هل قرَأَ اليَسار التّونسي مَاركس؟


2023-05-17    |   

هل قرَأَ اليَسار التّونسي مَاركس؟

     هل قرأَ اليَسار التونسي ماركس؟ هو ليسَ سؤالاً مدرسيًّا يهدف إلى اختبار معرفة اليسار بالنّظرية الماركسية، بقدر ما هي دَعوة إلى البحث في تمثّلات اليسار التونسي للماركسية، واقتفاء أثر الوسَائط الفكرية والسياسية التي نقَلت ماركس الأوروبي إلى سياق عالمثالثي، فأصبحَ هوية انتمت إليها أحزاب وحَلقات سياسية وتقمّصها الكثير من المثقفين ومحترفِي السياسة.[1] [2]  لماذا حظِيَ ماركس بهذا البريق دون غيره من مفكّري القرن التاسع عشر؟ هل كانت السّياقات التاريخية والمحلّية مُواتية لمثل هذه الحظوة أم أن الماركسية نفسها كانت حاملة لوعود عالمية؟

لم تتحوّل الماركسية في تونس إلى ما يشبه إيديولوجيا-دولة أو عقيدة نظرية لحزب حاكم، على غرارَ ما حَصل في روسيا السوفياتية والصين الماوية ومناطق أخرى من أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، وإنّما كانت في مرحلة أولَى إيديولوجيا للدّفاع عن العمّال والمضطَهدين في سياق استعماري، وتطوّرت بشكل مُلتَبس ومشوّش داخل وضع محلّي ارتفَع فيه شعار الاستقلال -الذي لم يتبنّاه الشيوعيون بوضوح كافٍ في معظم الأحيان- وفي مرحلة ثانية كانت مُلهِمة لحركة سياسية مُعارضة من طراز راديكالي، ومصدرًا قويا وغامضا للصمود في وجه الواحديّة السياسية ومنظومة الدولة الاستقلالية بداية ستينات القرن العشرين، ثم تطوّرت نحو طوائفها وقوالبها المشتقة عمومًا من مصادر غير محلّية.

لم يحضُر ماركس في الإرث اليساري التونسي بوجهِه المعرفي الصارم، وإنما كان أشبه بالطيف الذي أمسكت أجيال متعاقبة من اليساريين بتلابيبه، لتُعانق حلما بعيدا يُغريها بقلب حركة التاريخ والمجتمع دفعة واحدة، فكانت الحصيلة تجربة وجودية فريدة، امتزجت فيها الملحمة بالعودة المكسورة من ساحات الحروب الصغيرة. لم يتجادل اليساريون كثيرا حول ماركس، في حين حظي لينين وماوتسي تونغ وستالين وأنور خوجة وأرودَا البرازيلي وغيفارا وفيديل كاسترو باهتمام أكبر. وربما انتبَه ميشيل فوكُو بحماس مفرط إلى البعد الوجودي الحالم في النسخة الماركسية التونسية أواسط الستينات، عندمَا قال: “الماركسية، بالنسبة لهؤلاء الشبّان، لم تكُن طريقة أفضل فحسب لتحليل الواقع، بل كانت في نفس الوقت نوعا من الطاقة والدفع المعنويين وفعلا وجوديا مثيرا”.[1] ولم يكن فوكو هنا فقط يُعلي من قيمة الطراز التونسي في اعتناق الماركسية، وإنما كان أيضا يعترض على ماركسية أوروبية جافّة ومُملّة، كفّت أن تكون مصدر إلهام نضالي لشباب القارة، خاصة الماركسيات المنتشرة في أرجاء أوروبا الشرقيّة. 

ولكن الآغورا الماركسية-التونسية التي امتدحَها فوكو أواسط الستينات لم تتطوّر دائما نحو إبداع ماركسية مُتحرّرة ومُنفتحَة على واقعها ومجتمعها، وتحوّلت شيئا فشيئا إلى حَلقات صغيرة مُغلقة ومفتّتة ومقطوعة الصّلة بماركس قبل غيره. هل أعارَ ماركس وجهه إلى كبار القادة الشيوعيين، من بولونيا إلى زمبابوي، فتاهَت ملامحه ولم يعُد له أثر؟ هل هو حكم التاريخ دائما بأن كلّ فكر غزير مصيره الفناء عندما يُحوّله الأشياع إلى تعاليم وعقائد؟ ولعل السؤال الأهم، لماذا كان ماركس مُلهِمًا وأخًا حميمًا، رغم أنه لم يُقرأ بحِسّ معرفي كبير طيلة تاريخ اليسار التونسي؟

مَاركس: نبيّ الأرض المُبشر بالعدالة

كان ماركس نبيهًا إلى أبعد الحدود عندما تَفطَّنَ إلى تحوّل الرأسمالية نحو شكلها العالمي، في وقت ما زالت فيه هذه البنية أقلية الانتشار، ولعلَّ خاصية التوسّع الرأسمالي هي التي ستأتي بألدّ أعداء الرأسمالية إلى المستعمرة التونسية نهاية القرن التاسع عشر. كان ماركس زاد الرّحلة غير المحبوب الذي جلبه الباحثون عن أسواق وأراضٍ جديدة، وسيتلقّفه بسرعة طيف من المستعمَرين الذين تطلّعوا إلى وجهِه الخلاَصِي المنادي بإشاعة العدل على الأرض. أطلق المفكّر التونسي الطاهر الحداد، مطلع القرن العشرين، على المفكّر الألماني صفات مختلفة؛ فهو “نبي الاشتراكية” و”الأستاذ”، ووضَعه أيضا ضمن سلسلة “العلماء المنقطعين لخدمة الإنسانية”. كانت لغة الحدّاد الوصفية أقرب إلى معجمية الإصلاحية الإسلامية، ولكنه كان واقعا تحت تأثير الوجه الإنساني المُتداول عن سيرة ماركس، الذي لخّصه بوضوح في هذا المقطع: “على رأس هذه الحركات السائرة بنجاح في نمو التحسين يقوم رجال من العلماء المنقطعين لخدمة الإنسانية يبحثون في تاريخ الإنسان والحق الطبيعي والحياة الاشتراكية وفق نظام اجتماعي تتم به سعادة الإنسان، فتمخّضت هذه الأبحاث بعد الدرس الطويل أجيالا وقرونا على كتاب نبي الاشتراكية في أوروبا الأستاذ كارل ماركس الألماني الذي عُدّ كتابه غاية أحلام الإنسانية ومبدأ يقوم على أعضاد العمال المخلصين البارين”.[2]

لا يُخبرنا الحدّاد عن الكُتب التي قرأهَا لماركس، ولكنّه كَان مشدودًا إلى الدّفع الهائل الذي تُوفّره الماركسية في فهم سياقات الاستغلال الاجتماعي. لذلك حَاولَ ببراعة فائقة تشكيل لوحة تفصيلية عن البؤس الاجتماعي والاقتصادي في بلاده مطلع القرن العشرين، ووَاكب بحسّ توثيقي المعارك التي خاضتها الحركة النقابية والشيوعية منذ سنة 1920.[3] وفي كل هذا كان يُذكّرنا دائما بتأثير العمّال الأوروبيين ومثقفيهم في الوعي العمالي التونسي وفي الحركة الشيوعية الباحثة بارتباك شديد عن صيغتها المحلية. صاغ الشيوعيون أيضا تصوّراتهم العامة للماركسية من خلال الدفاع عن مبدأ إقامة العدل، الذي تتساوَى فيه الأجناس والطبقات. إذ تُعرّف جريدة شيوعية تونسية صادرة في أكتوبر 1921، برنامجها التحريري، قائلة: “سيُجاهد “حبيب الأمة” حتّى يقع الاعتراف والإعلان بالمساواة في الحقوق بين جميع سكان الإيالة التونسية من أي جنس كانوا وإلى أي وطنية انتسبوا…على أن البرنامج الشيوعي يُوجب ليس فقط استواء الأجناس بل يوجب أيضا استواء جميع أفراد الناس من أي طبقة كانوا سواءً أبناء أغنياء أو أبناء فقراء، وسواء متعلّمين أو عملة”.[4] 

تمَاثَلت الماركسية وجدانيا مع طُوبَى إقامة العدل على الأرض. وعلى الصعيد السياسي العملي، أصبحت الثورة الروسية المندلعة في أكتوبر 1917 النموذج الماثل أمام أعين الشيوعيين التونسيين، والاحتمال الحيّ المُجسّد لإمكانية تحقيق أفكار الماركسية. هكذَا جرى القفز بسرعة على ماركس الذي حافظ على صورة رمزية لم تتحوّل عموما إلى حالة فكرية، وأصبح لينين ورفاقه قادة ماركسيين يستحقون الاحترام والاحتذاء. ولعلّ التأثر بالسياق الأوروبي والسوفياتي بوجه الخصوص، سيجعل السياق المحلّي أقل حضورا في الحركة الشيوعية التونسية في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي. وبذلك لم تتحوّل الماركسية إلى إيديولوجيا للتحرير الوطني، على عكس مرحلة ما بعد الاستقلال التي ستشغل فيها فكرة مناهضة الاستعمار والإمبريالية العالمية أذهان الجيل الجديد من اليساريين. لقد التهم الحزب الحر الدستوري الجديد مطلع الثلاثينات شعار الاستقلال لوحده، وترك الحزب الشيوعي في حالة انتظار متأثرة بسياقات الحرب العالمية الثانية. لذلك سعى الكثير من الشيوعيين الشباب إلى الدفع بشعار “تونسة الحزب” من أجل إعادة المسألة التونسية على لائحة الاهتمامات النضالية وإصباغ الماركسية بطابع محلّي. في هذا السياق، يقول أحد شباب تلك المرحلة الأديب التونسي توفيق بكّار: “منذ دُخولي مع مجموعة من إخواني وزملائي، كانت لدينا قناعة بأن الحزب الشيوعي في حاجة إلى تغييرات كبيرة، أوّلها وأكثرها إلحاحا تونسَة الحزب، حيث كان يطغى عليه الحضور الفرنسي، وبهذا فإن جيلنا هو الذي حاولَ على مدى سنين تونَسة الحزب الشيوعي، وسعى لتعريب الماركسية وتأصيلها، حتى لا تكون الفكرة الشيوعية شيئا وافدا على المجتمع تسقط عليه إسقاطا”.[5]

ماركس: أمثُولة المحرومين من وعود التحديث الرأسمالي

منذ بداية الستّينات سينشأ جيل جديد من اليساريّين داخل الجامعة التونسية، ضمن سياق ما-بعد استقلالي هيمَنت فيه صورة الفرد الحاكم، المسنُود بحزب مسمُوح له بالكلام والنّشاط دون سواه، خاصة بعد حظر نشاط الحزب الشيوعي سنة 1963. وستُصبح الجامعة، التي تُعتبر مظهرا من مظاهر التحديث الاجتماعي ومبعث افتخار للنظام البورقيبي، أحد معاقل الاحتجاج السياسي ضد سلطة “الحداثة”. وفي الأثناء تسلّلت الماركسية إلى ساحات النقاش العامة داخل الكلّيات، مُلتحفةً بأفكار أخرى على غرار الديمقراطية ومناهضة الامبريالية والعدالة الاجتماعية. يصف أحمد عثماني[6] تلك الفترة قائلا: “كانت الجامعة التي دخلتُها سنة 1965، مسرحًا لنقاشاتٍ مفتوحةٍ كبرى. ناقشنا فيها مواضيع: السلطة، الديمقراطية، التفاوتات الاجتماعية، والإمبريالية. كنّا نواجه بورقيبة الذي انحازَ إلى أمريكا بوضوح، بتعبيرنا عن مساندتنا لكفاح الفيتناميين ضد الولايات المتحدة الأمريكية. لقد كان الفيتنام مع كوبا رمزا أساسيا للكفاح المناهض للإمبريالية بالنسبة للحركة الطلابية، التي أصبحت بسرعة أحد الناطقين باسمها. تابعنا عن كثب ظهور حركة الفهود السّود الأمريكية، والاعتصامات الاحتجاجية ضد حرب الفيتنام في جامعة “باركلي”. كان كلّ ما يحدث في العالم يحرّك عواطفنا. ويمكن القول بأن الشبيبة اليسارية كانت “مُعولَمة” بتعبير هذه الأيام”. [7]

تُحيلنَا شهادة أحمد عثماني على الدّور الذي بالإمكان تخيّله لماركس والماركسية في تلك الفترة. لقد كان ماركس أحد أكبر مُشَرِّحي الرأسمالية في القرن التاسع عشر وناقديها، وقد واكَبها عن كثب في أحد أكبر مراكزها (فرنسا وانجلترا). ومن المنطقي أن يكون مُلهمًا بارزا لكل الذين عاينوا لا عدالة الانتشار الرأسمالي. لم تكن تونس أواسط الستينات سوى مختَبَر صغير لتوسع الرأسمالية في بلاد طَرفِية، رغم صفة الاشتراكي المُمَوِّهَة التي أطلقها الحزب الحاكم على نفسه بداية من 1964. وقد كان الانحياز البورقيبي للمعسكر الرأسمالي كافيا لأن يحشد ضده هذه الشبيبة “المعولمة” على حد تعبير أحمد عثماني، والتي تتمثّل موقعها العالمي من داخل سردية النضال ضد الإمبريالية التي بات النظام الأمريكي على رأسها، كما أنّها لم تكن راضية على نتائج عِقد من التحديث الاقتصادي والاجتماعي، ميّزَه الاقتصاد الأوامري أو ما أصبح يطلق عليه بـ”رأسمالية الدولة”، وباتَت فيه المراكز الحضرية الكُبرى ملاذا لفقراء الريف وكل أشكال الهامشية الاجتماعية.                

اُستُعِيد ماركس بشكل وجداني وعاطفي مرة أخرى، وكأنّه نصير الجنوب الفقير ورفيق الغاضبين على الوجه الاستعماري في الرأسمالية. ولعلَّ هذا الانحياز لحركات التحرير الجنوبية، يصفه أحمد عثماني قائلا: “وكثيرا ما ناقشنا أيضا دور البروليتاريا في بلدان الجنوب. والحقيقة أن الثورات التي كنا نشعر بأنها الأقرب إلينا كانت تلك التي حصلت في الجنوب، من الصين إلى كوبا. كنا معجبين بالمغربي المهدي بن بركة، وكنا نقرأ المجلة الجزائرية “الثورة الإفريقية” التي أدارها محمد حربي حتى سنة 1965. كما كنّا نتطلّع إلى أولئك الذين حَمَلوا، مثل “تشي غيفارا” طموحات جديدة”.[8] ولعل هذا التمثّل سيُسهّل انتقال الكثير من شبيبة اليسار، خاصة المنتسبين إلى حركة برسبكتيف-العامل التونسي، إلى تبني الماوية في سبعينات القرن الماضي.

ماوتسي تونغ عوضًا عن ماركس

هذا الانعطاف نحو الماوية سيكُون مَحلّ اعتراض من يساريين آخرين، اعتبروه حسمًا إيديولوجيا وقضاءً على روحية التحرّر الماركسي الذي عرفته النسخة الأولى من برسبكتيف أواسط الستينات. إذ جَرى -في نظرهم- التحوّل بالنواة الأولى للتنظيم من حالة فكرية مُنفتحة إلى أخرى أكثر انغلاقًا، وهكذا ضيّعَت على نفسها فُرصة إبداع ماركسية غير مُختَزلة. ولعلّ الهاشمي الطرودي، بوصفه أحد البرسبكتيفيين الأوائل، قد عبَّرَ بوضوح عن هذا الرأي قائلاً: “إنّ التجمّع الأوّل (برسبكتيف) كان بوجهٍ من الوجوه أكثر ماركسية من الثاني، مصدر اللّبس أنه تعاطَى مع الماركسية كمُرشد للعمل على حد تعبير لينين، بينما حوّلَها الخلف إلى عقيدة دغمائية وضربًا من ضروب الطوباوية”.[9]

لم تكن ماركسيّة حركة برسبكتيف “الأولى” جليّة بما يكفي، حتى نُطلق عليها تقييما كافيا مثلما ذهب إلى ذلك الهاشمي الطرودي. ولكنّهَا على الأرجح أفلتت في بداياتها من الماركسيتين السوفياتية والصينية. لذلك أصبحَ من السّهل في مرحلة لاحقة الإحالة على أصالتها التونسية. وهو ما سعَى إليه الهاشمي الطرودي عندما أرادَ في فترة لاحقة قراءة هوية الفاعلين في حركة برسبكتيف بوصفهم الأحفاد الجذريين لمشروع الحداثة البورقيبية، وصَوتها الراديكالي الذي أجهضته فردانية الزعيم. لذلك يقول في هذا السياق: “لقد كان جيلنا بورقيبيا بوجه من الوجوه، فقد انحاز لمشروعه الحداثي وتعلّقَ بجوانبه المضيئة ومكاسبه الرائدة في المجال الاجتماعي والثقافي ولكنّه أصرّ في الآن ذاته على ممارسة حقه في المعارضة وعلى أن يقول بملء فمه لا لسياسة بورقيبة”.[10] ويُضيف الطرودي بأن جميع المؤشّرات كانت تدلّ على أن برسبكتيف كانت أقرب إلى أن تكون حركة اشتراكية ديمقراطية وليس نواة لحزب بروليتاري[11]، ولكن في نظره دفعتها الماوية دفعا مُتعسّفًا نحو السيناريو الثاني.

لم يكُن المنعطفون نحو الماويّة ينظرون إلى أنفسهم كجماعة جديدة ضمن الجماعات الصغيرة المتأثرة بالثورة الثقافية الصينية في تلك الفترة، وإنما كانت الماوية تعني -فيما تعنيه- للبعض منهم أداةً سياسيّة جديدة لمُواجهة التحريف السوفياتي الذي لحقَ بالماركسية. ويظهر هذا التصور في شهادة أحمد عثماني، عندما قال: “كنّا نشعر أننا أقرب إلى الصينيين من السوفيات. قرأنا “ألتوسير” واعتبرنا الانتماء إلى الأطروحات الصينية عودة إلى صفاء الفكر الماركسي. وتموقَعنا بطبيعة الحال في التيّار الطلابي العالمي المناهض للأرثدوكسية، والمتحرر الذي يُعارض تحريف ماركس ولينين الأول من طرف الاتحاد السوفياتي”.[12]

من جانب آخر كانت أيضا الماوية تعبّر عن موقف نقدي من التجربة السوفياتية التي أصبحت تتمَاثل صورتها مع محتشدات القمع والتصفية، في هذا السياق يقول أحمد كرعود، مناضل آخر من حركة برسبكتسف- العامل التونسي: “أنا شخصيّا اكتشفتُ مأساة التجربة السوفياتية في السجن، عبر الغولاك وكتُب نقدية أخرى. وبدأت أطرح أسئلة نقدية متعلقة بالنظرية. أنا بطبعي كنت أميلُ إلى التجربة الصينية أكثر من السوفياتية. في تلك الفترة كان لنا أيضا مذياع، فكنّا نُتابع بشكل سرّي “إذاعة تيرانا” الألبانية، وبالتحديد برنامج “الحركة الماركسية تنمو وتتعزز” الذي يتناول أخبار هذه الحركة في العالم. كان الرفيق عبد العزيز الطرابلسي، وهو صاحب خط جميل يكتب محتوى الحصة على ورق السجائر ويمرّره إلى الغرف الأخرى”.[13]

انسجمَت الماوية مع سياقات القمع والحصار التي فُرضَت على مناضلي اليسار، فبحثوا عن نماذج ثورية قريبة إلى وجدانهم ومتناسبة مع أحلام التغيير الفائقة التي تحملها هذه الجماعة السياسية صغيرة العدد والعتاد. فذابت بذلك صورة ماركس الهادئة والأكثر العقلانية داخل صورة الرفيق القائد ماو، المُحرّضة والحاسمة. لذلك اتّسعت مساحة اللاّمفكّر فيه، وكان ضربا من شبه الاستحالة التأمل في الوجه السلطوي للتجربة الصينية أو ووضعها ضمن تقليدها السياسي المحلّي والتخفيض من منسوبها العالمي المُبالَغ فيه. ويلُوح أن تيّار التجذيف بعيدا عن ماركس بدأ يفرض نفسه داخل حلقات اليسار التي سيتعدّد انتسابها إلى مختلف قادة الحركات الشيوعية في العالم، وستتفرّع عن حركة برسبكتيف- العامل التونسي تيارات جديدة ستُولي شطرها مجددًا نحو الإرث السوفياتي، لتجعل منه أيقونات وقوالب نظرية مقتطعة من كتابات لينين وتروتسكي وستالين أيضا.

ماركس الغائب عن حلقات “التدريب الإيديولوجي”              

لقد أفلَح القادة السوفيات في ترويج صِيغة “الماركسية- اللينينية”. وتُضيف إليها بعض الأحزاب الشيوعية مصطلح “الستالينية” للتأكيد على مكانة ستالين ضمن التقليد الماركسي العالمي. ولعلّ هذا الربط الميكانيكي بين ماركس وقادة الحركات الشيوعية، أخضع تلقّي الماركسية  لاستراتيجيات الوسائط السياسية والفكرية السوفياتية وغيرها، التي لم تكن بالضرورة قارئة جيدة لماركس، ولكنها كانت تلتحِف باسمه وترمي مخالفيها بـ”التحريفية” باسمه أيضا. لقد اندرَجَ اليسار التونسي عُمومًا ضمن هذا التقليد الماركسي، خاصة منذ بداية السبعينات، لينتقي هو الآخر ماركسيته المختزلة، فسَادَ بذلك منطق المزايدة الفكرية داخل جماعات اليسار وهيمنت “إيديولوجيا الصمود” على معارف الشيوعيين، بدءًا من تداول ملاحِم البلاشفة والكوبيين، وصولا إلى ترجمة كراريس الصمود داخل الحزب الشيوعي البرازيلي. ولعل سياقات القمع التي امتدّت من ستينات القرن العشرين إلى 2011 كانت مُؤاتية لانتشار صورة الشيوعي الفولاذي الذي يكسِر إرادة جلاّديه.              

تُشكّل بعض شهادات اليساريين إثر ثورة 2011، إضاءة لا بأس بها حول المناخ الإيديولوجي السائد وطبيعة الاختيارات المعرفية التي فرضها هذا المناخ. في هذا السياق يقول محمد الكيلاني، القيادي السابق في حزب العمّال ورئيس الحزب الاشتراكي اليساري حاليّا: “لذلك اعتمدنا في عملية إعادة بناء المنظمة (العامل التونسي) على إعداد رفاقنا لمواجهة التعذيب، فإلى جانب النص الذي كان حمّه (الهمامي) بصدد إعداده حول مقاومة البوليس تحت عنوان “من تكلّم خان”، الذي أكد لنا أنه كان قد ناقشه بعمق مع أحمد بن عثمان، اخترنَا قصصًا تحكي تجارب الشيوعيين والثوريين الفيتناميين، مثل مؤلف l’indomptable (الذي لا يقهر) ومقتطفات من تجربة الحزب الشيوعي البرازيلي les sous terrains de la liberté (سراديب الحرية)”. [14]

لم يكن ماركس غائبا فقط عن حصص التدريب الإيديولوجي، بل أرسِلَ أيضا إلى الهامش عند مناقشة قضايا فكريّة وسياسية وازنة على غرار طبيعة الثورة (اشتراكية أم وطنية ديمقراطية) أو نمط الإنتاج، أو قضية اللغة. وقد حُسمت هذه القضايا بمجرد العودة إلى كتابات ستالين وإلياس مرقص ومقتطفات من غرامشي، وكتابات ماو وإصدارات الثورة الفتنامية.[15] وقد جَرت أيضا استعادة مكثفة للستالينية، إذ لاحظ خميّس العرفاوي، أستاذ التاريخ المعاصر بالجامعة التونسية، أن “التيّارات المتفرّعة عن الشعلة وحزب العمال الشيوعي التونسي يعتمدون على كتابات ستالين ويثمّنون إسهامه في البناء الاقتصادي الاشتراكي وفي الدور الحاسم للاتحاد السوفياتي في دحر النازية”.[16]

لم تكُن فقط هذه الحالة المعرفية معبّرة عن سياقات الحصار السياسي التي ولّدت تشنّجات معرفية وإيديولوجية أضعفت التواصل النقدي مع ماركس والماركسيات التي جاءت بعده. بل إنّها عكَست أيضا تصوّرًا عامّا للرفيق-الفرد، استمرّ في الحضور حتى بعد خفوت القمع وانفتاح الفضاء العام أمام احتمالات معرفية جديدة سنة 2011. هذا التصوّر يمكن أن نعثرَ عليه مثلاً في منشور عنوانه “أن تكونَ شيوعيا فهو التزام يومي”. يعدّ هذا المنشور وثيقة مرجعية في حزب العمال وقد جرى تداوله في حلقات التكوين الفكري حتى في السنوات القليلة التي تلت الثورة، وهو في الأصل منشور صادر عن أحد قادة الحزب الشيوعي البرازيلي. عموما يَختزل هذا المنشور التجربة الحياتية والمعرفية للمناضل الشيوعي كالآتي: “ولن تكون حياة الشيوعي سوى تعلّم يومي وتطوّر مستمرّ من أجل صنع المناضل الحقيقي البروليتاري بشيوعيته، والتلميذ المخلص لماركس وإنجلز ولينين وستالين”.[17] وفي سنة 2020، تشير وثيقة صادرة عن مؤتمر الحزب الوطني الديمقراطي الاشتراكي إلى أن العضو في الحزب يلتزم بـ”التكوين النظري المستمرّ قصد الرّفع من قدراته الفكرية والسياسية وتوسيع معرفته بالفكر الماركسي اللينيني. وأن يتحلّى بالأخلاق الشيوعية وبصفات الأممية الشيوعية ويكون مخلصًا للحزب ومستقيمًا وأن يقدّمَ مصلحة الحزب على مصلحته الشخصية”.[18] هذا التصميم المسبق للرفيق- الفرد لا يسحق فرادة الإنسان وحريته في صناعة تاريخه الخاص، وإنما يتعالى عن حقيقة مفادها أن الإنسان تجربة حياتية تتشكل ضمن ظروف ما وليس هندسة مصمّمة سلفا، ويتعارض مع أحد الخلاصات الكبرى للماركسية التي تقول بأن الأفراد يصنعون تاريخهم في سياق تفاعلهم مع ظروفهم.       

كان الهَوَس بإنتاج نُسخ محلية من الماركسية خاصية ملازمة للتّجارب الشيوعية التي صعدت إلى الحكم، وعادة ما يُغلق النقاش الفكري إثر وضع تلك النّسخ[19]. ورغم أن الماركسية لم تتحول إلى إيديولوجيا-سلطة في تاريخ اليسار التونسي فإن ذلك لم يُنجيها من الجمود المعرفي. ولعّل السياقات السياسية المُغلقة التي جرَى فيها تقبل الماركسية قادت نحو هذا الاتجاه، وأيضا ساهمت هشاشة حركة الفكر داخل المجموعات اليسارية في ذلك. ولكن في اعتقادنا الخاص، يظل المشكل الأكبر في أن الماركسية لم تتحول إلى أداة معرفية نقدية، تعبّر عن شكّ ماركس الخصب في الظواهر والأشياء، وإنما انتهَت إلى ضرب من الدوغمائية ويوتوبيا خلاَصية في أحسن الحالات. لقد سار اليسار التونسي بمحاذاة ماركس وضدّه في معظم الأحيان، لأنه لم يسمح لنفسه طيلة تاريخه بالعودة المعرفية النقدية إلى الرفيق ماركس ومساءلته قبل مساءلة الماركسيات التي انتشرت خلال القرن العشرين.   

توفيق بكّار: صوت ماركسي غريب داخل السّرب

كان تمجِيد الاتحاد السوفياتي أو بعض رموزِه على غرار لينين وستالين وتروتسكي، تقليدا دارجًا داخل جزء لا بأس به من اليسار التونسي. في هذا السياق أجابَ محمّد حرمل، إحدى القيادات التاريخية للحزب الشيوعي التونسي، عندما سُئلَ أوائل الثمانينات عن رأيه بخصوص وجود أهداف توسعية للاتحاد السوفياتي، قائلا: “نحن نرفض أن تكون للاتحاد السوفياتي أهداف توسعية ونرفض بتاتا مفهوم الإمبريالية السوفياتية الذي هو من الدعاية الرجعية. الاتحاد السوفياتي دولة اشتراكية، دولة عظمى، ومن الطبيعي أن تكون لها دبلوماسية خاصة بها تفرضها مقتضيات الصراع الاستراتيجي العالمي بين الاشتراكية والرأسمالية. ومن هنا يحصل التعارض في بعض القضايا”.[20] هذه النّبرة الحاسمة في تمجيد اشتراكية الدولة العظمى سبقت سقوط الاتحاد السوفياتي بسنوات قليلة، ولعل تواصل القراءة الإيديولجية التبجيلية للتجربة السوفياتية داخل جزء من اليسار تَواصَلَ إلى حدود هذه الفترة.[21]

في سياق مُماثل، اختار ماركسي من طراز آخر، هو الكاتب التونسي توفيق بكّار[22]، الإجابة عن مأزقية التجربة الاشتراكية السوفياتية من منظور مُغاير لمحمّد حرمل. ولعلّ الاختلاف يكمن في المسافة التاريخية -المعرفية التي أقامها بكّار مع تلك التجربة عندما وصفَها قائلا: “إن الثورة البلشفية في معناها العميق استهدفت الإطاحة بالاستبداد القيصري أساسًا، في ظرف كان فيه المجتمع الرّوسي متخلّفا عن المجتمعات الأوروبية الأخرى، وليست له تجارب تاريخيّة طويلة المدى فيما يتعلّق بالرأسمالية. لقد حلُم لينين ومعه الاشتراكيون الروس في أن يختصروا المسافة التاريخية التي تفصل بينهم وبين الرأسمالية الغربية، ويمرّوا مباشرة من الإقطاعية إلى الاشتراكية، وهذه حال تشابَه فيها الاشتراكيون مع التحريريين في بلدان العالم الثالث المتخلفة والتي كانت مستعمرة، في محاولتهم لاختصار المسافة بالمرور رأسا -إن أمكن كما وقع في الفيتنام مثلا- من الوضع الاستعماري إلى الوضع الاشتراكي…وقد بيّنَت التّجربة أن هذا يبدو كالمستحيل”.[23]

وطيلة الحوار الذي أُجرِيَ معه، حاول توفيق بكّار الإجابة بطريقة مُلفتة للانتباه عن سؤالين ظلاّ مُعلقين أو مُغيبين، طيلة تاريخ اليسار التونسي، هما: كيف نُعرّف الماركسية؟ وكيف نتعاطَى معها؟ بخصوص السؤال الأول، يجيب بكّار: “لقد كانت الماركسية عندي فلسفة ورؤية للمجتمع ورؤية للتاريخ ورؤية للإنسان في الكون، ولا أزال إلى اليوم ماركسيا…إن الذي يفكر أنه في الإمكان تحقيق أحسن مما كان وأحسن مما هو كائن يلتقي حتما بالماركسية كمبادئ وكأصول، لأنها تتيح للمرء حرية في التصور والعمل، وأشدّد هنا على ضرورة فهم الماركسية لا فهمًا نمطيّا دوغمائيا، بل فهما حركيا إبداعيا”.[24] أما بخصوص السؤال الثاني فقد أجاب توفيق بكّار قائلا: “إن الماركسية مدعوّة إلى أن تُراجع نفسها بنفسها، بمعنى ينبغي تطبيق المنهج الماركسي على الماركسية ذاتها، ليكون الفهم للماركسية فهما ماركسيا تاريخيا، أي قابلا للتطورات والتغييرات، حتى يصبح فهم الماركسية مُكيّفا بالظروف التاريخية، للتفطن إلى ما قد أنتجته أو تنتجه الماركسية من تصورات قد لا تكون صحيحة. فمن أساسيات الماركسية الإيمان بالحركية التاريخية المستمرة والدائمة للمجتمعات وللحياة في مجملها”. [25]

      لقراءة المؤلف الجماعي كاملا وتحميله، اضغط هنا


[1] حوار مع ميشيل فوكو (ترجمة فتحي بالحاج يحيى) ضمن مؤلف جماعي: ربيع تونس الأوّل، 2019، ص: 96.

[2] الطاهر الحدّاد. العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية، الدار العربية للكتاب، تونس، 2012، ص: 16.

[3] المرجع نفسه ص: 19. 

[4]  جريدة “حبيب الأمة”، لسان حال الشعبة الاشتراكية التونسية، العدد 1، السنة الأولى، 23 أكتوبر 1921.

[5]  مع توفيق بكّار في الموجود والمنشود (حوار من إنجاز حسن بن عثمان) تونس، دار سراس للنشر، سنة 1990، ص: 13.

[6]  من مناضلي حركة برسبكتيف-العامل التونسي، تعرّض للسجن والتعذيب في أكثر من محطة في مسيرته الطلابية التي بدأت سنة 1965. ساهم في مرحلة لاحقة في تأسيس الفرع التونسي لمنظمة العفو الدولية سنة 1984 ثم تأسيس المنظمة الدولية للإصلاح الجنائي سنة 1989.

[7] أحمد عثماني مع صوفي بسيس. التحرر من السجن (ترجمة عبد العزيز نويضي وإيمان شمص) تونس: دار محمد علي للنشر، 2011، ص: 20.

[8]  المرجع نفسه ص: 21.

[9]  الهاشمي الطرودي.  أضواء على اليسار التونسي، تونس: دار محمد علي للنشر، 2014، ص: 20.

[10]  المرجع نفسه، ص: 16.

[11]  المرجع نفسه ص: 20.

[12]  أحمد عثماني، ص: 21 (مرجع مذكور سابقا).

[13]  أحمد كرعود، من دروس الشيخ خليف بالقيروان إلى اليسار الماوي (شهادة نقلها وعلق عليها عبد الجليل بوقرة) تونس، دار آفاق، 2017، ص: 102.

[14]  محمّد الكيلاني. التاريخ المنسي: مذكرات مناضل وطني، تونس: منشورات جمعية نشاز، 2020، ص: 102.

[15]  المرجع نفسه ص: 100.

[16] خميّس العرفاوي: اليسار الجديد في تونس والثورة البلشفية: تواصل أم قظيعة؟ (ضمن مؤلف جماعي ثورة أكتوبر والعالم العربي) منشورات مؤسسة روزا لوكسمبورغ، تونس، 2020، ص: 77.

[17]  أرودَا. أن تكون شيوعيا فهو التزام يومي، منشورات حزب العمال، ص: 6.

[18]  وثائق المؤتمر الأوّل للحزب الوطني الديمقراطي الاشتراكي، تونس، 2020، ص: 12.

[19]  فرانسيس وين. رأس المال لماركس: سيرة (ترجمة ثائر ديب) مكتبة العبيكان، 2007، ص: 139.

[20]  بصراحة مع محمد حرمل، منشورات الطريق الجديد ص: 92، 93.

[21]  انظر في هذا السياق الكتاب الذي أصدره القيادي في حزب العمال الجيلاني الهمامي سنة 2018، بعنوان: “مساهمة في تقييم التجربة الاشتراكية السوفياتية”.

[22]  توفيق بكّار (1927-2017) هو أستاذ جامعي في اللغة العربية وناقد أدبي، عُرف بنضاله منذ فترة الشباب في الحزب الشيوعي التونسي أثناء الفترة الاستعمارية لينفصل عنه في فترة لاحقة ويتفرغ لأنشطته الأدبية والجامعية.

[23]  مع توفيق بكار في الموجود والمنشود ص: 25 (مرجع مذكور سابقا).

[24] المرجع نفسه ص: 17.

[25]  المرجع نفسه ص: 28.


انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية