هل يجوز استعمال الاحتياطات الإلزامية بالعملة الصعبة لدى مصرف لبنان؟


2020-03-20    |   

هل يجوز استعمال الاحتياطات الإلزامية بالعملة الصعبة لدى مصرف لبنان؟

يميل الخبراء إلى القول بأن مجموع احتياطي مصرف لبنان لا يتجاوز اليوم 22 مليار دولارأ أميركيا معظمها (18 مليار) يمثل الإحتياطي الإلزامي والذي يتكون من نسبة من مجموع الودائع المصرفية بالعملة الصعبة، هذا من دون احتساب احتياطي الذهب الذي ما نزال ننتظر معلومات عن موقع تواجده. في هذا المقال، يطرح الكاتب إشكالية مدى جواز استعمال هذه الاحتياطات الإلزامية من قبل مصرف لبنان. فهل له أن يعدّها كأي مال مملوك منه، أم هي أموال لا يجوز التصرف بها؟ الجواب على هذا السؤال يحدد هامش تحرك مصرف لبنان ومعه مسؤوليات السلطات السياسية التي ما فتئت تتنصل من صلاحياتها لصالحه. أداء هذه السلطات لأدوارها اليوم شرط أساسي ليس لتأمين أبسط مقومات الحياة. بقي أن أوضح أن الكاتب حرر هذا المقال بمساعدة تقنية من د. هنري شاوول (المحرر).

 

نشأ عن الأزمة الاقتصادية والمالية الراهنة، والتي كان أحد أوجهها النقص في السيولة بالدولار الأميركي لدى مصرف لبنان (وقد تضاربت المعلومات حول كميتها الحقيقية)، جدل حول ما إذا كان يجوز لمصرف لبنان – أم لا – التصرف بالمبالغ المودعة لديه من قبل المصارف بصورة إلزامية على سبيل تكوين الاحتياطات الالزامية أو التوظيفات الإلزامية المحدّدة نسبها من قبله بموجب التعاميم ذات الصلة.

السؤال المطروح يكتسب أهمية حيوية إذا ما علمنا أن قيمة الاحتياطات بالدولار الأميركي تبلغ حوالي 18 مليار دولار أميركي، وبالتالي فهي تشكل الجزء الأساسي من السيولة المتبقية لدى مصرف لبنان لتأمين الإحتياجات الأساسية للجمهورية من غذاء ودواء وطاقة. وتتضاعف أهمية السؤال في ضوء آثار وانعكاسات إجازة التصرّف بالإحتياطات المرقومة أعلاه أو عدمه. ففي الحالة الأولى يكون ثمة هامش من السيولة ما يزال متوفراً لتأمين الحاجات الأساسية وإنما على حساب إحتياطي ودائع المواطنين الذي سيتمّ إستنفاذه (بالكامل ربما)، في حين أن عدم إجازة إستعمال هذا الاحتياطي سيؤدي الى عجز مصرف لبنان عن تمويل الدولة لتوفير هذه الاحتياجات مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات اقتصادية واجتماعية ومعيشية كبرى.

وبين مطرقة الإجازة باستعمال مبالغ الاحتياطات الالزامية وسندان منع هكذا إستعمال، لا بدّ من قراءة قانونية موضوعية مجرّدة للأحكام القانونية والتنظيمية التي ترعى إيداع الأموال من قبل المصارف لدى مصرف لبنان، وتنقسم هذه الودائع إلى الفئتين التاليتين:

 

الفئة الأولى، الودائع العادية أو الحرة:

هي الأموال التي يختار أي مصرف بمطلق إستنسابه أن يودعها لدى مصرف لبنان من دون أن يكون ملزماً على فعل ذلك. تنطبق على هذه الودائع العادية الطبيعة القانونية للوديعة المصرفية كما حددتها المادتين 122 و123 من قانون النقد والتسليف معطوفتين على المادة 307 من قانون التجارة. فبمقتضى هذه المواد القانونية، إن الطبيعة القانونية للوديعة المصرفية هي "عارية الاستهلاك" التي تنتقل بموجبها إلى المصرف الوديع ملكية المبلغ الذي يتلقاه على سبيل الوديعة[1].

بمقتضى هذا التصنيف القانوني للوديعة المصرفية على أنها عارية إستهلاك وفي ضوء المواد القانونية المشار إليها، يكون ثابتاً بأن ملكية الأموال التي تودعها المصارف من تلقائها لدى مصرف لبنان تنتقل إلى هذا الأخير الذي يكون له الحق باستعمال الوديعة وفق أحكام المادة 691 من قانون الموجبات والعقود، مع الحفاظ على حقوق المودع لجهة توجب إعادة قيمة الوديعة له. فهل ينطبق هذا التصنيف القانوني على الأموال التي تكون المصارف ملزمة بإيداعها لدى مصرف لبنان لتأمين حسن علاقة المصارف بمودعيها وحفاظاً على سيولتها وملاءتها؟

 

الفئة الثانية: الأموال التي تلزم المصارف بإيداعها لدى مصرف لبنان وفق النسب المحددة من قبله:

المسألة المطروحة حالياً تنحصر بمعرفة ما إذا كان ينطبق – أم لا – على الأموال التي يتوجب لزوماً على المصارف أن تودعها لدى مصرف لبنان (بمقتضى نصوص تنظيمية ملزمة) نفس المبدأ والمعايير المفصّلة أعلاه والمتعلقة بالودائع الحرة. فإذا اعتبرت المبالغ المودعة إلزامياً بمثابة الودائع الحرة، جاز لمصرف لبنان إستعمالها؛ فيما لا يكون جائزاً لمصرف لبنان إستعمالها إذا كانت تخضع لوصف أو طبيعة قانونية مختلفين.

للإحاطة بهذه المسألة، لا بدّ بدايةً من الرجوع إلى تعميم مصرف لبنان الأساسي رقم 86 (القرار الأساسي رقم 7926 تاريخ 20/09/2001) المتعلق بتوظيفات المصارف الإلزامية. وقد أوجب هذا التعميم بموجب مادته الأولى على المصارف كافة أن تودع لدى مصرف لبنان نسبة 15% من جميع أنواع الودائع مهما كانت طبيعتها التي تتلقاها بالعملات الأجنبية. وقد نتج عن إلتزام المصارف بإيداع هذه النسبة الإلزامية وجود مبلغ 18 مليار دولار أميركي تقريباً لدى مصرف لبنان.

إن المدافعين عن نظرية جواز إستعمال مصرف لبنان للأموال المودعة لديه إلزامياً من قبل المصارف، يستندون إلى حجتين أساسيتين هما:

  • أنه لا وجود لنص مانع صريح في القانون يقصي أو يستبعد جواز إستعمال مصرف لبنان لهذه الأموال.
  • أن نص التعميم الأساسي المشار إليه أعلاه لم يصنّف المبالغ المودعة على أنها إحتياطات إلزامية بل إعتبرها "توظيفات إلزامية"، وذلك خلافاً لنص تعميم مصرف لبنان الأساسي رقم 84 الذي فرض في مادته الثالثة على المصارف " تكوين إحتياطي إلزامي نقدي لدى مصرف لبنان على مجموع الإلتزامات الصافية بالليرة اللبنانية الخاضعة للإحتياطي الإلزامي". فالفارق بين صياغة التعميمين واضح، وهو يشكّل حجة مستمدة من النص argument de texte يستند إليها المدافعون عن نظرية جواز إستعمال مصرف لبنان للتوظيفات الإلزامية بالدولار الأميركي، على اعتبار أنه لو إتجهت إرادة مصرف لبنان إلى منع إستعمال هذه الأموال لكان التعميم المتعلق بها (رقم 86) اعتمد نصاً مشابهاً للنص المعتمد في التعميم (رقم 84) المتعلق بالإحتياطات الإلزامية بالليرة اللبنانية.

وللجواب على هاتين الحجتين، لا بدّ من الرجوع إلى أحكام قانون النقد والتسليف التي يستمدّ منها مصرف لبنان صلاحياته باتخاذ التدابير الملائمة ويضع التنظيمات الضرورية لتأمين حسن علاقة المصارف بمودعيها والحفاظ على سيولتها وملاءتها.

فقد منحت المادة 76 من قانون النقد والتسليف مصرف لبنان صلاحية إتخاذ التدابير التي يراها ملائمة في سبيل الإبقاء على الانسجام بين السيولة المصرفية وحجم التسليف من جهة، وبين مهمته العامة المحددة في المادة 70 بالمحافظة على سلامة النقد وسلامة أوضاع النظام المصرفي. ومن ضمن الصلاحيات المذكورة، يستوقفنا البند "د" من المادة 76 المشار إليها الذي ألزم المصارف بأن "تودع لدى مصرف لبنان أموالاً (إحتياطي أدنى) حتى نسبة معيّنة من إلتزاماتها الناجمة عن الودائع"، وكذلك البند "ه" من نفس المادة الذي ألزم المصارف بأن "تودع لدى مصرف لبنان أموالاً (إحتياطياً أدنى خاصاً) حتى نسبة معينة".

وبالتالي فإن نص المادة 76 من قانون النقد والتسليف يساوي بين الإيداع الإلزامي للأموال وتكوين الإحتياطي الأدنى، بل ويعتبر أن الإحتياطي الأدنى هو بمثابة المبالغ المودعة لزوماً لدى مصرف لبنان، بحيث لا يعود ثمة مجال للتفريق بين النصّين المعتمدين في التعميم الأساسي رقم 84 والتعميم الأساسي رقم 86، لكون كلّ مبلغ يوجب مصرف لبنان على المصارف إيداعه لديه يشكّل إحتياطياً أياً تكن التسمية أو الصيغة أو النص المعتمد بشأنه. وبالتالي، فإن الحجة المستمدة من نص التعميمين المشار إليهما لا تستقيم في ضوء نص المادة 76 المذكورة.

يضاف الى ذلك أن إستعمال عبارة "التوظيفات الإلزامية" في التعميم الأساسي رقم 86 بدلاً من عبارة "الاحتياطي الإلزامي" (المعتمدة في التعميم الأساسي رقم 84 للإيداعات بالليرة اللبنانية)، يصبح من دون طائل أو أثر على اعتبار أنه في الحالتين نحن أمام موجب إيداع إلزامي لأموال محدّدة نسبتها من قبل مصرف لبنان وهي بالتالي لا تخرج عن تصنيفها كاحتياطي إلزامي بموجب المادة 76 من قانون النقد والتسليف أياً تكن التسمية المعتمدة لها.

ويتأكّد ذلك من خلال أحكام المادة 77 من قانون النقد والتسليف التي أوجبت بأن تبلغ الموجودات الشهرية للمصارف (الإحتياطي الفعلي) لدى المصرف المركزي على الأقلّ النسب المئوية المحددة من قبل مصرف لبنان من المتوسط الشهري للإلتزامات الخاضعة لموجب إنشاء أموال إحتياطية (الإحتياطي الإلزامي). يستفاد من نص المادة 77 المذكورة النتيجتان التاليتان:

  • لقد اعتبرت هذه المادة الموجودات الشهرية للمصارف التي تودع لدى مصرف لبنان نتيجة موجب إنشاء نسبة مئوية محددة من قبل مصرف لبنان، على أنها تشكل إحتياطاً فعلياً وإلزامياً. بمعنى آخر إن كل إيداع إلزامي لدى مصرف لبنان يشكل إحتياطياً إلزامياً.
  • لقد جاء نص المادة 77 من قانون النقد والتسليف مطلقاً لناحية عدم تحديد الجهة الملزمة بموجب عدم إنقاص الأموال الإحتياطية عن النسب المئوية المحدّدة. أي إن هذا الموجب يقع على عاتق المصارف كما وعلى عاتق مصرف لبنان على حد سواء. فكما أنه لا يحق لمصرف ما أن يمتنع عن إيداع أموال لدى مصرف لبنان أقلّ من النسب الدنيا المحدّدة، فإنه لا يحق لمصرف لبنان أن يستعمل أموال المصارف المودعة لديه إلزامياً بشكل يؤدي إلى إنقاصها عن النسب المئوية الدنيا المحددة للإحتياطات الفعلية والإحتياطات الالزامية.

وإن تفسير المادة 77 من قانون النقد والتسليف على هذا النحو يستند الى سبب ومبرّر منح الصلاحيات لمصرف لبنان بمقتضى المادة 76 من نفس القانون، والمتمثل بالإبقاء على الانسجام بين السيولة المصرفية وحجم التسليف من جهة، وبين المحافظة على سلامة النقد وسلامة أوضاع النظام المصرفي كما أسلفنا. وبالتالي فإنه لا صلاحية لمصرف لبنان لاتخاذ أي تدابير تتعارض مع ما تقدّم، ويندرج في هذا السياق الإجازة لمصرف لبنان باستعمال الأموال المودعة لديه إلزامياً لكونها تتعارض مع المحافظة على سلامة النقد وسلامة أوضاع النظام المصرفي كما تخالف موجب الإبقاء على توفر السيولة مقابل حجم التسليف.

وإستفاضةً بالبحث، نشير أيضاً إلى أحكام المادة 174 من قانون النقد والتسليف، التي يستند إليها كلّ من تعميمي مصرف لبنان الأساسيين رقم 84 و86، والتي أجازت لمصرف لبنان تحديد قواعد تسيير العمل التي يجب على المصارف الإلتزام بها حفاظاً على سيولتها وملاءتها. إن إستناد التعميمين المذكورين إلى هذه المادة يعني بصورة واضحة ولا لبس فيها بأن موجب إيداع الأموال لدى مصرف لبنان – أكان حاصلاً تحت تسمية الإحتياطي الإلزامي بالنسبة للودائع بالليرة اللبنانية، أو تحت تسمية التوظيفات الإلزامية بالنسبة للودائع بالدولار الأميركي – إنما يهدف إلى الحفاظ على سيولة المصارف المودعة وملاءتها. وهذا يعني أنه لا يجوز لمصرف لبنان إستعمال هذه الأموال أو التصرف بها لأن ذلك يتعارض مع موجب محافظته على ملاءة وسيولة المصارف وعلى مهمته بالمحافظة على سلامة أوضاع النظام المصرفي (المادة 70 من قانون النقد والتسليف).

 

في الخلاصة، في أوقات الأزمات الكبرى يجنح الإنسان بطبيعته (كي لا نقول غرائزه) الى إستنفاد الموارد بشتى الوسائل لمواجهة الضغوط المالية والاقتصادية، ويحاول إستنباط حجج تجيز له التصرف بتلك الموارد لمواجهة ضرورات المرحلة. إلاّ أن الخط الفاصل بين ما يجوز فعله وبين ما لا يجوز يبقى واضحاً وبسيطاً، فما هو غير جائز قانوناً خارج وقت الأزمات (استعمال الاحتياطي الإلزامي) يبقى غير جائز خلالها.

 


[1]    يراجع لطفاً بهذا المعنى: مؤلف البروفسور أميل تيان – Droit Commercial – الصفحة 950 حيث جاء:

Le droit positif libanais a pris nettement position en la matière. Le dépôt de sommes d’argent et de toutes autres sommes fongibles, y est, en effet, expressément qualifié de prêt de consommation (art 691 c.o.c), et, sur le fondement de cette qualification, l’article 307, c.co., déclare que les sommes objet du « dépôt » deviennent la propriété du banquier dépositaire.

ومؤلف الدكتور فادي نمّور – Droit bancaire – الصفحة 9 حيث جاء:

18. En effet, le dépôt bancaire se distingue du dépôt de droit commun : la monnaie est une chose fongible qui ne peut être restituée que par équivalent, ce qui donne pour le moins au dépôt un caractère irrégulier. Ensuite, le banquier ne garde par l’argent : il en acquiert la propriété et à ce titre il est autorisé à l’utiliser.

يراجع بهذا المعنى قرار محكمة الإستئناف المدنية في بيروت – الغرفة الأولى – قرار رقم 296 تاريخ 6/3/1971 المنشور في مجلة العدل 1971 العدد 2 – الصفحة 685، حيث جاء:

"إن التشريع اللبناني يعتبر وديعة النقود في المصارف بمثابة قرض إستهلاك خاضع لأحكام المادة 307 وما يليها من قانون التجارة وفيما عداها لأحكام المواد 754 إلى 765 موجبات وعقود، مما يجعل المصرف الذي تلقى النقود مالكاً لها إعتباراً من تاريخ حصول الإيداع على أن يرد مثلها".

 

انشر المقال

متوفر خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *