على مستوى العالم.

التغلّب على المصاعب التي تعيق التضامن مع عديمي الجنسية

كنتاج لما ورّثته سياسة “فرّق تسد” الاستعمارية، وبالإضافة إلى ممارسات الدول والسياسات الإقليمية المعقّدة، يواجه العمل في مجال انعدام الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نقصاً في المفردات المشتركة أي أنّه لا يوجد تعبير موحّد لوصف عديمي الجنسية في المنطقة. حيث تجد أنّه في كثير من الأحيان، قد لا يمكن تحديد وتوحيد المتضرّرين من مشكلة انعدام الجنسية مع بعضهم البعض وذلك بسبب اختلاف السياق والأسس التي بُني عليها الحرمان من الحق في الجنسية، فهم منقسمون على أسس عرقية ودينية وطائفية – ولا سيّما عندما يكون الحرمان من الجنسية مدفوعاً بالتمييز على أساس الهوية. وبناءً على ما سبق، تجد أنّ هذا الانقسام يُحجّم ويُضعف التضامن الفعّال بين مختلف الجماعات والأفراد المتضرّرة من انعدام الجنسية في المنطقة، بل ويضعفه أيضاً بين الناشطين والداعمين والمدافعين عن حقوقهم. بالرّغم من أنّ المصطلح الرسمي لهذه الظاهرة في اللغة العربية الفصحى هو عديم الجنسية، يستخدم الأشخاص عديمو الجنسية في جميع أنحاء المنطقة مصطلحات مختلفة في كلامهم اليومي للإشارة إلى أنفسهم، مما يزيد من حدة الانقسام واختلاف تجارب انعدام الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. بعض هذه المصطلحات موضحة في الرسم أدناه.

على خلاف المناطق الأخرى من العالم، هناك عدد قليل من المنظمات غير الحكومية أو مؤسسات المجتمع المدني المختصّة بقضية انعدام الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ومن هذه المنظّمات جمعية روّاد الحقوق في لبنان التي قدّمت لسنوات مساعدة قانونية مخصّصة للأشخاص عديمي الجنسية في لبنان، وفي الوقت ذاته تطالب الحكومة وتحفّزها على العمل لإيجاد حلول سياسية وإصلاحات قانونية في هذا الإطار. وفي نساقٍ متّصل تعمل منظمات غير حكومية أخرى بشكل كبير من الشتات مثل سلام للديمقراطية وحقوق الإنسان التي بدورها ركّزت على انعدام الجنسية والحرمان منها في منطقة الخليج العربي. وبالإضافة إلى هذه المنظمات غير الحكومية، ثمة جهات فاعلة رئيسية في مجال انعدام الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتألّف من محامين وأكاديميين ونشطاء يعملون في كثير من الأحيان بشكل فردي بمعزل عن بعضهم البعض.

شبكة “هويّتي”: رسالتها ومهمتها الاستراتيجية

تأسّست شبكة هويتي ووضعت هدفين أساسيين يتمثلان في:

1) العمل على تقليل وإنهاء حالات انعدام الجنسية في المنطقة

2) حماية الحقوق الإنسانية للأشخاص عديمي الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ولهذا الغرض، تسعى الشبكة إلى المشاركة في أنشطة تركّز على تحسين تعريف حالات انعدام الجنسية وفهمها، وتعزيز التضامن والتعاون، والدفاع عن حقوق عديمي الجنسية.

نظراً لتنوّع الأشخاص المتضرّرين من انعدام الجنسية في المنطقة واختلافهم، كان العثور على اسم يضم ويحتوي جميع حالات انعدام الجنسية أمراً صعب. لذلك سُميت الشبكة “هويتي” كدلالة على البطاقة الشخصية الخاصة بالأشخاص “الهوية” من جهة وعلى الهوية الشخصية للأشخاص من جهة أخرى. وفقاً للاستراتيجية التي رسمتها الشبكة، كانت الخطوة الأولى التي اتبعتها هي الوصول والتواصل مع الجهات الفاعلة داخل المنطقة والتشاور معهم. اتّخذت هذه الخطوة لتحقيق المزيد من التضامن بين المجتمعات التي تعاني من انعدام الجنسية في المنطقة، وكذلك الاستفادة من خبرات الجهات الإقليمية الفاعلة في المنطقة لتوجيه تطوّر الشبكة. وعبر حسابيها على تويتر وفيسبوك تسعى الشبكة للوصول إلى جماهير جديدة عبر المحتوى الذي تعمل عليه. على سبيل المثال، روّجت الشبكة لسلسلة “خرائط اللا مكان” الإذاعية التي تناقش بطريقة إبداعية مشكلة انعدام الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من إنتاج تالا العيسى و”منصّة صوت”. أما على الصعيد الدولي، فتتطلع الشبكة إلى التعاون مع منظمات مثل الحملة العالمية لحقوق المساواة في الجنسية وشركائها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، نظراً لانتشار حالة التمييز بين الجنسين في المنطقة، وكذلك العمل عن قرب مع الشبكات الشقيقة بهدف التعاون وتبادل الخبرات في القضايا العالمية وحملات المناصرة على المستوى الدولي مثل الشبكة الأوروبية للدفاع عن حقوق عديمي الجنسية.

وفي العاشر من كانون الأول 2020 عقدت الشبكة أوّل ندوة لها عبر الإنترنت حول فهم انعدام الجنسية في شمال إفريقيا بشكل خاص بسبب قلّة اهتمام الجهات الفاعلة الدولية التي تعمل في مجال انعدام الجنسية بهذا الجزء من المنطقة. كما تعمل الشبكة أيضاً على تطوير برنامج استراتيجي للمشاركة في قضايا ملحّة وذات أهمية في المنطقة مثل الاستجابة لحالات الانتحار بين البدون في الكويت. إضافةً لما سبق، ومن خلال جميع الأعمال التي تقوم بها، تأمل الشبكة في إنشاء منصّة للتعاون وبناء التضامن على أساس التجارب المماثلة في جميع أنحاء المنطقة.

**

نشرت سابقاً باللغة الإنكليزية من قبل الشبكة الأوروبية لانعدام الجنسية. ترجمة هشام كنعان

[نشرت “المفكرة القانونية” عدداً خاصّاً عن قضية عديمي الجنسية بعنوان “عديمو الجنسية في المنطقة العربية، أي قضية؟” في كانون الأوّل 2015]

انشر المقال

متوفر من خلال:

الجنسية ، بلدان عربية أخرى ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مقالات ، منظمات دولية



لتعليقاتكم