هندسة نظام الكورونا (الهلع والقانون في زمن الكورونا 3)


2020-04-15    |   

هندسة نظام الكورونا (الهلع والقانون في زمن الكورونا 3)

المدينة مُقفلة. يُحظر الخروج منها تحت طائلة الإعدام. الحيوانات التائهة في الشوارع تُقتل. المدينة مُقطّعة إلى حارات  مُنفصلة، يُشرف أمين خاص على كلّ منها. يُراقبها، يُحظر على سكانها الخروج من منازلهم، وحتى يقوم بإقفال أبواب المنازل بنفسه من الخارج. هو أيضاً من يُشرف على توزيع الحصص الغذائية للسكّان. التجول محظور أو أقله مُنظم وفق آلية محددة تمنع التخالط وتحدّ من الإزدحام. أما عملية توزيع الحصص الغذائية وتنظيف الشوارع ونقل الموتى، وعموماً كافة الأعمال “القذرة”، يقوم بها من هم الأكثر عسراً (فالموت يترقب هؤلاء مهما مكثوا في بيوتهم أو خرجوا منها). “يعمل التفتيش بشكل مستمر. ويبقى النظر في حالة تأهب في كل مكان”. الشرطة تحرس مداخل المدينة وتتجول بين المنازل والأحياء لإتمام عملية الإحصاء الدورية. فتنادي السكّان فرداً فرداً بغية إطلالهم على الشبابيك لتتأكد أنهم لا يزالوا على قيد الحياة وبصحة جيّدة ظاهرياً.

هذا المكان المُقفل والمُقطّع والمُراقب في كافة جوانبه، حيث الأفراد موزعون في نقاط محددة وحيث كافة التحركات مُراقبة ومًسيطر عليها وحيث كافة الأحداث اليومية مدوّنة في سجلات خاصة وحيث السلطة (بالمعنى المُجرد) تُمارس من دون أية مشاركة ووفق آلية هرمية متواصلة، كله يُشكل هندسة ضبط للفضاء العام أمام تفشي الطّاعون سنداً لمذكرة القواعد الخاصة بهذا الشأن في مملكة فرنسا خلال القرن السابع عشر مثلما نقلها الفيلسوف الفرنسي الراحل ميشال فوكو في كتابه “المراقبة والعقاب”[1]. ووفق فوكو، فقد شكلت هندسة تلك المذكرات حجر الأساس لهندسة البانوبتيكون (Panopticon) لاحقاً، الذي صممه الفيلسوف الإنكليزي جيريمي بنثام[2] في القرن الثامن عشر لبناء السجون. والهدف: السماح بمراقبة جميع السجناء من دون أن يكون هؤلاء قادرين على معرفة ما إذا كانوا فعلياً موضع مراقبة أم لا. وقد تطوّر تصميم بنثام ليتحوّل إلى أداة سلطة ومركز للقوة غير المرئية، فاعتمدته بداية الأنظمة القمعية والديكتاتورية لمراقبة شعوبها والسيطرة عليها، واستلهم منه أدب الديستوبيا (dystopia) لرسم مجتمعات خيالية مُجردة من إنسانية الإنسان (أشهرها رواية “1984” لجورج أورويل). المشهد أليف اليوم. والديستوبيا تبدو وكأنها تسللت من الرواية لتعدو تائهة في شوارعنا الفارغة ليلاً وتتصدّر المشهد المستحدث.

في الجزء الأوّل[3] من سلسة المقالات التي خصصتها لأزمة جائحة الكورونا وكيفية إدارة الحكومة لها منذ أوائل آذار الماضي، بحثت في الإطار القانوني لإدارة تلك الأزمة وفي وظيفة الهلع وأثره على آلية إتخاذ القرارات المصيرية خلالها، محذراً من مخاطر سوء توظيف الهلع واستغلاله لفرض إجراءات لا تأتلف ومفهوم المجتمع الديمقراطي ومشدداً على وجوب التوفيق بين الضرورات الصحية من جهة والضرورات الإقتصادية والإجتماعية من جهة أخرى. في الجزء الثاني[4] منها، بحثت في كيفية التوفيق بين هذه الضرورات. اليوم وبعد مرور شهر على إعلان الحكومة للتعبئة العامة في 15 آذار الماضي، تطوّر المشهد ليتبيّن أنه وفي حين تُشكل الكورونا في المخيلة المشتركة، شرّاً يقتضي درؤه بشتى الوسائل حفاظاً على الصحة والسلامة العامة، فهي تُشكل أيضاً فرصة فريدة من نوعها للنظام السائد (والمقصود هنا هو النظام بكافة أوجهه السياسية والمالية والإقتصادية منه)، لإعادة بسط مخالبه على الفضاء العام وإعادة تحكمها فيه بعدما ظهرت بوادر إقتلاعها منه في الأشهر التي سبقت ظهور الكورونا في حيواتنا، لا سيما تبعاً لثورة 17 تشرين. فأتت الكورونا في أوائل هذا العام كهدية للنظام، يرسم من خلالها هندسة مستجدة لذاته، تتجلّى من خلال إخضاع الشعب على المستويين السياسي والإقتصادي (أو ما يُشار إليه في بعض الأوساط الأكادمية بـ”رأسمالية الكورونا”). فما هي هندسة هذا النظام المُستجدة؟ وكيف عسانا أن نتصدى لها؟

هندسة الإخضاع المُستجدة

في البدء، تجلّت الإجراءات المُتخذة من قبل الحكومة إزاء المواطنين للحدّ من تفشي الوباء، كقواعد إنضباط وسلوك ممتدة من موجب فردي معنوي يتحمله كل فرد من أفراد المجتمع للمساهمة في مكافحة الفيروس، فيلتزم البقاء في البيت وعدم الخروج منه إلاّ للضرورة القصوى (وفق ما جاء في مرسوم التعبئة العامة رقم 6198). لكن سرعان ما اتّخذت تلك الإجراءات منحى عقابياً تترجم بقواعد آمرة على أرض الواقع. وقد ساهم في إتخاذ هذا المنحى ثلاثة عوامل أساسية، هي:

1- غموض عبارة “الضرورة القصوى”، ما ترك هامشاً واسعاً لتفسيرها وتالياً لكيفية تطبيق إجراءات التعبئة العامة وما يستتبعه من تعسّفٍ وتوسّعٍ، لا سيما في ظلّ إحالة مرسوم التعبئة العامة إلى المادة 604 من قانون العقوبات لملاحقة المخالفين. فالغموض يُفيد الطاغية. وسرعان ما توالتْ المذكّرات والقرارات الوزارية الواحدة تلو الأخرى (مهما كانت صوابيتها أو قانونيتها)، محوّلةً موجب المواطنين المعنوي إلى قواعد آمرة تؤدّي إلى ملاحقة ومعاقبة من يُخالفها. وبذلك، أُلغيَت تدريجياً الإشارة إلى مفهوم الضرورة القصوى لتحلّ محلها موانع صريحة للخروج إلى المساحة العامة، ليست بالضرورة مُبررة بمقتضى الحفاظ على الصحة العامة (مثل منع التجول ليلاً أو تحديد أيّام لسير المركبات وفق معادلة مفرد-مجوز بشأن لوحاتها الرقمية وصولاً إلى منع سير المركبات الخاصة كلها نهار الأحد[5]).

2- توظيف الهلع من الوباء إعلامياً، لا سيما من خلال استشراس بعض وسائل الإعلام الكبرى في البلد في تغطيتها للمسألة، وتبنيها أسلوباً أبوياً[6] وترهيبياً وحتى تحريضياً إزاء من لا يلتزم البقاء في البيت. وقد وصل بعض الإعلاميون إلى حد تعزيز ثقافة الوشاية من خلال مشاركتهم أشرطة مصوّرة لمواطنين في المساحات العامة أثناء التعبئة العامة، على صفحاتهم الخاصة على وسائل التواصل الإجتماعي أو حتى في بعض نشرات الأخبار، ناعتين هؤلاء بالـ”بلا مخ” ومطالبين أجهزة الدولة بالتشدد في تطبيق الإجراءات المذكورة (بمعزل عن طبيعتها المعنوية على الصعيد القانوني).

3- توظيف أجهزة الدولة، بدورها، لثقافة الوشاية المُروّجة إعلامياً، لا سيما من خلال تعميم رسم إعلاني أشبه برسومات الأنظمة القمعية والفاشية خلال ثلاثينات وأربعينيات القرن الماضي، تُظهر شرطيّاً بزي قوى الأمن الداخلي، يرتدي كمامة على وجهه وينظر إلى المشاهد بتحدّ، حاملاً يافطة تقول “كرمالك وكرمالنا، بلّغ! 112” وأيضاً “لدى مشاهدتك لأي مخالفة لقرار التعبئة العامة، بلّغ فوراً #خليك_بالبيت”. وعليه، يتحوّل الجار والصديق والأخت والأب بمثابة جواسيس بعضهم على بعض ورهائن بعضهم لبعض وأعداء محتملين لمشروع الدولة العليّة. ويصبح إذ ذاك كل مواطن شرطياً على الآخر وأعين السلطة المتواجدة بشكل كلي وفي كل الزوايا، على نحو يجعل من البلد كله “بانوبتيكون” بنثام عملاقاً.

وبفعل هذه الإجراءات وآليات تطبيقها على أرض الواقع دون أية ضوابط وأي إعتبار جدّي للحقوق والحريات الأساسية ولمبادئ المجتمع الديمقراطي التي تقتضي مناقشة هذه الإجراءات، يتحوّل البلد إلى سجن جماعي مع قواعده الخاصة وشواويشه المستجدين (شباب الحي، الإعلامي، شرطة البلدية إلخ.). ومعه يصبح تهويل الحكومة المستمر بالتشدد بالإجراءات غير مرتبط بتفاقم الوباء أو إزدياد أعداد المصابين، بل ناتجاً عمّا تراه ملائماً هي (من دون أية دراسة علمية)، بمعزل عن مدى صوابية الإجراءات المتخذة منها على صعيد الصحة والسلامة العامة. وقد تلقى تالياً بعض السائقين محاضر ضبط غير قانونية، ألزمتهم بتسديد غرامات مالية مستحدثة في غياب أي نص قانوني، فيما أُمر بعض المارة في الشوارع بالعودة إلى منازلهم، مهما كانت غاية خروجهم، لا سيما مساء، وذلك في تضييق غير مسبوق للحريات وتحجيم ممنهج لإنسانية الإنسان ونشاطه الإقتصادي والسياسي.

في كتابه “المراقبة والعقاب”، يُفسر ميشال فوكو أنه وفي حين تشكل قواعد وإجراءات السلوك (مثل إجراءات التعبئة العامة) درجة أدنى من القانون (infra‑droit) ظاهرياً، فهي في الواقع معاكسة تماماً للقانون (contre‑droit). ففي حين تكمن إحدى وظائف القانون الأساسية في إعادة توزيع السلطة من خلال وضع ضوابط لممارستها (وهنا يبقى “عقد العمل” المثل الأنسب بهذا الشأن)، تأتي قواعد السلوك لتقلب الرواية القانونية وتُعيد ترسيخ قواعد الأقوى في العلاقات وروايته عنها (ولهذه الغاية، يعطي فوكو هنا أيضاً مثل قواعد السلوك داخل مكان العمل التي غالباً ما تدحض وهم التوازن الذي يحاول عقد العمل تحقيقه). فقواعد السلوك تستبدل الحقيقة القانونية بحقيقة من هو أقوى. وهو أمر لا يقتصر على العلاقات الخاصة بين الأفراد وحسب، إذ أن الآلية ذاتها تتجلى على مستوى الأنظمة السياسية في علاقاتها مع شعوبها، لا سيما في ظلّ الأوضاع الإستثنائية وما تقتضيه من إتخاذ لإجراءات، هي الأخرى إستثنائية، لمواجهة الوضع الإستثنائي (مثلما هي حالة تفشي الكورونا اليوم). فالأوضاع الإستثنائية تشكل فرصة فريدة من نوعها للنظام بغية إستغلالها وتحويل الإجراءات المتخذة بصددها إلى إجراءات مستدامة تدريجياً، ترسي معادلة مستجدة له في علاقته مع الشعب[7] وفق قواعد الأقوى. والأقوى هنا هو النظام، هذا “الأخ الأكبر” (للإستعارة من أورويل) المُنقذ لشعبه في الزمن الإستثنائي. وفي حوار حديث له مع صحيفة لو موند الفرنسية، يحلل الفيلسوف الإيطالي المعاصر جورجيو أغانبن (Giorgio Agamben) نظرية فوكو المذكورة في ظل تفشي الكورونا، معتبراً أن هذا الوباء يثبت مدى التطبيع لحالات الإستثناء، على نحو يختزل الإنسان بكيانه البيولوجي البحت مُفقداً إياه أبعاده السياسية والإنسانية معاً، إنسجاماً للسياسة الحيوية (biopolitics)[8] وفق نظرية فوكو لها، وفي تعميم غير مسبوق لها على النطاق الشامل.

فعلى هذا الأساس، وفي ظلّ هيمنة الهلع من الكورونا على النقاش العام، يتم إطاحة الحقوق والحريات الأساسية ويُختزل الإنسان في كيانه البيولوجي البحت، بإسم مقتضيات تنفيذ قواعد السلوك المستجدة لمكافحة الوباء، كل ذلك في غياب أي نقاش عام يفرضه مفهوم المجتمع الديمقراطي. فيُمنع التنقل وتُنتهك الخصوصية من دون أي إعتراض جدّي. وأي إعتراض ممكن أصلاً؟ فالنظام جنّد كافة عناصر الشعب، محولاً إياها شرطياً بعضها على البعض وفق ما أسلفته. فهي لم تكتفِ بعدم الإعتراض وحسب، وإنما ذهبت أحياناً إلى حد مناشدة السلطة بالتشدد بالإجراءات التقييدية للحريات (في نسخة بائسة لمتلازمة ستوكهولم). فالأخ الأكبر هو هنا ليحمينا، وهو يُخضعنا ليحمينا، وحتى إذا قمعنا وضربنا وأذلّنا فهو لا بدّ يفعل ذلك ليحمينا. وها هو الأخ الأكبر يحرق في 27 آذار خيم الثوار في وسط مدينة بيروت بما لها من رومنسية من دون أي إعتراض جدّي، ليحمينا ويحمي الثوار أنفسهم. والواقع أن رمزية هذا الحدث هي ترجمة مادية بليغة لرغبة الأخ الأكبر في إظهار سلطته وقوته على الثورة. الثورة ماتت، يقول لنا. لا مساحة لها في زمن الكورونا. فلتحترق خيم الثوار ومعها الحقوق والحريات، لأن الساعة ليست ساعتها، الساعة هي ساعة الأخ الأكبر، ساعة النظام البوليسي. “فبلّوا الحقوق واشربوا ميتها”. وفي حال ظهر أي إعتراض، فغالباً ما يترجم في أحسن حالاته بمطلب مفاده “بمعزل عن قانونية القرارات، أوجدوا إستثناءات”، لأن الساعة هي أيضاً ساعة الإستثناءات.

ولكن الساعة، هي ساعة الأفكار الأكثر راديكالية أيضاً، لا سيما تلك النابعة عن أوجه النظام الأخرى، الإقتصادية والمالية منه. ولهذه الأوجه هندستها الخاصة لرسم نسخة مستجدة من فلسفتها الرأسمالية من دون أي إعتراض جدي بفعل ما مهّدت له هندسة الإخضاع المذكورة. فتُستغل صدمة الوباء لإرساء قواعد مستجدة للعبة (كانت الثورة قد حاولت كسرها)، وفق ما أُشير إليه برأسمالية الكوارث أو حتى “رأسمالية الكورونا”.

هندسة رأسمالية الكوارث

“ما يؤدي إلى تغيير فعليّ، هو فقط وجود أزمة ما – أكانت حقيقية أو متصوّرة. فعندما تحدث أزمة، تتعلق الإجراءات المتخذة بصددها بالأفكار الكائنة حولها”. هذا ما قاله ميلتون فريدمان (Milton Friedman)، عالم الإقتصاد الأميركي وأحد القادة الفكريين لمدرسة شيكاغو للإقتصاد وأبرز عرّابي العقيدة النيوليبرالية. في كتابها “عقيدة الصدمة: صعود رأسمال الكوارث”[9]، تنطلق الكاتبة السياسية الكندية ناعومي كلاين (Naomi Klein) من مقولة فريدمان المذكورة لتبيّن كيف شكلت هذه المقولة بالذات، حجر الأساس لقيام أفكار “شباب شيكاغو” (أي فريدمان وتلاميذه) والسياسات النيوليبرالية حول العالم في إثر الأزمات المختلفة، حيث تصبح أكثر الأفكار راديكالية ممكنة. ولكن أية أفكار منها؟ فوفق كلاين، يقوم هنا القيمون على العقيدة النيوليبرالية باستغلال حدوث الأزمات المختلفة لدفع الحكومات المعنية بإدارتها على تبنّي سياسات راديكالية، غالباً ما تضرب بعرض الحائط مقتضيات المصلحة العامة لتفيد قلّة ضئيلة من المتموّلين وأصحاب السلطة والنفوذ. فيتهافت مدافعو العقيدة والمستفيدون منها للدفع بتبني مثل هذه السياسات على وجه السرعة، للإستفادة من حالة الصدمة التي يكون الشعب واقعاً تحت وطأتها، فيتفادون مواجهة أي إعتراض جدّي من قبله. وهذا الأمر يتطلب توفر شرطين أساسيين لضمان نجاح العقيدة، هما: توفر أزمة صادمة واستشعار الشعب المعني بالعزلة: فإما يخضع مرغماً وإما يظهر النظام النيوليبرالي كالأخ الأكبر المنقذ.

وعلى هذا الأساس، انبنى نظام السوق الحرّ (free‑market) حول العالم، بدءاً من سطو الديكتاتور أوغوستو بينوشيه (Pinochet) على الحكم في التشيلي بعد إطاحته لسلفادور أللندي وحكومته الإشتراكية عام 1973، قبل أن يمتدّ منه إلى كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة مع تولي رونالد ريغان ومارغريت تاتشير الحكم هناك، وصولاً إلى لبنان وتولي رفيق الحريري رئاسة الحكومة أوائل تسعينيات القرن الماضي. وكانت قد شكلت آنذاك الحرب اللبنانية (1975-1990) الأزمة الصادمة المثالية وتالياً الفرصة الفريدة من نوعها لإعادة النظر بالنظام الإقتصادي اللبناني وتوجيهه نحو مسار النيوليبرالية من دون أي إعتراض جدّي، وها نحن اليوم نخضع لتداعياتها الكارثية[10]. فأينما وُجدت أزمة صادمة حول العالم، ترى شباب شيكاغو وحلفاؤهم يتهافتون لمناصرة العقيدة النيوليبرالية وسياساتها، أكانت الأزمة ناتجة عن كارثة طبيعية أو مُفتعلة مثل الحروب. وما حصل في العراق إبتداء من سنة 2003 وما لحقه من خصصة للإقتصاد العراقي، خير دليل على ذلك. أمّا جائحة الكورونا، فليست مختلفة عن ذلك، لدرجة أنه بدأ الحديث عن رأسمالية الكورونا كوجه مستحدث لرأسمالية الكوارث التي تتحدث عنها كلان. فأين نحن منها في لبنان؟

“وهكذا، كان أوّل ما حمله الطّاعون لمواطنينا هو النفي”، يقول الكاتب الفرنسي ألبير كامو في روايته “الطّاعون”[11]. والنفي هو تحديداً ما يتعايش معه العالم اليوم بفعل سياسة العزل الذاتي جراء الإجراءات المتخذة للحد من تفشي الكورونا. والنفي هو أحد شروط نجاح عقيدة الصدمة وفق ما أسلفته، فالناس معزولة ومصدومة وتالياً مقومات تصديها للإستبداد والطغيان شبه منعدمة. وعلى هذا الأساس، بدأت هندسة رأسمالية الكورونا تتبلور بسرعة فائقة في لبنان، فور تفشي الوباء وإعلان التعبئة العامة. أمّا الأفكار الكائنة حوله، والتي ظهرت إلى العلن مؤخراً، فهي تمحورت بشكل أساسي حول الأمور التالية:

  • الحلول المقدمة لمعالجة الأزمة المالية وملف المصارف بشكل عام، ومحورها زيادة حقوق المساهمين في المصارف الكبرى (المتوقفة عن الدفع فعلياً)، من دون إيجاد أي حلّ للتصدي لسطو المصارف على أموال المودعين أو تقييد أي من مدرائها[12]. وفيما صدرت تعاميم لتحرير بعض الودائع، فهي اقتصرت على تحرير الودائع الصغيرة جدّاً وبشروط لا تخلو من التمييز والغبن.
  • الخطط المقدمة لمعالجة الخسائر الدفترية المحققة من قبل القطاع المصرفي، ومن ضمنها توزيع تلك الخسائر بين المساهمين والدائنين والمودعين وسائر فئات المجتمع، علماً أن ما يقارب 50% من سكان لبنان يرجح أن يكونوا قد أصبحوا تحت خط الفقر.
  • إعادة إحياء النظام الإقطاعي-الزبائني من خلال حملة المساعدات والحسنات المتعلقة بمكافحة الكورونا، بغية إستعادة الزعماء والنافذين والأحزاب السياسية الحيّز العام الذي أفقدتهم إياه ثورة 17 تشرين، وذلك بتواطؤ تام مع بعض وسائل الإعلام التجارية التي شرعت لهم فضاءها لتبييض صورتهم.
  • كيفية معالجة الوباء على الصعيد الصحي نفسه، بنتيجة التقاعس المزمن عن إقرار التغطية الصحية الشاملة. ففي موازاة زيادة الضغط على المستشفيات الحكومية التي تم إهمالها بشكل ممنهج خلال العقود الماضية، شهدنا رفض بعض المستشفيات من إستقبال مرضى الكورونا مقابل رفض معظم شركات التأمين (بما فيها الصناديق الاستشفائية في بعض النقابات المهنية) من تغطية العلاج من الكورونا،
  • إقتراح إعفاء بعض كبار الشركات من الضريبة (منها من إستفاد من إمتيازات إستثمارية لعقود ومنها من تعدى على الملك العام من دون حسيب أو رقيب)، من دون أي مبرر على صعيد المصلحة العامة أو حسن إدارة أموال الدولة أو الإقتصاد اللبناني.
  • التسليم بما يواجهه العمّال من إجحاف جراء إرتفاع نسب الصرف من الخدمة وتحفيض للأجور. لا بل لم يتوانَ حتى رئيس الهيئات الإقتصادية، الوزير السابق محمد شقير (وزير الواتسآب) عن إقتراح استخدام أموال من فرع تعويض نهاية الخدمة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، لدفع مبلغ يوازي الحد الأدنى للأجور عن شهر نيسان للعمّال والموظفين في القطاع الخاص المنتسبين إلى صندوق الضمان، في ما يشكل تعديا غير مسبوق وفادح لحقوق العمّال،
  • إعادة تفعيل مشاريع مضرّة للبيئة مثل مشروع سد بسري، التي كانت ثورة 17 تشرين قد نجحت بالتصدي له قبل ظهور الكورونا في حيواتنا.

هذه هي عيّنة صغيرة من الأفكار الكائنة حول صدمة الكورونا والتي يتمّ طرحها أو إعادة طرحها اليوم، بشكل يتوافق تماماً وآلية عمل عقيدة الصدمة. وهو أمر يتم على وجه العجلة. فلماذا العجلة تلك؟ الجواب يأتي من رسالة وجهها ميلتون فريدمان نفسه إلى الديكتاتور بينوشي على إثر سطو هذا الأخير على الحكم في التشيلي، يقول له فيها أن أزمات مماثلة تُظهر كافة شوائب النظام الرأسمالي النيوليبرالي، وهي قد تشكل تالياً فرصة لليسار ليدفع بتبني أفكاره وسياساته هو، مثلما حصل في الثلاثينيات تبعاً للكساد الكبير سنة 1929، لذلك فعلى القوة الرأسمالية أن تضافر وتيرة تحركها وتدفع بتبني السياسات الأنسب لها بسرعة وقبل فوات الأوان.

إذاً، ها هو عقب أخيل (Achilles)، فكيف عسانا أن نصيبه للتصدي لتداعيات عقيدة الصدمة؟

هندسة التصدي للنظام المستجد

مقومات هندسة التصدي للنظام المستجد هي ثلاثة: المرصاد، والأفكار البديلة، وصولاً إلى المقاومة والعصيان لدى الضرورة:

1- المرصاد هو ترقب ومراقبة أعمال النظام، بشكل مستمرّ ومن كافة الزوايا وتالياً نقدها وكشف حقيقة وجهها، لا سيما من خلال تفكيك الغلاف الذي يحاول النظام بائساً تزيينها به. وحملة التبرعات لتبييض الصفحة أو تصوير التعدي على تعويض نهاية الخدمة بمثابة “مبادرة لتوفير الدعم” للعمال، هما خير دليل على ذلك. فالمرصاد يوجد فجوة في “بانوبتبكون” بانثام، ويؤدي تالياً إلى الإخلال بهندسته على نحو يقلب من خلالها الأدوار لتصبح السلطة هي من يتم مراقبتها باستمرار. هنا يكمن دور الباحث والحقوقي والناشط وخصوصاً الصحافي (بدلاً من تطبيل هذا الأخير للسلطة وترويجه لثقافتها في تعميم الهلع)، وعموماً هو دور كافة عناصر المجتمع. فإجراءات التعبئة العامة لم تحرمنا من هذه الإمكانية بعد.

2- الأفكار البديلة، هي أفكار مبتكرة لمعالجة الأزمة، وهي تكون نابعة من عناصر المجتمع وتتّسم بالعدالة وتندرج ضمن تحقيق المصلحة العامة. وقد سبق لي أن إقترحت سلسلة منها في الجزء الثاني من “الهلع والقانون في زمن الكورونا“، من إقرار بصورة العجلة سياسة إسكانية شاملة تجعل من شعار “خليك بالبيت”، شعاراً بمتناول الجميع وليس فقط بمتناول الفئات الإجتماعية الميسورة، مروراً بإقرار خطة شاملة إنقاذية لدعم العمّال والأجراء الذين خسروا وظائفهم أو خُفضت معاشاتهم وإقرار سياسة جزائية مفادها تخفيف الإكتظاظ في السجون والمخافر إلخ. ويضاف إليها تلك المتعلقة بإيجاد حلول بديلة للأزمة المالية[13] قوامها العدالة الإجتماعية من خلال إعادة توزيع الثروات الماضية والمستقبلية بدلاً من توزيع الخسائر بشكل عام على كافة فيئات المجتمع، ولأزمة السكن[14] وضرورة إقرار قانون لتعليق موجب المستأجر من تسديد بدلات الإيجار إلى حين إنتهاء التعبئة العامة إلخ. فوباء الكورونا هو فرصة ممتازة لطرح البدائل الراديكالية أيضاً وفي كافة المجالات، إذ أنه أظهر في العلن فشل النظام النيوليبرالي الذي تعايشنا معه لعقود والذي نتلقى تداعياته اليوم، أكثر من أي يوم مضى.

3- أمّا مقاومة النظام، وهي ممارسة لحق المقاومة والعصيان ومواجهة الإستبداد. وكان قد سبق أن تحدثت عن هذا الحق وعن مفاعيله في مقال سابق لي تبعاً لإندلاع ثورة 17 تشرين، مذكراً بضرورة الاستعانة بالقانون الطبيعي الإصلاحي لمواجهة القانون الوضعي، لا سيما عند انحراف هذا الأخير عن المصلحة العامة، فتصبح مقاومة النظام، مقاومة مشروعة مجرّدة من أي توصيف جرميّ لها لإنتفاء النيّة الجرميّة وإستبدالها بالنيّة الإصلاحيّة[15]. وقد تتجلى ممارسة هذا الحق في أوجه عديدة وبمعزل عن إجراءات العزل المنزلي، شهدناها بداية من جراء حملات إحتجاجية عبر وسائل التواصل الإجتماعي، وصولاً إلى الإنتفاضة في الشارع مثلما حصل في حلبا من قبل الناشط غيث حمّود ورفاقه رفضاً لسياسة “التسوّل” بإسم المستشفى الحكومي.

لبنان اليوم ليس المملكة الفرنسية في القرن السابع عشر مثلما وصفها فوكو، ولبنان اليوم ليس رقعة هذه الأرض الموبوؤة بالكوليرا في أيام السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر، ولبنان اليوم هو حتماً ليس لبنان ما قبل ثورة 17 تشرين. فبانوبتيكون النظام ساقط، والشعب يترقبه ويراقبه في المرصاد. ورداً على محاولة النظام استغلال الهلع المتأتي من الكورونا، أكتفي هنا بالتذكير أن الهندسات المالية المعمول بها منذ عقود هي أيضاً قاتلة، وأن فقدان العمّال لوظائفهم وإلزامهم بالمكوث في البيوت من دون أي بديل عملي هو أيضاً قاتل، وبقاء بعض الفئات الإجتماعية في البيوت في بيئات عدائية (كالنساء المعنفات والعاملات في الخدمة المنزلية والمثليين والعابرين جنسياً إلخ.) هو أيضاً وبحد ذاته قاتل. كما وأن إقرار مشاريع ضارة بالبيئة (كمشروع سد بسري) هو أيضاً قاتل إلخ. فأين هي خطة الطوارئ للتصدي لكل أسباب الموت هذه؟ الكورونا ليست أقل ضرراً منها، لكن الكورونا فاضحة. فهي تفضح النظام بكافة عيوبه وشوائبه، فابقوا في بيوتكم لنتمكن من التستر عليها. ولكن، أن تؤدي الأزمة إلى تحويل البلد كله إلى سجن جماعي وإلى إخضاع الشعب مقابل تشريع الفضاء العام لشباب شيكاغو المستجدين والسماح لهم بإرساء قواعدهم من دون أي إعتراض، وأن يضرب هذا الأمر بعرض الحائط الحقوق والحريات الأساسية وأن تتحول التعبئة العامة إلى مدخل للطاغية لإعادة بسط مخالبها، يفرض علينا كمواطنين التأهب والتعبئة العامة لتفكيك هذه الهندسة ومقوماتها ومعها مصمميها بغية إسقاط الأخ الأكبر، المستجد هو الآخر. فلتدوّن كلمات جورج أورويل في الأذهان وعلى كافة جدران البلد لعلّنا نسقط معها ديستوبيا العصر:

يسقط الأخ الأكبر!

يسقط الأخ الأكبر!

يسقط الأخ الأكبر!


[1] Michel Foucault, « Surveiller et punir », éd. Gallimard, 1975.

[2] Jeremy Bentham.

[3]  كريم نمّور، “الهلع والقانون في زمن الكورونا“، المفكرة القانونية، 14/03/2020.

[5]  كريم نمّور، “وزير الداخلية يتعسّف في استعمال سلطته مستغلّاً الكورونا“، المفكرة القانونية، 05/04/2020.

[6]  تراجع الحلقة الثامنة من الموسم الثاني من البودكاست القانوني التابع للمفكرة القانونية مع الدكتور جميل معوّض على منصة Soundcloud تحت عنوان “وظيفة الوباء والهلع في السياسة“.

[7] M. Foucault, op. cit.

[9] Naomi Klein, “The Shock Doctrine: The Rise of Disaster Capitalism”, Knopf Canada, 2007.

[10] For a general overview of the Lebanon Hariri case-study, check: Hannes Baumann, “Citizen Hariri – Lebanon’s Neoliberal Reconstruction”, C. Hurst & Co., 2016.

[11] Albert Camus, “La Peste” –  تم ترجمته إلى العربية من قبل سهيل إدريس ونشر لدى دار الآداب، وهو متوفر مجاناً على موقعهم الإلكتروني لغاية 5 أيار 2020.

[12]  لنظرة شاملة عن ملف المصارف، يراجع العدد الخاص للمفكرة القانونية رقم 64، تحت عنوان “قبح النظام في مرآة المصارف“، نيسان 2020.

[13]  يراجع العدد الخاص من المفكرة القانونية رقم 64 والمذكور أعلاه.

[14]  تراجع الحلقة التاسعة من الموسم الثاني من البودكاست القانوني التابع للمفكرة القانونية، على منصة Soundcloud، تحت عنوان “البيت والمدينة في زمن الكورونا“، من الدكتورة منى فوّاز.

[15]  كريم نمّور، “حق المقاومة والعصيان لمواجهة إستبداد النظام”، المفكرة القانونية، 02/11/2019.

انشر المقال

متوفر خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، حراكات اجتماعية ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، حقوق العمال والنقابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مجلة تونس ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *