هل الترسانة القانونية في تونس جاهزة لمواجهة كورونا المستجد؟


2020-03-24    |   

هل الترسانة القانونية في تونس جاهزة لمواجهة كورونا المستجد؟

بسرعة كبيرة، تحول الخطاب حول فيروس كورونا المستجد لدى السياسيين من مرحلة 'إنه ليس بالأمر المقلق" إلى مرحلة "لقد تم غلق المجال الجوي". بضعة أسابيع كانت كفيلة بأن تنغلق الدول على نفسها وتحبس مواطنيها في منازلهم وتبدأ في إصدار الأوامر وتطبيق عدد من الإجراءات كحظر الجولان (تونس مثلا) وقانون الدفاع (مثل الأردن والولايات المتحدة). اليوم وبعد مرور ثلاثة أشهر على بداية انتشار هذا الفيروس من مدينة وهان الصينية، أصبح كورونا جائحة عالمية، بل إن بعض الدول المتقدمة مثل إيطاليا وألمانيا صارت مهددة بانهيار أنظمتها الصحية. لتفادي هذه الأزمة سعت دول عدة إلى تقييد حركة السكان والتحضير لسيناريوهات أسوأ حفاظا على الدولة ولمنع حدوث الفوضى. تونس وبعد تسجيل بضعة حالات في بداية شهر مارس، حاولت استباق الأمور قدر الإمكان وبدأت تدريجيا في غلق مجالها الجوي وإخضاع العائدين إلى الحجر الصحي. هذا على المستوى الخارجي، أما داخليا فقد سعت الدولة إلى المحافظة على النظام وإقرار إجراءات عديدة لمنع تفشي الفيروس. لكن السؤال الذي يطرح نفسه؛ هل أن الترسانة القانونية التونسية جاهزة لمواجهة فيروس كورونا المستجد؟

 

تونس وفيروس كورونا المستجد كوفيد 19: بداية الكابوس

أعلنت مديرة المركز الوطني للأمراض الجديدة والمستجدة انصاف بن علية خلال ندوة صحفية يوم الإثنين 23 مارس 2020، تسجيل 14 حالة جديدة بفيروس كورونا في تونس، من بين 126 تحليلا تم إجراؤه في 22 مارس 2020، ليرتفع بذلك العدد إلى 89 حالة مؤكّدة تنقسم إلى 60 حالة وافدة و29 محلية. كما ارتفع عدد الموضوعين في الحجر الصحي الذاتي ليتجاوز 14 ألف شخص من بينهم أكثر من 5 آلاف أتموا فترة الحجر وحوالي 8800 مازالوا في الحجر الصحي الذاتي. قدرة الفيروس على القتل لاتزال محدودة مقارنة بفيروس الايبولا وفيروسات أخرى لكنه يمتلك خاصية خطيرة وهي سرعة العدوى والانتقال من شخص لآخر، إضافة إلى سرعته في الإنتشار داخل جسم الإنسان مما يرفع عدد المصابين بشكل كبير خلال فترة زمنية محدودة للغاية، وهو ما يمثل مشكلة بالنسبة لأي نظام صحي. وبحسب تجارب عدد من الدول مثل إيطاليا وإيران والولايات المتحدة وإيطاليا وإسبانيا، يبدأ عدد الاصابات بالتطور بشكل بطيء جدا ثم يرتفع بشكل مفاجئ ليصيب المئات والآلاف في أقل من أسبوع. فرضية الانتشار الواسع للوباء خلال الفترة القادمة، لم يستبعدها وزير الصحة عبد اللطيف المكي الذي أكد أنه في حال حدوثها ستتعرض تونس لمشكلة كبيرة كونها لا تملك سوى 200 سريع إنعاش في جميع المستشفيات وهي طاقة استيعاب محدودة لا تكفي لمواجهة فيروس خطير مثل كوفيد 19.

 

تسلسل الإجراءات الحكومية في مواجهة تفشي الوباء

منذ بداية ظهور هذا الفيروس في تونس وبالنظر إلى تجربة أإيطاليا وفرنسا، سعت الحكومة التونسية إلى إقرار إجراءات إستباقية من بينها التقليص التدريجي في عدد الرحلات تمهيدا لغلق المجال الجوي، إخضاع القادمين من الخارج إلى الحجر الصحي الذاتي وتقليص التنقل داخل تونس إلى مستويات منخفضة من خلال العمل عن بعد، تزامنا مع تعليق بعض الإدارات نشاطاتها لحين مرور الأزمة. ومع ارتفاع عدد الإصابات، سعت رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة إلى تطبيق إجراءات أكثر صرامة بالاستناد إلى ما تسمح به صلاحياتهما وفق الدستور، فأقر رئيس الجمهورية حظر الجولان يوم الثلاثاء 17 مارس 2020 إلى جانب استمرار تطبيق حالة الطوارئ المعلنة منذ نوفمبر 2015[1]، كما تم إقرار الحجر الصحي الذاتي باستثناء حاجيات التنقل الضروري، فيما سعى رئيس الحكومة إلى إضافة فيروس كورونا المستجد إلى قائمة الأمراض المضمنة في القانون عدد 71 لسنة 1992 المتعلق بالأمراض السارية من خلال إصدار الأمر الترتيبي الخاص بذلك. كما لجأ رئيس الجمهورية إلى إعلان الحظر الصحي الشامل ومنع التنقل بين المدن إلا في الحالات القصوى منذ 20 مارس الجاري، فيما طالبت بعض القوى السياسية مثل حزب تحيا تونس والحزب الدستوري الحر إلى تفعيل الفصل [2]80 من الدستور.

 

هل تكفي الترسانة القانونية للسيطرة على الأزمة؟

يرى رئيس لجنة الصحة والنائب عن حركة الشعب خالد الكريشي أن الترسانة القانونية الخاصة بالأزمات الوطنية كافية لتجاوز هذه الأزمة. وأوضح الكريشي في تصريح للمفكرة القانونية أن المنظومة القانونية التونسية تتضمن عددا من الإجراءات التي يمكن إستعمالها لتطويق هذه الأزمة على غرار الأمر الخاص بحالة الطوارئ، وتفعيل الفصل [3]70 من الدستوري الذي يعطي الحق لرئيس الحكومة إصدار مراسيم دون العودة إلى مجلس النواب، إضافة إلى الفصل 80 من الدستور والقانون الخاص بالأمراض السارية. كما اضاف "المشكلة ليست في القوانين ولكن الخطأ يكمن في التعويل على الوعي الجمعي وإهمال تطبيق القوانين بحجة وعي المواطن والحقيقة أن هذه القوانين التي تمتلكها تونس قادرة على محاصرة خطر تفشي الفيروس وتقليل خطره وإخراج تونس من الأزمة". في المقابل، تبدو وجهة أستاذة القانون الدستور منى كريم مخالفة تماما. حيث اعتبرت أن تونس لا تمتلك سوى أمر لتنظيم حالة الطوارئ وقانون للأمراض السارية والمجلة الجزائية لا غير، وأضافت كريم في تصريحها للمفكرة القانونية "تونس لا تمتلك ترسانة قوانين لمجابهة أزمة مثل هذه، وهذا ما يدفع رجال القانون في تونس إلى التساؤل عن الإطار القانوني الملائم لمجابهة هذا الخطر".

 

نقائص ترسانة القوانين: قانون الطوارئ الصحية هو الحلّ؟

ترى أستاذة القانون الدستوري منى كريم أن مجموعة التشريعات الخاصة بالأزمات في تونس تعاني نقصا كبيرا وأن تونس تحتاج إلى قانون طوارئ صحية في أقرب وقت ينظم العمل الميداني لجميع الفرق المتداخلة كما يحتوي على مجموعة القوانين والعقوبات الواجب تطبيقها في حالات الأزمة. لتضيف؛ "يجب التفكير اليوم في ألية تعطي الحكومة الحق في أخذ القرارات بسرعة دون المرور على البرلمان الذي سيجد صعوبة كبيرة في عقد جلساته العامة العادية خلال الفترة المقبلة. إذن سيكون الحل الأنسب في تقنية المراسيم المعمول بها في الأزمات، خصوصا إزاء ترسانة قانونية تعاني نقصا كبيرا ". كما تحدثت منى كريم خلال مداخلتها مع المفكرة القانونية عن وجوب إعداد قانون مالية استثنائي في أقرب وقت، يتم فيه الأخذ بعين الاعتبار المشاكل المالية التي من الممكن أن تنجر عن تفشي فيروس كورونا والتحويلات التي من الممكن أن يتم إقرارها من ميزانيات وزرات أخرى نحو ميزانية وزارة الصحة.

من جهة أخرى، أوضح خالد الكريشي رئيس لجنة الصحة أنه يمكن تفعيل الفصل 70 من الدستور وذلك لتجاوز الإشكال الخاص بالبرلمان. كما أوضح الكريشي أن قانون الأمراض السارية يعاني بدوره من بعض النقائص. فالقانون خاص بالمرضى وليس بالمشتبه بهم، لذلك يجب أن يشمل القانون المشتبه بهم في القترة القادمة وفي حالة فيروس كورونا هم "الأشخاص الذين من المفترض أن خاضعون للحجر الصحي".

 

تداخل في الصلاحيات بين المركز والبلديات

منذ بداية الأزمة سعت بعض البلديات في تونس إلى إتخاذ إجراءات إستباقية للحد من تفشي فيروس كورونا. وبالرغم من اكتفاء رئيس الحكومة بإعلان غلق المقاهي والمطاعم والملاهي على الساعة الرابعة بعد الزوال، قرر العديد من رؤساء البلديات منع إستعمال الطاولات والكراسي داخل المقاهي (قرار رئيسة بلدية قرمدة بولاية صفاقس بتاريخ 16 مارس) كما قرر البعض الآخر إجراءات أكثر صرامة بخصوص بعض المراكز التجارية (قرار رئيس بلدية المرسى بخصوص غلق المركب التجاري بسيدي داود) أو إجراءات جبائية للمحافظة على التوازنات الإقتصادية للمحلات المتضررة. هذه الإجراءات التي أتخذت في عدد من المناطق البلدية جعلت رئيس الجمهورية يدعو في خطابه الأخير البلديات إلى ضرورة التنسيق مع المركز والإلتزام بمركزية القرارات. كونفدرالية رؤساء البلدية وفي ردها على ما جاء في خطاب رئيس الجمهورية أصدرت بيانا إستنكرت فيه "دعوة رئاسة الجمهورية الى الالتزام بمركزية القرارات"، معتبرة أنها تعد "استنقاصا من دور الجماعات المحلية المتمثلة في البلديات ومجالسها المنتخبة والتفافا واضحا على مقتضيات الدستور في بنده السابع المتعلق بالسلطة المحلية ومهامها". كما دعا رئيس الكونفدرالية التونسية لرؤساء البلديات ورئيس بلدية روّاد، عدنان بوعصيدة، رئيس الجمهورية الى تقديم توضيحات حول دور الجماعات المحلية في معاضدة مجهود الدولة ولاسيما في مثل هذه الازمة التي تمر بها البلاد، حتى لا تفهم تصريحاته على انها "ضوء اخضر يعطي للسلطة المركزية الانفراد بالقرارات والتقليص من صلاحيات البلديات والاستنقاص من دورها". تعليقا على غياب حدود واضحة للصلاحيات بين المركز والبلدية، قالت الأستاذة المحاضرة في القانون عفاف الهمامي المراكشي إنه لا مجال للتشكيك في مبدأ التدبير الحر التي تمارس على أساسه البلديات صلاحياتها الذاتية إلا أنه وفي نفس الوقت ذكّر المشرّع بحدود هذا المبدأ ضمن مجلة الجماعات المحلية. حيث وإن كانت للبلديات بإعتبارها سلطة محلية كل الصلاحيات في المجال الضبطي ومكلفة بإتخاذ مختلف الإجراءات التي تمكن من الحفاظ على النظام العام الصحي والتوقي من مختلف المخاطر التي تهدده، فإنها ملزمة باحترام مقتضيات وحدة الدولة وتطبيق أحكام الدستور والقانون.

 

الارتدادات الاقتصادية للأزمة على رأس مشاغلهم

حول موقفه من مختلف الإجراءات التي اتخذتها السلطات التونسية منذ بداية الأزمة، لا يخفي المواطن القادري البرهومي (48 سنة) الذي يعمل كميكانيكي سيارات، أن القرارات التي تم اتخاذها منذ ظهور فيروس كورونا لا تناسب بأي شكل من الأشكال وضع الاقتصادي والاجتماعي للتونسيين ، ليوضح خلال حديثه مع المفكرة مشيرا إلى أن "هناك نسبة كبيرة من المواطنين هم عمال يوميّون، وإقرار حظر الجولان و والمطالبة بإغلاق المحلات دون وضع آليات لتعويض المتضررين على غرار ما حصل في فرنسا و كندا اللتان رصدتا مبالغ ضخمة من أجل مساندة مواطنيهم، ستنجر عليها أضرار مادية هائلة خلال هذه الأزمة". لكن رأي محمد أمين (33 سنة) الذي يعمل كإطار في أحد البنوك الخاصة، مخالف تماما لرأي القادري، فهذا الأخير يرى أنه لا مناص من إحترام قرارات الدولة ومنع التجمع من اجل السيطرة على الفيروس. وفيما يتعلق بالإجراءات التي تم إقرارها، أشار أمين خلال حديثه مع المفكرة إلى أن المسئولين يتعاملون وفق الإمكانيات المتاحة؛ "مسئولو وزارة الصحة ورئاسة الحكومة يتعاملون مع الوضع في حدود المتاح، لا تمتلك الدولة إعتمادات كبيرة لذلك فهي تحرص على عدم المساس بالقوت اليومي للمواطنين، لكن الإجراءات المتبعة جاءت متأخرة وغير كافية وأعتقد أن ما سنعانيه إقتصاديا من هذا الفيروس سيكون أكبر بكثير من النتائج الصحية لهذه الأزمة".

حاولت السلطات التونسية تجنب كارثة كبرى قدر الإمكان من خلال إستباق الأزمة وإقرار حزمة من الإجراءات العاجلة. ترتكز هذه الإجراءات على حزمة من القوانين منها ما هو موجود من قبل 2011 ومنها ما تمت المصادقة عليه بعد الثورة. لكن الأكيد أن هذه الأزمة ستكون بمثابة الإمتحان الذي سيختبر مدى قدرة الترسانة القانونية التونسية على مواجهة أزمة كوباء كورونا المستجد وفرصة ربّما لتدارك النقائص التي ستكون لها ارتدادات حتمية على الصعيد المادي والبشري.

 


[1] تمديد جديد في حالة الطوارئ في تونس: عندما يصبح الوقتي دائما والاستثناء قاعدة – مقال لمهدي العش بتاريخ 05 فيفري 2020 – المفكرة القانونية

[2] لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها، يتعذّر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويُعلِنُ عن التدابير في بيان إلى الشعب.

ويجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويُعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حلّ مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة.

وبعد مُضيّ ثلاثين يوما على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يُعهَد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو ثلاثين من أعضائه البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه. وتصرح المحكمة بقرارها علانية في أجل أقصاه خمسة عشر يوما.

ويُنهى العمل بتلك التدابير بزوال أسبابها. ويوجه رئيس الجمهورية بيانا في ذلك إلى الشعب.

[3] "يمكن لمجلس نواب الشعب بثلاثة أخماس أعضائه أن يفوّض بقانون لمدة محدودة لا تتجاوز الشهرين ولغرض معين إلى رئيس الحكومة إصدار مراسيم تدخل في مجال القانون تُعرَض حال انقضاء المدة المذكورة على مصادقة المجلس"

انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، الحق في الصحة والتعليم ، تونس ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *