هنا طرابلس: حيث الدولة لا تحبّ الفقراء


2020-09-02    |   

هنا طرابلس: حيث الدولة لا تحبّ الفقراء
الناشط فادي إبراهيم مقطّباً فمه احتجاجاً على تردّي الأوضاع الإنسانية في طرابلس

تستمر معدلات الفقر والبطالة في الارتفاع في طرابلس وتواصل حلقات مرتادي مقاهي البطالة في الاتّساع. وهنا في عاصمة الشمال، لا يأبه الناس لكورونا، لأن وقع الجوع أمضى وأشد. وعشية عيد الأضحى قبل أيام من تفجير مرفأ بيروت، نزل الناس إلى السوق، تنزّهوا، جالو على المحلّات، سألوا عن الأسعار، إلّا أنّهم عجزوا عن الشراء، حتى انطبقت عليهم مقولة “الكثير من الجعجعة والكثير من الطحين”. وهذه الصورة تتحدث عن حال الناس، وتحكي مأساة التجّار الذين يعترفون أنّ الأسعار حارقة، ولا يدانيها في ذلك حرّ تموز، مؤكدين أنهم على عتبة الإقفال و”تسليم مفاتيحهم”.

فادي إبراهيم يحترق

بعد شهر من بدئه الإضراب عن الطعام في خيمته بساحة النور في طرابلس، خطى الناشط فادي إبراهيم خطوة إضافية نحو إدانة السلطة الصمّاء. تروي شاهدة عيان لـ”المفكرة القانونية” أنّه عند السادسة من صباح اليوم الجمعة 28 آب “اندفعت مجموعة عسكرية ترتدي الخوذ نحو خيمة فادي، وحاولت إزالتها”، هذا الأمر استفزّ فادي الذي دخل معهم في سجال، مهدداً بإحراق نفسه. وما هي إلّا دقائق حتى سكب مادة حارقة على جسده وأشعل النار. أصيب فادي بحروق في بطنه، حيث قام فريق من الصليب الأحمر اللبناني بتقديم الإسعافات الأوليّة له ومداواة حروقه. في المقابل، كانت زوجته تتوجّه إلى العناصر العسكرية بالقول: “ضاقت عيونكم بخيمة صغيرة، لماذا تستمرّون في الدفاع عن سلطة جوّعتنا وجوّعتكم، معاشكم لم يعد يساوي مئة دولار”.

ومنذ أكثر من شهر، يفترش فادي ابراهيم خيمته وحيداً في ساحة النور حيث بدأ إضراباً عن الطعام إلى “حين الإستقلال عن دولة اللصوص” حسبما قال في حديث لـ”المفكرة” وانضمّت إليه زوجته من أجل إيصال الرسالة إذا ما كان هناك أحدٌ يسمع.

يفاخر فادي بأنّه أول من رفع صوت المهمّشين في طرابلس ولبنان عشية ثورة 17 تشرين الأول، ففي 20 شباط 2019 نزل إلى ساحة النور ودعا الجياع إلى مشاركته في معركة الأمعاء الخاوية. يقول إن الإضراب عن الطعام ليس مجرّد هدف، إنما هو وسيلة للفت النظر إلى مطالب الشرائح الأكثر حاجة في المجتمع. ففي مدينة طرابلس، هناك الكثير الكثير ممن لا يجدون قوت يومهم، وفي الوقت نفسه يمتلكون الكرامة لعدم التسوّل على باب السياسيين.

يطالب إبراهيم بالحقوق الأساسيّة لكلّ مواطن، إلّا أنّه في المقابل يشكّك في إمكانية استجابة السلطة. ويستشهد بوضعه وكيفية التعامل معه، حيث تمّت محاصرته أمنياً في قلب الساحة، كما “أنه في كل البلاد المحترمة، تأتي الفرق الإغاثية لتقديم كوب حليب صباحاً للمُضرب عن الطعام، كما تقدّم له الفحوص الطبية للتحقّق من وظائفه الحيوية”، إلّا أنّ هذا لم يحصل معه.

ولم يكتف فادي بالإضراب عن الطعام، بل قام بتقطيب فمه بواسطة إبرة وخيوط كتّان. ويكرر أنه مستمر في إضرابه حتى النهاية، رافضاً التّهم الموجهة إليه بأنه متسوّل أو غير مستقر نفسياً. ويؤكّد بأنه صاحب ثقافة كبيرة، كما أنّه كان أول من شارك في إطلاق ثورات الأمعاء الخاوية في الشمال، وإستمرّ في نضاله رغم كل الاتّهامات التي فبركتها مخيّلة الأحزاب والزعماء الفاسدين.

فقراء طرابلس لا تحبّهم السلطة

صرخة فادي إبراهيم وإن جاءت في قالب غير معتاد في لبنان وطرابلس، إلّا أنّ هناك ما يوازيها من صرخات مخنوقة في الأحياء المهمّشة الواقعة عند نهر أبو علي. فهناك تزدحم الأمكنة بـ”بسطات البالة”، ومعها كثير من القصص الصامتة. يتّسم الأهالي هناك بكثير من الحياء، حيث يرفضون الشكوى والصراخ غير المفيد. إلّا أنّ عيونهم تسأل لماذا هم متروكون لمواجهة مصيرهم.

أمام الجامع البرطاسي، يتفيّأ عشرات الرجال والنسوة من المنطقة بـ”أشجار الزنزلخت” فهم لا يمتلكون ترف السياحة الداخلية. يتناقش هؤلاء في قضايا البلد، وتتحوّل جلساتهم إلى ما يشبه ساحة “أغورا” وفضاء عام لمناقشة القضايا والأزمات. يختلفون على كثير من الأمور، إلّا أنّهم يتّفقون على أنّ الأزمة كبيرة، وقدرتهم على التحمّل محدودة.

ينطلق أحمد القصّاب في حديثه لـ”المفكرة القانوينة” من أنّه كان صاحب بسطة لبيع الخضار مقابل جامع البرطاسي، إلّا أنّه منذ حوالي الشهر لم يعد بإمكانه أن يشتري الخضار من سوق الجملة لإعادة بيعها، لأنّ هامش الربح بات ضيّقاً، حيث ارتفعت أسعار الخضار إلى درجة أصبحت تفوق القدرة الشرائية لأبناء المنطقة لذلك يصبح مصير الكثير منها التلف والرمي في نهر أبو علي. لا يخشى القصّاب الجوع هو الذي يعيش بنصف كلية، ويؤمّن الدواء من الجمعيات، لكنه يخاف من استفحال المرض لأنه لا يوجد لديه تغطية صحية.

يقاطع القصّاب رجل طاعن في السّن رفض ذكر اسمه، قائلاً إنّ عاداته الغذائية تغيّرت، وغاب اللحم القليل الذي كان على قائمة الطعام. ويتابع أنّ وراء الجدران الكثير من المعد الخاوية، ذلك أن الكثير من العائلات لا يمكنها الحصول على أكثر من وجبة طعام واحدة. ويشير بيده نحو مجموعة أطفال متحلّقين حول طبق يحوي قطع صغيرة من البندورة والبصل لأنّ “هذا المقدور عليه”.

ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية وإغلاق الشركات أبوابها أو تسريحها موظفيها، تتسع شريحة العاطلين عن العمل في لبنان وفي طرابلس بشكل خاص بالتوازي مع اتساع شريحة المياومين. من هؤلاء طاهر. س شاب كان يعمل في مجال المحاسبة، وقد تمّ  تسريحه من عمله. يحاول حالياً مقاومة واقع حاله، ويعمل يوماً أو يومين في الشهر في غير اختصاصه، ويبرر ذلك أنّه يعمل كي لا يتسلّل اليأس إليه أو ينجرف وراء سلوكيات سيئة.

طارق شاب آخر في الـ29 من عمره، يعتقد رفاقه أنه بلغ سن الزواج وعليه الإرتباط، إلا أنه يرفض ذلك لعدم قدرته على تأمين نفقات الزواج وتأسيس أسرة مستقرة في ظلّ الوضع القائم. يتحسر على الحال الذي وصلت إليه المنطقة “البعض يضطر للأكل من حاوية النفايات أو بقايا سوق الخضار، فيما يركض آخرون في الشوارع بحثاً عن مولّد كهرباء لتشغيل آلة التنفّس لرضيعهم”.

تحويلات المهجّرين “للإنقاذ”

في مقابل الفقر المدقع الذي يطبع معظم أحياء طرابلس، يبقى لدى البعض بصيص أمل يأتي من الخارج وتحديداً من أبناء وبنات وأقارب يحوّلون مبالغ زهيدة ولكن كونها بالدولار فهي تسدّ رمقاً.

تعتبر علياء إبنة البحصة التي تعمل مندوبة مبيعات وتذهب من البحصة إلى الميناء يومياً سيراً لتوفير أجرة السرفيس، أنّ الأبواب أوصدت بوجه اللبناني، ولم يعُد قادراً على تأمين حاجياته. ولذلك فإنها تستمرّ في تأمين الحد الأدنى من حاجياتها، وذلك بفضل “التحويلات بالدولار التي تأتيها من الخارج”، وتقول إنّ “هناك الكثير من أصحاب القلوب البيضاء والحناين في الخارج الذين لا يرضون بأن يروا أقاربهم وأصحابهم يتعرضون للإذلال”.

علياء ليست الوحيدة بل هي واحدة ممن يستمرون بالحياة بفضل تحويلات المغتربين. ويجزم د. حسن علي حمادة في دردشة مع “المفكرة” بأنّ التحويلات الأجنبية وتحديداً بالدولار، تُساهم في دعم صمود المواطن اللبناني. ويشير إلى أنّ الوضع كان ليكون أسوأ مما هو عليه الآن لولا هذه المساعدات النقدية، لأن ودائع اللبنانيين ومدخراتهم في البنوك طارت، بالإضافة إلى اتّساع دائرة المحتاجين في لبنان. ويتوقّع حمادة أشهراً صعبة إقتصادياً وإجتماعياً على لبنان بعد أن ضيّعنا فرصة التنمية في القطاعات الإنتاجية بفعل وجود 184 مليار دولار مدخرات، وبالتالي فإن معاناة المواطن اللبناني ستزداد باطّراد، متوقّعاً رحيل عدد كبير من الكفاءات عن البلد.

ذوو الاحتياجات الخاصّة ليسوا بخير

تزداد وطأة الأزمة على ذوي الاحتياجات الخاصة. وتلفت مايا حرب الناشطة في “منتدى ذوي الاحتياجات الخاصة” إلى تعاظم معاناة هذه الشريحة كأنّه لا يكفيهم التهميش والصور النمطية حتى جاءتهم كورونا لتزيد عزلنهم. تتحدث مايا لـ”المفكرة” عن توقّف المساعدات التي كان يقدّمها مكتب الشؤون الإجتماعية في طرابلس للمستفيدين. هذا الأمر تؤكّده مصادر المكتب في طرابلس لـ”المفكرة”، وتتحدث عن إقفال المركز لأنّ “الحكومة لم تدفع لصاحب المكتب الإيجار، فقام بإقفاله بالكامل”، وأدّى ذلك إلى حرمان المستفيدين من الحليب والحفاضات والكراسي المدولبة.

تقول حرب بأنّها تقاضت مساعدة الـ400 ألف ليرة التي أقرّتها الحكومة في إطار “الخطة الإنقاذية”، إلّا أنّها تتساءل ماذا تؤمن هذه المبالغ في ظل التضخّم وارتفاع سعر صرف الدولار؟ وتطالب بأن تشمل المساعدات الجميع لأنّ هناك مجموعة كبيرة لم تحظَ بالمساعدة لأن “صلاحية بطاقة المعوّق انتهت وتحتاج إلى تجديد”، كما تجزم بأنّ هناك حاجة للتسريع بسياسات الدمج لذوي الكفاءات وتطبيق القانون 220/ 2000.

فسحة أمل الـ400 ألف ليرة

شكّلت المساعدة الإجتماعية التي أقرّتها الحكومة بدفعة 400 ألف ليرة لبنانية فسحة أمل للعائلات الأكثر فقراً، فالرّقم مغرٍ لهم على قاعدة “بحصة تسند خابية”. ولاحظ التّجار خلال فترة رمضان الماضي أنّها أدّت إلى حركة في الأسواق. استبشر الناس خيراً بأن تشملهم المساعدة إلّا أنها لم تصل. يؤكّد زاهر الكسار رئيس رابطة مخاتير عكار لـ”المفكرة” أنّ “هناك فئات محددة تقاضت المساعدة، ولمرتين متتابعتين تقاضاها أهل الطلاب في المدارس الرسمية الأساسية، وكذلك ذوي الإحتياجات الخاصة لمرة واحدة”. فيما لم يتقاضَ هذه المساعدة الكثير من المحتاجين كسائقي الشاحنات والصيادين والمياومين، بالإضافة إلى العائلات المحتاجة والأرامل التي سجلت بياناتها عبر التطبيقات التي أطلقتها البلديات.

يُشير كسار إلى وجوب إطلاق حزمة دعم إضافية للعمال الذين صرفوا من أعمالهم، أو باتوا يتقاضون  نصف أو ربع أجر، لأن أكثرية أبناء الشمال العاملين في بيروت سواء في مجالات الأمن أو الحرف اليدوية والصناعية تم صرفهم إما بسبب إجراءات الإقفال التي صاحبت تفشي كورونا، أو بسبب الأزمة الإقتصادية وإقفال المؤسسات. كما يجب أن تشمل العائلات الأكثر فقراً التي كانت تستفيد من برامج تمكين المجتمعات المحلّية التي تموّلها الأمم المتحدة، حيث كانت تتضمن التسجيل في المدارس وعناية صحية، بالإضافة إلى تقديمات غذائية عينية.

مطبخ خيري لكل الناس

ومع اتّساع رقعة المحتاجين في طرابلس في ظلّ غياب الدولة شبه الكامل، يبقى فاعلو الخير في المدينة متنفّساً رغم تأزّم أحوالهم هم أيضاً بفعل أزمة الدولار واحتجاز البنوك للودائع. وبين الحين والآخر تبرز مبادرات فردية تسدّ جزءاً صغيراً جداً من حاجة الناس من بينها تجربة صغيرة بحجمها، كبيرة بمعانيها على مشارف سوق الصاغة في طرابلس تحمل اسم “المطبخ الخيري”. في هذه المساحة الصغيرة تقدّم وجبات طعام للمارّة. يرفض العاملون على المطبخ الإفصاح عن اسم صاحب المبادرة أو المتبرّع، ويكتفي تمام البردوع أحد العاملين في المطبخ بالقول لـ”المفكرة” أنّ هذه المبادرة ولدت من رحم حاجة الناس ولمنع الجوع، وصاحبها “فاعل خير” لا يريد الإفصاح عن هويته. يلفت تمام إلى أنّ المطبخ يقدم 300 وجبة طعام، ويمكن لأي فرد يمر من المنطقة تناول الحساء أو المعكرونة من دون سؤاله عن هويته أو وضعه الإجتماعي، فالطعام مؤمّن للجميع.

ويقول تمام إنّ المشروع بدأ صغيراً ومتواضعاً، إلاّ أنّه سيتوسّع ويشمل أكلات مختلفة كل يوم، ولن يكون اللحم بعيداً عنها وسيستمر المطبخ بالعمل طالما هناك قدرة على مساعدة المحتاجين.

في الخلاصة، شكلّت الأزمات المتعاقبة ضربة قاسمة للمواطن اللبناني، فيما ساهم غياب سياسة الإنماء المتوازن في تعميق التفاوت بين المناطق. وتقدّم عاصمة الشمال شهادة على الجريمة التي ارتكبت بحق الوطن، والتدحرج السريع نحو الهاوية. ففي لبنان، لم يعُد المواطن يطمح لغد أفضل، وإنما يبحث عمّا يسد به رمقه وجوعه.

انشر المقال

متوفر خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، تحقيقات ، حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة ، فئات مهمشة ، لبنان