هل أهملت القوى الأمنية محاولة قتل بدر الحسين؟     


2021-03-31    |   

هل أهملت القوى الأمنية محاولة قتل بدر الحسين؟     
بدر بعد شهر من إصابته

نهار الاثنين 8 آذار 2021 كان منعطفاً في حياة اللاجئ السوري من بلدة دير الزور إلى  لبنان بدر الحسين الذي يعمل في شركة “سيتي بلو” لجمع النفايات. فعند الساعة الثانية والنصف من ظهر ذلك اليوم كان بدر يكنّس الشارع على طريق المطار – مفرق الأوزاعي حيث تقام على بعد 200 متر وقفة احتجاجية بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة وتردّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في لبنان. وبينما كان بدر منهمكاً في عمله مرّت سيارة سوداء اللون وتوقّفت على مقربة منه ورمى سائقها عبوة مشتعلة مليئة بمادة البنزين على بدر ليشعل جسد الشاب العشريني ويخلّف ندوباً  لن تفارقه طيلة حياته. 

حروق في مختلف أنحاء جسده

“عندما اقترب منّي ظننته ينوي رمي النفايات في السلة المجاورة لي، لذلك لم أدقق في ملامحه”، يقول بدر لـ”المفكرة القانونية”. تابع المجرم، المجهول حتى الآن، سيره مسرعاً وترك بدر يتخبّط في إطفاء النار التي أشعلها في جسده. الصليب الأحمر نقل بدر إلى مستشفى الجعيتاوي حيث تابع الطبيب جيرار بليبل حالته. “أدخلناه إلى العناية الفائقة، ضمّدنا جروحه، وأجرينا له الفحوصات اللازمة. وبعد  التشخيص تبيّن أنه يعاني حروقاً من الدرجة الأولى والثانية في 15% من جسده. هناك حروق في يمين وجهه، الأذن اليمنى، الرقبة من الجهة الأمامية، الصدر من الجهة العليا، واليدين”، يفيد بليبل “المفكرة”. خرج بدر في اليوم نفسه من المستشفى إلى مكان إقامته في سكن العمال التابع للشركة، بعد أن سمح الأطباء في المستشفى بذلك. “كنت أرغب في أن يبقى في المستشفى لأطمئن عليه أكثر، لكن ذلك سيكون على نفقتي الخاصة وليس على نفقة الشركة”. يقول والده حسين الحسين “للمفكرة”. وبما أنّ الوالد لا يملك خمسة ملايين ليرة لقاء بقاء ابنه ليومين آخرين في المستشفى “لم يكن أمامي سوى خيار إخراجه من المستشفى وتعريضه للخطر”.   

بدر خلال علاجه في المستشفى
بدر خلال علاجه في المستشفى

لم يعاين طبيب شرعي بدر 

عند الساعة الرابعة من فجر اليوم التالي ساءت حال بدر. “لم أستطع أن أتحمّل الآلام ليلاً فقد تورّم جسدي بشكل مخيف، وما عدت رأيت بعيني التي حُرِقَت”، يشرح بدر سبب عودته ثانية إلى المستشفى ذاتها التي كانت قد أعطت الموافقة لخروجه. وهذا ما يثير الشك في أن “يكون بدر قد تعرّض للظلم مرتين، مرة بسبب حرقه ومرة بسبب إخراجه من المستشفى قبل أوانه وإهمال الشركة التي يعمل فيها”. 

في حديث لـ”المفكرة” يشرح د. بليبل أنّ “ظهور الورم بعد التعرّض للحروق أمر طبيعي جداً”. ويرى عودة بدر إلى المستشفى ليست سوى نتيجة “خوف زملائه من تورّم جسده المفاجئ”. هذا يعني أنّ المستشفى “لم تخطئ عندما أعطت الموافقة على إخراج بدر في المرة الأولى، لأن بدر لم يكن يعاني أي مشاكل صحية بالتزامن مع الحريق. وما كان ينقصه سوى الراحة”، برأي بليبل.

بعد أن غادر المستشفى، توجه بدر إلى المبنى المخصص للعمال في الشركة حيث يقطن. فظروف حياة عائلته الصعبة، وسكن والده وزوجة والده مع أربعة أولاد في غرفة واحدة في مخيم صبرا أرغم بدر على العيش مع زملائه في مبنى الشركة بعيداً عن عائلته. صحيح أنّ بقاءه في المستشفى وتناوله للمسكّنات بشكل متواصل كان يريح بدر أكثر ويخفف أوجاعه، كما يقول، لكنّه كان ولا يزال  “تحت المراقبة” في مكان إقامته التابع للشركة. إذ يؤكد بدر أنّ هناك في الشركة عيادة طبية “تخدمه بشكل جيد والمسؤول في العيادة الطبيب ربيع القرق يأخذه بنفسه إلى المستشفى حيث يغيّرون على الجرح”. ويشير القرق في هذا الصدد إلى أنّ “الشركة خصّصت لبدر غرفة يقطنها مع شاب واحد فقط، ونتابع حالته بشكل مستمر يومياً، وهذا واجبنا تجاه كلّ موظف في الشركة”. ويفيد القرق بأنه “حتى الآن لم يحضر طبيب شرعي ولم يكتب تقريراً طبياً بالحادثة”.

“سيتي بلو” تردّ

يعرب مسؤول العلاقات العامة في شركة “سيتي بلو” بهيج كنعان عن استيائه مما جاء في وسائل إعلامية من اتّهام للشركة “بوضع بدر في مسكن من  دون تقديم أي عناية تذكر له، لتسوء حالته ليلاً وعلى إثرها يتم إسعافه مرة أخرى إلى ذات المستشفى”. ويرى كنعان ذلك “تضليلاً للرأي العام لأنّ الشركة ملتزمة بتأمين موظفيها، لذلك سددت تكاليف علاج بدر على نفقتها الخاصة، وتتابع حالته في العيادة التابعة لها بعد خروجه من المستشفى. وإلى حين شفائه وعودته مجددا إلى عمله يتقاضى بدر راتبه كاملا”. وردا على القول إن “المستشفى طلبت من والد الضحية تسديد مبلغ خمسة ملايين ليرة”، يقول كنعان إن “المستشفى هي من ارتأت خروج بدر في اليوم التالي للحادثة، فوجدت الشركة أنّ طلب الوالد بقاء بدر في المستشفى ليس ضرورياً ولا يقع على عاتقها”. وقد سألت “المفكرة” والد بدر الذي أفاد أنّه “لم يدفع فلساً واحداً لعلاج ابنه، فالشركة هي التي سدّدت تكاليف العلاج في المستشفى ولا زالت تتكفّل بتقديم العناية الطبية لبدر في عيادتها”.   

لم يتمّ التحقّق من كاميرات المراقبة بعد 

وضعت حادثة رمي العبوة الحارقة على بدر في خانة العنصرية” تجاه اللاجئين السوريين تضاف إلى حوادث كثيرة سابقة ليس آخرها إحراق مخيّم بحنين للاجئين السوريين العام الماضي. واتهمت وسائل إعلام السلطات اللبنانية “بلفلفة القصة”. ويقول بدر إنّ القوى الأمنية ومخابرات الجيش اللبناني حضروا إلى مكان الحادثة فور حصولها، “وساعدوه في إخماد النار المشتعلة في جسمه”، وأنّ “عناصر من الأمن الداخلي حضروا إلى المستشفى مرة واحدة، وطرحوا عليه سؤالين فقط ولم ير أحداً منهم بعد ذلك”.

ويرد مصدر أمني في تواصل مع “المفكرة” بأنّ “بدر لا يزال يتلقّى العلاج لذلك لم يُستَدعى حتى الساعة لأخذ أقواله” وأنّ “التحقيقات لم تنته حتى الآن بانتظار أن تكشف الكاميرات على طول الطريق ما يدلّ على المجرم”.  لكنّه يلفت إلى أنّه خلال التحقيقات الأوّلية “لم يتبيّن أثر مولوتوف أو زجاجة حارقة في مسرح الجريمة”. وهذا ما كُتب في المحضر.

ويرفض المصدر الأمني اتّهام الجهات الأمنية بالتمييز بين المقيمين على أراضيها بحسب جنسياتهم. ويقول، “نتابع حادثة بدر خاصة أنه شاب سوري”. 

حالة بدر الصحية اليوم مستقرة، فهو لا يعاني من مضاعفات بعد تعرّضه للحروق، وصار بإمكانه المشي بشكل طبيعي. لكن أوجاع الحروق لا تزال تزوره بين ليلة وأخرى. والندوب التي تركت بصمتها على جسده تذكّره دائماً بمظلوميته. يتساءل بدر عن الذنب الذي اقترفه ليتعرّض لهذه الأذية، في الوقت الذي كان مفترضاً أن ينشغل فيه بالتحضير لعرسه الذي خطّط أن يقيمه في نهاية الشهر الحالي.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، الحق في الحياة ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سوريا ، فئات مهمشة ، قضاء ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر



لتعليقاتكم