هل نصمد، هل تصمد البشرية أمام مشروع التطهير العرقي في غزّة؟


2023-10-14    |   

هل نصمد، هل تصمد البشرية أمام مشروع التطهير العرقي في غزّة؟
من الموقع الرسمي للأمم المتحدة

إنّه مشروع  إبادة. ليست مبالغة. هذا ما يتبلور أمام أعيننا وأعين العالم أجمع. ما نشهده اليوم في حرب إسرائيل على غزّة هو مشروع إبادة بكل ما للكلمة من معنى، يُمهّد له عسكرياً وميدانياً والأهم، ثقافياً عبر فرض نظام الصمت، لا سيّما في دول الشمال السياسي (أوروبا وشمال أميركا إلخ.)، للتطبيع مع الإبادة والتطهير العرقي وتطويع النقاش العام حوله. وقد بلغ هذا المشروع أوجه مع إنذار الجيش الإسرائيلي ساكني النصف الشمالي من غزة (أكثر من مليون ومائة ألف ساكن) بوجوب ترك منازلهم وأحياءهم للتوجّه إلى جنوب غزّة، كل ذلك وسط إشاعة شخصيات رفيعة إسرائيلية (داني عايلون) إمكانية تهجير مليوني نسمة من غزة إلى سيناء تيمنا بتهجير ملايين السوريين من سورية. 

وبالفعل، ما أن حصلت أحداث 7 تشرين الأول 2023 حتى انطلقت سرديات تبرّر شنّ حرب مُدمّرة على قطاع غزّة لإنهاء “المشكلة الغزّاوية” تحت عناوين “الدفاع عن النفس” و”الثأر” من المفاجأة. وفي حين جالت الطائرات الحربية فوق سماء غزّة قاصفة إياها أرضاً وشعباً، تبلورت حرب نتنياهو بأشكال أخرى خارج القطاع وعلى المستوى العالمي. فالسرديات (أو بروباغندا الفظاعة) هي من أهم أدوات أي حرب، والكيان الصهيوني هو على أتمّ اليقين بذلك. وعليه، توالت السرديات التي تهدف إلى شيطنة الغزّاويين والفلسطينيين عموماً ونعتهم بالإرهابيين بشكل معمم وعشوائي وصولاً إلى حدّ نعتهم بـ”الحيوانات البشرية” من قبل وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت (على غرار ما قام به هتلر باليهود قبل إبادتهم) في سياق تبرير فرض حصار كامل عليها. ولم يتأخر ابتداع أخبار كاذبة مُفجعة لقمع أيّ انحياز محتمل تجاه غزّة أو أي نظرة نقدية محتملة لجرائم حرب إسرائيل، في مخطط لفبركة الرضوخ لمشروعه. فبدأت تظهر أخبار عن قطع غزّاويين رؤوس 40 طفلاً بوحشية أو اغتصابهم لإسرائيليات، سرعان ما تبيّن أنها كلها افتراءات لا يتوفر بشأنها أي دليل. لكن سرديّة الكيان ما لبثت أن لاقت صدى في أوساط دول الشمال السياسي، ولا سيما دول أوروبية، ومعظمها دول استعماريّة سابقاً وصاحبات تاريخ حافل بشيطنة الأقليات وتهميشها (فألم تفعل ذلك حتى بنيلسون منديلا أيّام الفصل العنصري في أفريقيا الجنوبية، واضعة إياه على لائحة الإرهاب؟) وصولاً إلى حدّ إخضاعها لهذه الشعوب للعبودية وحتى إبادتها (مثل اليهود أو الشعوب الأفريقية). وهكذا شهدنا تنامي خطاب الشيطنة هذا وسط تصفيق وتشجيع جماعي مُفجع من قسم كبير من دول الشمال السياسي ومثقفيها من دون أية مسافة نقدية عقلانية أو حقوقية أو حتى إنسانية. وهو يشي بأمرين أساسيين: أن المشروع أصبح محتماً وأن وهم القيمة الكونية لحقوق الإنسان (التي تزيّنت بها دول العالم وأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية والهولوكوست) ها هي تسقط أمام أعيننا، ويسقط معها مثال الفضاء الدولي الحقوقي مقابل نهوض نظام مستجدّ للاستبداد والبطش. وعليه، نجحتْ سرديّات الحرب وطغت الغرائز ومعها الكراهية وانفجرت العنصرية الباطنة لتحجب تماما أي تفكير نقدي حقوقي، وعُمّمت الأخبار الكاذبة والتعابير الحاطّة بالغزّاويين والفلسطينيين بسرعة قياسية. وتالياً شهدنا تسابقا مقززا لمواقف رسمية موالية لإسرائيل ولحقها “المقدّس” بالدفاع عن نفسها مهما أسفر عنه من جرائم حرب، من دون أيّ تحفّظ أو مسافة نقدية. وتفاقمت المواقف المقززة بفعل ازدواجية الموقف وتناقضاته، لا سيما بالعودة إلى مواقف نفس هذه الدول والمثقفين إزاء الحرب في أوكرانيا مؤخراً، وكأنما الموقف الحقوقي والإنساني هو فقط امتياز للرجل الأبيض دون سواه. فالإسرائيليون “يُقتلون” فيما الفلسطينيون يذهبون “كأضرار جانبية” في الحرب. ومن المُفجع أيضاً أن بعض هذه المواقف الداعمة لإسرائيل لا تجد حرجاً في ذكر “المستوطنات” (مع الإشارة إلى أن الكلمة الفرنسية لها تعني أيضاً “مستعمرات” – colonies) من دون إيلاء أي قيمة لوزن هذه الكلمات، وكأنما هي من البديهيات في قرننا هذا، فهي لا تستجلب أيّ استهجان أو إدانة. وهو أمر يدلّ حقيقة على حجم مشكلة انحطاط الفكر الحقوقي في دول الشمال السياسي. فقيمة الحقوق “الكونية” بدتْ كوهمٍ يضمحلّ لإفساح المجال أمام قيمة جديدة (أو باطنية) مفادها “نسبية هذه الحقوق”، وقوامها تمتّع البعض بمواصفات معينة (ارجل الأبيض) بالحقوق دون سواهم. أو كأنما زمن الأوهام الديمقراطية والحقوقية ينتهي ليُستعاض عنه بزمن أشبه بزمن أوروبا عشية وصول النازيين والفاشيين الى الحكم.

ولم تقتصر المواقف المقززة على الخطاب وحسب، بل تبلورت لتتحوّل إلى دعوات لتجريم الموقف المقابل وتالياً تجريم اللغة والتعابير والأعلام والمواقف النقدية والحقوقية وحتى الإنسانية. فمُنع رفع الأعلام الفلسطينية وخُوّن كل من تكلّم بحقوق الفلسطينيين أو صراعهم أو جرائم حرب إسرائيل ونُعت بالمعادي للسامية والمدافع عن الإرهاب، فيما هُدد البعض في عمله، كما وطلب الاتّحاد الأوروبي من بعض منصات التواصل الاجتماعي (مثل X – أو ما كان يُعرف بـTwitter) حجب بعض المنشورات والحسابات تحت ذريعة دعمها لـ”حماس” (وهو يهدف باطنياً إلى حجب المنشورات الفاضحة للجرائم الإسرائيلية والداعمة للقضية الفلسطينية). كل هذا حصل في دول زيّنت ذاتها طوال عقود بخطاب حقوق الإنسان والحريّات.

فكأنما نحن بالنتيجة أمام مأسسة للصمت تهدف إلى التعتيم على القضية الفلسطينية وقمع الغزّاويين وجرائم إسرائيل. مأسسة، تفسح المجال أمام طموح تنفيذ مخطّط الإبادة بحق الغزّاويين من دون أي اعتراض أو استهجان. أما على المدى الأوسع، فهذا الأمر يشي بسقوط المجتمع الدولي الحقوقي وبسقوط وهم القيمة الكونية لحقوق الإنسان. فأمام هذه السقطة، كيف عسى الشعوب تمارس حقوقها بتقرير مصائرها؟ كيف عساها تدافع عن نفسها وتنجو؟  

انشر المقال

متوفر من خلال:

منظمات دولية ، الحق في الحياة ، فئات مهمشة ، مقالات ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، فلسطين



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية