هكذا نطقت الزبالة: أنتم عاجزون


2015-07-24    |   

هكذا نطقت الزبالة: أنتم عاجزون

ظهرت بيروت خلال الأيام الأخيرة في أبهى تجلياتها. لمرة واحدة ونادرة، تعكس طرقاتها جزءاً من واقع مجتمعنا.

لطالما جهدنا لنتخيل بيروت مختلفة. أخفينا وجهها الحقيقي من خلال إعلانات ترويجية أو صورة جزئية على المواقع الاجتماعية. سارعت المصارف في السنوات الأخيرة لدعم نشرات الطقس والطلب من الجمهور لإرسال أجمل الصور عن لبنان الجميل والساحر. هذه الشراكة الوهمية مع المجتمع لا تنتج عن كون المصرف يعي بأن نشرة الطقس تجذب أكبر عدد من المشاهدين. في الحقيقة أنها كلها محاولات تضليلية منظمة ومدروسة تهدف الى إضفاء صورة وردية والحؤول دون مواجهة المجتمع لنفسه. قليلة هي المناظر الجميلة في لبنان التي ترى بالعين المجردة، عكس ما تخبرنا آلة التصوير لهذه البرامج التسويقية. نلتقط الصور نضعها في الإطار الصحيح ونقول "هيدا لبنان" ونقنع أنفسنا بأن لبنان بلد سياحي ونفرح مرددين: (IliveLoveLebanon#)

هذا ما يدفعنا للقول قبل أن نخلد إلى النوم: "لا بلد لدينا، لأن بلدنا هو الكون كله". ندرك القصور، نبرره ونخفيه من خلال الأوهام. ننفصل عن الواقع.

القمامة اليوم على الطرقات تدعونا صراحة للتوقف عن الكذب. بيروت تعبت من كذبنا ومن عجزنا. أخذت طرقاتها المبادرة لكي تقول لنا: واقعكم "زبالة".

فالقمامة على الطرقات هي أولاً وأخيراً قمامتنا، ليس بالمعنى المادي فحسب إنما أيضاً بالمعنى السياسي والسوسيولوجي تحديداً… فهي تمثل عجزنا عن القيام بالمبادرة وتفضح كسلنا والاكتفاء بالتذمر قائلين: ويني الدولة؟.

من غير المجدي الآن أن نقول بأن الطبقة السياسية فاسدة. لا بل حان الوقت أن نعترف أننا نحن فاسدون أيضاً ونتشارك في الفساد. نحن أيضاً متواطئون في الغياب المزعوم للدولة. عجزنا هو المدماك الأساس الذي يقوم عليه النظام السياسي ويستمد منه قوته. فالدولة ليست جسماً غريباً عنا، إما يأتي الينا أو يغيب عنا. الدولة هي المجتمع أولاً وأخيراً.

 في واقعة الزبالة، أصدق تعبير عن هذا الواقع الذي نعيشه ويتمثل بالمعادلة التالية: نظام منتصر ومجتمع مهزوم.

فمن جهة، لقد نجح النظام السياسي خلال سنوات بتفكيك مبدأ أساسي هو في صلب السياسية وهو مبدأ "المطالبة بالحقوق". في ظل خطاب ذو طابع "وجودي" درج منذ العام 2005 قائم على التخوين والتخويف إما من الخطر الإيراني أو من الخطر السعودي، أصبحت المطالبة بالحق، أي أبسط الحقوق اليومية، ضرباً من الخيال. فأن تطالب بحقك، فأنت تخاطر أو تغامر واستطراداً فأنت مجنون لأن هنالك قناعة مسبقة بأن أحداً لن يتجاوب معك. يهزم المجتمع، إذاً.

ومن جهة أخرى، يظهر النظام مرتاحاً لا يعلن انتصاره فقط على المجتمع بل أيضاً يعلن طلاقه عنه. لم يعد يهمه "رأي الناس". يعتذر من المجتمع لحفظ ماء الوجه فقط. يؤجل جلسة مناقشة أزمة النفايات لأيام. يتركها على الطرقات غير مكترث لصحة الناس. ينتصر النظام، حتماً.

من منا لا يعرف بأن النظام السياسي فاسد، قذر، ووقح؟ هذا جزء من الصورة. أما الجزء الآخر فيتطلب منا أن نقول بأن النظام السياسي حالياً ناصع البياض. يعبّر أصدق تعبير عن واقعه. يحكم من دون مؤسسات رسمية: من دون رئيس، أو مجلس نواب، أو موازنة. أصلاً لطالما كانت هذه المؤسسات صورية. والنخب السياسة هي التي تفاوض على موارد الدولة خارج الاطار المؤسساتي الرسمي. وبالتالي، على عكس ما يظن البعض، فالنظام حالياً ليس في مأزق على الإطلاق. إنه في الواقع مرتاح لدرجة أنه لم يعد يحتاج لتبرير نفسه. لم يعد مضطراً للتخفي وراء المؤسسات الرسمية. والأمر لا يقتصر فقط على عدم حاجته لانتخاب رئيس للجمهورية، إنما تخطاه ليصل الى درجة بأنه لم يعد يعنيه أن ينظف الطرقات.

ربما آن الأوان لكي ننظف أنفسنا من عجزنا قبل التفكير بتنظيف القمامة على الطريق.
 
الصورة من ارشيف المفكرة القانونية تصوير علي رشيد

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية