هكذا فاخر لبنان الرسمي باحترام حقوق الإنسان في جنيف (1): هكذا نكافح الفساد والتعذيب والاتجار بالبشر والتدخل في القضاء


2021-02-18    |   

هكذا فاخر لبنان الرسمي باحترام حقوق الإنسان في جنيف (1):  هكذا نكافح الفساد والتعذيب والاتجار بالبشر والتدخل في القضاء

في سياق الجولة الثالثة ضمن الاستعراض الدوري الشامل لسجل حقوق الانسان، جرت بتاريخ 18/1/2021 مناقشة وضع حقوق الإنسان في لبنان بمشاركة العديد من الدول في الحوار التفاعلي مع الدولة اللبنانية الذي استغرق حوالي 3 ساعات ونصف. 

بعد افتتاح الجلسة، تولّى المندوب الدائم للبنان لدى الأمم المتحدة السفير سليم بدّورة عرض التقرير الوطني ساعيا إلى الإضاءة على ما أسماه “إنجازات” للدولة اللبنانية. وبالإضافة إلى ما ورد في التقرير الوطنيّ المودع قبل جلسة الاستعراض، لجأت الدولة إلى عرض جزءين من الردود المسجلة مسبقاً، والتي تضمّنت مُداخلات من عدّة جهات رسميّة داخلية معنية، عرضت كل منها خلالها جهودها وما اعتبرته تقدّماً في جميع ملفات حقوق الإنسان، وذلك بشكل مفصّل من أجل تقديم “إيضاحات إضافية” حول موضوعات أساسية أثيرت خلال النقاش. وقد تناول الجزء الأول الحقوق المدنية والسياسية، فيما تناول الجزء الثاني الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما ولم تكتفِ الدولة اللبنانية بهذه المداخلات وبالتقرير المقدم، إذ اختتمت جلسة الاستعراض بثلاث مداخلات مباشرة من لبنان مقتضبة قد أثيرت في توصيات صادرة عن دول مختلفة.

وبالطبع، تجاهل خطاب الدولة الانتهاكات الواسعة التي حصلت ولا تزال، والتي تطال جميع حقوق الانسان. وكانت “المفكرة القانونية” قد وثقّتها كلها وأبدت ملاحظاتها حولها في عدة تقارير نشرتها إبّان الاستعراض، خصّص الأول منها للحقوق المدنية والسياسية، والثاني للحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والأخير لحقوق الأشخاص المهمّشين

ويتطلْع هذا التقرير إلى تقديم عرض مفصّل لما جاء في مداخلات إدارات الدولة ومؤسساتها الرسمية المختلفة، لما فيها من أهمية في بعض المعطيات المستعرضة، كما في تبيان خطاب الدولة في معرض تلميع صورتها في ملفات حقوق الإنسان.

وقد تميّز أداء الدولة خلال الاستعراض في جولته الثالثة، بإصرارها على الدفاع عن نفسها والتباهي بما اعتبرته “إنجازات”، كما بعدم تفويت فرصة لتوسُّل المساعدة المالية من المجتمع الدولي أو الجهات المانحة. 

من جهة أخرى، غابت عن أداء الدولة رؤية موحّدة أو توجيهات مبدئية في مجال حماية حقوق الإنسان، وبدا كل جهاز أو وزارة أو إدارة وكأنه يعمل “بالمفرق” بما عكس تفتّت الدولة في مختلف أجهزتها وإداراتها.

أبعد من ذلك، انتقصت أغلب “الاجراءات” المستعرضة للفعالية، حيث اكتفت الدولة في الكثير من الأحيان بالقول أن ثمة اقتراحات قوانين (اقتراح قانون استقلال القضاء؛ إلغاء عقوبة الإعدام؛ تعديل المادتين 7 و8 من قانون العمل الحالي لإخضاع العمال المنزليين بمن فيهم الأجانب له؛ اقتراح لإقرار موازنة مستقلة خاصة للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان) أو استراتيجيات متنوّعة، من دون تقديم أي معلومة أو تفصيل حول مصير هذه الاقتراحات والاستراتيجيات، أو أي التزام حكومي بشأنها. كما لم تعمد حتى إلى الإشارة إلى ضرورة مواءمتها مع تغيّر المعطيات الواقعية، لا سيما استراتيجيات الحقوق الاجتماعية التي لا بدّ من إعادة النظر فيها بعد الانهيار الاقتصادي والجتماعي والمالي المتسارع منذ أكثر من عام.

كما تُرك العديد من المعالجات إلى القضاء (حماية حرّيتي التعبير والتجمّع؛ حقوق المثليين) من دون أن يكون للسلطتين التنفيذية أو التشريعية أي رؤية أو توجه حاسم في هذا الخصوص. 

من جهة أخيرة، أجّلت العديد من المعالجات إلى حين تشكيل حكومة جديدة (التوقيع على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أو ذوي الاحتياجات الإضافية التي كانت أُحيلت إلى مجلس النواب في العام 2007 دون أن يقرّها بفعل عدم اعتراف مكتب المجلس آنذاك بشرعية الحكومة؛ التوقيع على الاتفاقية الدولية للأشخاص المخفيين قسراً؛ الانضمام إلى نظام روما الأساسي؛ تشكيل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد؛ السير بالمناقصة لشراء تجهيزات تسهم في الحدّ من التهريب).

يبقى أن نشير أنه وبتاريخ 22/1/2021، تمّ اعتماد تقرير نتائج استعراض لبنان المعدّ من الترويكا المؤلفة من أندونيسيا، بوليفيا، وبلغاريا أمام مجلس حقوق الإنسان بعد أن تمّ عرضه على المجلس من قبل المندوب الدائم لبلغاريا ممثلاً الترويكا. وقد رحّبت الدولة اللبنانية بالملاحظات والتوصيات التي وردت في بيانات الدول المشاركة، واعدةً بدرسها بعناية فائقة وانفتاح قبل إعطاء موقفها النهائي منها المرتقب في الجلسة العامة الأولى لمجلس حقوق الإنسان المرتقبة في أيار المقبل، والتي يقتضي خلالها اعتماد التقرير النهائي بشأن لبنان. (المحرّر)

 

مكافحة الفساد … بالنصوص فقط

تناولت عدة مداخلات صادرة عن جهات وإدارات مختلفة في الدولة اللبنانية (تحديداً في مداخلات مسجّلة لها عرضت خلال الجلسة) “الإنجازات” التي تم تحقيقها في مجال مكافحة الفساد.

فجاء في مداخلة ممثلة رئاسة مجلس الوزراء آية الزين أن الحكومات اللبنانية المتعاقبة قد تبنّت في بياناتها الوزارية هدف مكافحة الفساد بما لهذه “الآفة” من تأثير على حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكذلك الحق في التنمية. كما واعتبرت أن الأعوام الأخيرة شهدت انعقاد “ورش إصلاحات” تمثلّت في العديد من التشريعات المتعلقة بمكافحة الفساد مثل قانون حماية كاشفي الفساد والحق في الوصول الى المعلومات، ومكافحة الفساد وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وذلك بالإضافة إلى العديد من القرارات الوزارية أهمها: إقرار الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد والتدابير الآنية والفورية لمكافحة الفساد واستعادة الأموال المتأتية عنه، والتدقيق المالي والجنائي. وقد استعرضت أهم الإجراءات والتدابير التي اتخذتها الحكومة وأهم القوانين التي أقرّها مجلس النواب منذ تاريخ تقديم التقرير، بالإضافة إلى تلك التي لم تذكر في التقرير، والتي ينبغي إلقاء الضوء عليها لأهميتها.

  • بالنسبة لتشكيل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والتي نذكّر أن تشكيلها الفعلي لا يزال متأخراً حتى اليوم: أشارت المداخلة أنه تم الدعوة “مبدئياً” بتاريخ 23/1/2021 لانتخاب القاضيين المتقاعدين، على أن ينسحب الأمر على تسمية الأعضاء الآخرين من الجهات التي حددّها القانون بانتظار تشكيل حكومة جديدة لإقرار المرسوم. (وقد تبيّن أن ثمة محاولة جدية في تعديل معايير تعيين نصف أعضاء الهيئة مما يعكس مسعى لوضع معايير جديدة على قياس أشخاص). 
  • بالنسبة للمرسوم التطبيقي لقانون الحق في الوصول إلى المعلومات: أوضحت ممثلة رئاسة الحكومة أنه بتاريخ 27/9/2020 يوم نشر المرسوم ودخوله حيّز التنفيذ، طلبت الأمانة العامة لمجلس الوزراء من الإدارات تكليف الموظفين المتخصّصين بإعطاء المعلومات الخاصة بها وفقاً لنص المرسوم، كما وطلبت من وزارة المالية إصدار القرار المحددّ لقيمة النفقات المتوجبة عن كل طلب وطريقة استيفائها. (ونذكّر هنا أن المديرية العامة لرئاسة الوزراء هي التي كانت عطلت تطبيق هذا القانون بحجة أنه لم يحدد رسم الاستحصال على صورة وأنه يحتاج إلى مراسيم تنفيذية وأنها أرسلت في 16 شباط 2021 ما يفيد أن محاضر مجلس الوزراء كلها سرية وذلك ردّا على طلب معلومات وجهته لها إدارة المناقصات)، 
  • بالنسبة لقانون التصريح عن الذمة المالية والمصالح والإثراء غير المشروع: أكدّت المداخلة أنه بتاريخ 16/11/2020، صدر تعميم عن رئيس مجلس الوزراء للطلب من الوزارات والإدارات العامة إصدار التعاميم المنصوص عنها في القانون بشأن مهل تقديم التصاريح. (ونذكّر هنا أن القانون 212 المتعلّق بتمديد بعض المهل القانونية والذي صادق عليه مجلس النوّاب في 15/1/2021 مدّد مهلة تقديم التصاريح هذه المنصوص عليها في هذا القانون والتي كان من المفترض أن تنتهي في 2/1/2020 حتى 31/3/2021 فضلا عن أن التصاريح كلها تبقى سرية وغير علنية مما يجعل المساءلة أكثر صعوبة). 
  • بالنسبة للنظام الإلزامي لمعاينة ومراقبة الحاويات والمركبات والبضائع في المرافق الحدودية اللبنانية scanner بهدف الحدّ من التهريب: أشارت المداخلة أنه بتاريخ 30/7/2020، صدر المرسوم 6748 حول تلزيم مؤسسة خاصة عن طريق إجراء مناقصة عمومية، مهمة إنشاء وتمويل وتركيب التجهيزات والأنظمة اللازمة لمعاينة ومراقبة الحاويات والمركبات والبضائع في المرافق الحدودية. وأكدّت أنه تم الوصول إلى مرحلة إعداد دفتر شروط المناقصة للسير فيه وفقاً للأصول فور تشكيل الحكومة الجديدة. 
  • بالنسبة للتدقيق المالي والمحاسبي والجنائي: كرّرت المداخلة ما ورد في التقرير الوطني لجهة موافقة مجلس الوزراء بتاريخ 28/7/2020 على توقيع العقود مع شركات Alvarez & Marsal KPMG and Oliver Wyman للقيام بمهام التدقيق المالي والمحاسبي والجنائي وفقاً لرأي هيئة التشريع والاستشارات، وأنه تمّ التوقيع على تلك العقود من قبل وزير المالية. غير أن موضوع التدقيق الجنائي قد اصطدم في شقّ منه بأحكام قانون السرية المصرفية. وأوضحت أنه بتاريخ 21/12/2020 أقرّ مجلس النواب قانون تعليق العمل بتلك الأحكام لمدة سنة واحدة ولغايات هذا التدقيق وكانت “المفكّرة” قد علّقت عليه. كما وقد أشارت أنه أعلن وزير المالية أنه وبعد صدور القانون سيتمّ التواصل مع شركة الفاريز إند مرسيل لمتابعة التدقيق الجنائي.
  • بالنسبة لتحديد منظومة الشراء العام: ذكرت المداخلة أنه في العام 2018 أجرت وزارة المالية مسحاً شاملاً لمنظومة الشراء العام بالتعاون مع 80 جهة وطنية متخصصة وعبر تقنيات أو منهجيات الmaps. وأضافت أنه يجري حالياً العمل على إعداد مشروع قانون “عصري” للشراء العام، منسجم مع المبادئ الدولية، بالتعاون مع متخصصين في السياسات العامة وخبراء قانونيين وممثلين عن القطاع الخاص وعن هيئات المجتمع المدني.

 

وفي السياق نفسه، أشار أحد ممثلي وزارة العدل القاضي أيمن أحمد في مداخلته المسجلة إلى القرار الذي أصدرته وزيرة العدل بتاريخ 9/10/2020 بإنشاء مكتب لتلقي شكاوى المبلّغين عن الفساد، إنفاذاً لأحكام قانون حماية كاشفي الفساد.

وعلى صعيد مكافحة الفساد في مجال حماية المستهلك، أكدّت ممثلة وزارة الاقتصاد والتجارة د. منال سويد في مداخلتها المسجلة على أن الوزارة تعي لمسؤولياتها في مواجهة عدم الاستقرار وارتفاع الأسعار والأزمة الحادة التي يعاني منها الاقتصاد، خاصةً بعد كارثة انفجار كرفأ بيروت في 4 آب 2020. وقد اتخذت الوزارة الإجراءات الفورية ضمن الإمكانيات المتوفرة. 

كذلك، أشارت المداخلة إلى إطلاق الوزارة الشبّاك الموّحد للمعاملات الإدارية الذي يكفل المزيد من الشفافية والتطوير في مجال إدارة شؤون المواطنين. كما يؤمن القاعدة الأساسية لمشروع أوسع وهو شباك موحّد إلكتروني لخدمة جميع المواطنين. وقد أطلقت الوزارة التطبيق الإلكتروني لخدمة حماية المستهلك لتقديم الشكاوى بغلاء الأسعار والاحتكار التقليديّ والتزوير وتتبّعها إلكترونياً، كما وأحالت الوزارة بتاريخ 8/9/2020 إلى رئاسة مجلس الوزراء سلة من مشاريع القوانين أهمها مشروع قانون المنافسة – وكانت “المفكّرة” قد قدّمت أبرز ملاحظاتها عليه – لتأمين حقوق ورفاهية المستهلك، وتعديل قانون حماية المستهلك لاستهداف نظام الغرامات المالية دون اللجوء إلى القضاء.

وبحسب ما جاء في المداخلة أيضاً، أنه وبهدف تعزيز النمو الشامل والعادل للمواطنين وبناء اقتصاد منتج ومستدام، وضعت الوزارة “الخطة الاقتصادية لنهوض لبنان الاقتصادي”، وهي تركز على تحفيز الإنتاج والصادرات وتطوير المنصات التجارة الإلكترونية.

وبالإضافة إلى ذلك، ووفقاً للصلاحيات التي أعطيت لها بمرسوم بإنشائها، أكدّ ممثّل المديرية العامة لأمن الدولة الرائد عماد سلوم، على مساهمة المديرية في مجال مكافحة الفساد والحفاظ على الأمن الاجتماعي، من خلال تنظيم المحاضر العدلية والمخابرة للنيابة العامة ذات الصلاحية أو إحالتها إلى المراجع المختصة. وأشار إلى ضبط أكثر من 50 عملية تزوير مستندات وعملة وشيكات، وتوقيف أكثر من 50 شخصاً لمخالفتهم قانون الصيرفة وبيع العملة خلال العام المنصرم. كما وأكّد على قيام المديرية بمؤازرة مختلف الوزارات وخاصةً وزارة الاقتصاد والتجارة لقمع المخالفات والتجاوزات المتصلة بالهدر والفساد والاحتكار في مختلف القطاعات التي تمسّ بالأمن الاجتماعي والمعيشي للمواطنين. حيث أنه قد تمّ فتح أكثر من 40 محضر تحقيق في مختلف القطاعات وتنفيذ 645 دورية مؤازرة لوزارات على مختلف القطاعات خلال العام المنصرم. بالإضافة إلى ذلك، تقوم المديرية بمؤازرة مفتشي التفتيش المركزي خلال قيامهم بعملهم الرقابي في إدارات الدولة على كافة الأراضي اللبنانية. وأشار إلى أنه قد تمّ ضبط 12 مخالفة في العام المنصرم، تتنوع من هدر في البلديات إلى بيع طوابع ورشاوى وتزوير مستندات في الدوائر العقارية وإخفاء مستندات رسمية.

 

استقلالية القضاء: الإحالة إلى “اقتراح قانون استقلال القضاء” من دون الإلتزام بالمعايير

شددّ ممثل وزارة العدل القاضي أيمن أحمد في مداخلته على مدى أهمية موضوع استقلالية القضاء بالنسبة لوزارة العدل التي تعتبر أنه يشكّل “أولوية قصوى” لديها. وقد أشار إلى أنه يتمّ حالياً مناقشة اقتراح قانون استقلالية السلطة القضائية (وكانت “المفكّرة” قد أعدّت مسودته) داخل اللجنة الفرعية المنبثقة عن لجنة الإدارة والعدل النيابية بحضور الوزيرة شخصياً وممثل عن مجلس القضاء الأعلى وعن نقابتي المحامين. كما وأكدّ أنه من المتوقع أن يساهم إقرار هذا القانون في تكريس وتعزيز استقلالية السلطة القضائية، ومنع جميع أشكال التدخل في عملها. غير أنه لم يرد في أي مكان التزام باحترام معايير استقلالية القضاء أثناء دراسة الاقتراح ضمن اللجان، مع العلم أن ذلك يحصل بعيداً عن أعين المواطنين والجمعيات المختصّة في المجتمع المدني، بشكل سرّي ويفتقد للشفافية حيث أن النقاش في اللجان النيابية لا يزال سرياً بحسب النظام الداخلي لمجلس النوّاب. 

 

مناهضة التعذيب: الاهتمام “الجدي” بشكاوى التعذيب

ورد عن مختلف الجهات، بالأخص الأمنية منها، مداخلات في ما يتعلق بالإجراءات المتخذة في مكافحة التعذيب، سواءً في الردود المسجلة للدولة أو في الردود المباشرة في ختام جلسة الاستعراض. وقد بدا كأنها ثمة سباقا بين الأجهزة الأمنية لإثبات التزامها بمكافحة التعذيب وذلك على نحو يناقض تماما الواقع، حيث سجلت قضايا تعذيب في الفترة الماضية في جميع هذه الأجهزة من دون أن يلقى أي منها مساءلة. نكتفي هنا بالإحالة إلى قضية زياد عيتاني أو قضايا متظاهري 17 تشرين أو معتقلي الاحتجاجات الأخيرة في طرابلس حيث سجلت نقابة المحامين في طرابلس حصول تعذيب وإخفاء قسري.  

فشددّ ممثل وزارة العدل القاضي أيمن أحمد في مداخلتيْه المسجلة والمباشرة في ختام الاستعراض، على أن القضاء العدلي يُعدّ حامي الحريات الفردية من أي تعدٍّ أو اختراق للحقوق. فقد كان ولا يزال يواكب جميع القضايا المتعلقة بالتعذيب إن لناحية الادعاء على مرتكبي جرم التعذيب، أو لناحية إبطال أو إهمال كل اعتراف تمّ انتزاعه تحت وطأة الاكراه والتعذيب. وكما أشار إلى أنه يجري مؤخراً إدخال تعديلات على القانون الحالي رقم 65/2017 داخل لجان المجلس النيابي بحضور ممثلين عن الوزارات المعنية وممثلين عن المجتمع المدني (وقد وضعت “المفكّرة” تعليقاتها عليه)، وأنه من المتوقع أن يؤدي إقرارها إلى تطابق أحكام القانون بمعظم بنوده مع اتفاقية مناهضة التعذيب بشكل كليّ وأبرزها تعزيز الضمانات الممنوحة للموقوفين، ومنع أي وجه من أوجه التعذيب المادي والمعنوي، وتشديد العقوبة بحق المرتكبين، دون تقديم أي تبرير لجهة عدم المصادقة على الاتفاقية المذكورة. أما في ما خص تفعيل عمل آلية الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، أكدّت المداخلة على أنه يتم حالياً مناقشة اقتراح قانون يتعلق بإقرار موازنة مستقلة خاصة لتلك الهيئة، داخل لجنة حقوق الإنسان النيابية، تمهيداً لمباشرتها العمل بصورة فعلية، بعد أن تم الاستماع داخل اللجنة إلى ملاحظات الهيئة والتحديات التي تواجهها. ومن المتوقع أن يتمّ إقرار هذا القانون “بالقريب العاجل”.

بالإضافة إلى ذلك، وفي ما يتعلق بتنفيذ قانون التعذيب والإجراءات المتّخذة من قبل المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي في سبيل ذلك، أكدّ الرائد ربيع الغصيني ممثل المديرية في مداخلته، على أن قوى الأمن الداخلي كانت قد تبنّت ضمن المنظومة القانونية اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، حتى قبل صدور قانون التعذيب رقم 65/2017. كما أشار إلى أنه قد تمّ تطوير عمل قسم حقوق الإنسان في رصد انتهاكات حقوق الانسان ومراقبتها، بالإضافة إلى تنظيم تقارير بشأنها إلى وزارة الداخلية، وتدريب عناصر القسم وتجهيزهم وتمكينهم من تلقي الشكاوى، وتفعيل آلية شكاوى في سجن رومية. كما تمّت زيادة عديد لجنة مناهضة التعذيب وخبراءها والأطباء فيها، بالإضافة إلى تكثيف زياراتها وتدريبها.

وفي السياق نفسه، جاء في مداخلة ممثل المديرية العامة لأمن الدولة الرائد عماد سلوم، أنه بتاريخ 23/10/2018 أُنشئ قسم القانون الدولي وحقوق الإنسان لدى المديرية العامة لأمن الدولة، حيث كُلّف بمهام تعزيز وحماية حقوق الإنسان وحقوق المشتبه بهم والموقوفين، وتأمين الرعاية الصحية لهم وفقاً للقوانين الوطنية المرعية الإجراء والمعاهدات والمواثيق الدولية التي انضم إليها لبنان، وبالتنسيق مع المؤسسات المحلية والدولية العاملة في لبنان ضمن مجال حقوق الإنسان كاللجنة الدولية للصليب الأحمر ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة وهيئات المجتمع المدني ومنها shield and restart. وأوضح سلوم أنه من خلال القسم المذكور، تم تعديل التعليمات الداخلية في المديرية العامة لأمن الدولة الخاصة بغرف النظارات، بالاستناد إلى قواعد الأمم المتحدة النموذجية في معاملة السجناء. كما وقد وضعت لوائح بحقوق الموقوفين داخل النظارات، إضافةً إلى صناديق الشكاوى التي تمّ ربطها مباشرةً بقسم القانون الدولي وحقوق الانسان. ويعمم القسم بشكل مستمر التعليمات والقوانين المتعلقة بحقوق الإنسان والموقوفين كالمادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، والقانون 62 المتعلق بالهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب والقانون 65 لمعاقبة التعذيب، والتشديد على التقيّد به. ومن جهة أخرى، أشارت المداخلة إلى تكثيف التدريبات على حقوق الإنسان، وتنظيم المديرية العامة لأمن الدولة دورات لعناصرها الذين يقومون بمهام الضباط العدليين ومساعدي النيابة العامة، لتدريبهم على التحقيق وعلى حقوق الإنسان وكيفية التعاطي مع الموقوفين. وقد عملت المديرية العامة على إدراج مادتي القانون الدولي وحقوق الإنسان في جميع برامج التدريب التي يخضع لها ضباطها وعناصرها. بالإضافة إلى ذلك، تتعاون المديرية العامة مع مركز restart لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب، وذلك لإصدار مدونة لقواعد سلوك خاصة بعناصر المديرية العامة لأمن الدولة.

إلى ذلك، جاء في مداخلة ممثّل وزارة الدفاع الوطني العقيد نبيل الدندشلي، أن الجيش ينظمّ تدريبات دورية حول تطبيق القانون 65 المتعلق بتجريم التعذيب وقد أصدر تعليمات لاتخاذ إجراءات صارمة لمن يخالف مضمونه. وأوضحت المداخلة أنه وبعد انطلاق حراك 17 تشرين، وبعد أن كان قد تقدم عدد من المحامين بإخبار حول مزاعم بالتعذيب، أحالت النيابة العامة العسكرية الموضوع إلى الضابطة العدلية التي نظّمت محاضر بالموضوع، فتم استدعاء المدعين إلى مديرية المخابرات بغية الاستماع إلى أقوالهم بناء لإشارة النيابة العامة، إلا أنهم قد اعتذروا عن الحضور. وبعد مراجعة النيابة العامة العسكرية، أشارت بختم التحقيقات وإيداعها إياها.

 

السجون في لبنان ومعاملة السجناء “مطابقة” للمعايير الدولية

تناولت عدة مداخلات مسألة السجون، والإجراءات المتخذة لجهة اكتظاظ السجون في ظل جائحة كورونا. 

وقد جاء في مداخلة ممثل وزارة العدل القاضي أيمن أحمد أنه سنداً لتوصيات منظمة الصحة العالمية ومكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الانسان، بلورت وزارة العدل خطة للسعي إلى الحدّ بقدر الإمكان من الاكتظاظ في السجون وأماكن التوقيف أبرز مندرجاتها ضرورة الحفاظ على التوازن بين ضمانات السلامة العامة، العدالة، أمن المجتمع، وحقوق الضحية؛ والسعي إلى إطلاق سراح أكبر عدد ممكن من السجناء ضمن فئات محددة في متن الخطة.

وأكدّ ممثل المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي الرائد ربيع الغصيني في مداخلته على استجابة وزارة الداخلية والبلديات بإيجابية لعدد كبير من التوصيات التي قدمت في الجولة السابقة للاستعراض (2015)، وأنها قد جابهت بشكل متزامن تحدّيات عدّة خلال هذه الفترة، أبرزها على مستوى السجون ومحاربة الإرهاب. وقد انعكست هذه الإيجابية بتطور في أداء القوى الأمنية لناحية الكفاءة والامكانيات والقدرات واحترام وتثبيت حقوق الانسان. ولذلك تبنّت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي خطة استراتيجية شاملة بهدف تطوير الخدمة والأداء والكفاءة، ولعلّ أبرز عنوانيها كان “بناء الثقة والشراكة مع المجتمع”. كما أنه تمّ تطوير برنامج تصنيف للسجون، انطلاقاً من سجن رومية المركزي، لتحقيق الجودة والأداء والكفاءة والمأسسة في عمل إدارة السجون. وقد أشارت المداخلة أخيراً إلى أن مديرية قوى الأمن الداخلي قد قامت منذ اللحظة الأولى لانتشار جائحة كورونا بالانفتاح على جميع المنظمات والمؤسسات العلمية داخل أماكن التوقيف والسجون، واتبعت في ذلك المعايير الدولية وتابعت الحماية الصحية والنفسية للسجناء ونشر بيانات بأعداد الإصابات وحالات الشفاء بشكل يومي عبر الموقع الالكتروني للمديرية.

من جهته، أوضح ممثل المديرية العامة للأمن العام المقدم طلال يوسف أن المديرية لا تقوم بإدارة السجون، وإنما تدير مراكز توقيف مؤقتة للعمال المهاجرين الأجانب، حيث تمّ استحداث مركز توقيف مؤقت يراعي المعايير الدولية لحماية حقوق الانسان، وتقدّم فيه جميع الخدمات الأساسية التي تحفظ كرامة “النزلاء” وحقوق الإنسان، بالإضافة إلى خدمات المساعدة القانونية والترجمة الفورية وغيرها. كما أنه تمّ تجهيز غرف عزل في مركز التوقيف الرئيسي لمرضى كورونا حيث يتم تطبيق الإجراءات الصحية المعتمدة من منظمة الصحة العالمية. كما تتعاون هذه المديرية مع منظمات دولية وجمعيات من المجتمع المدني لمتابعة أوضاع النزلاء وتقديم الخدمات لهم.

إلى ذلك، جاء في مداخلة ممثّل وزارة الدفاع الوطني العقيد نبيل الدندشلي، أن الجيش يدير أماكن الاحتجاز المذكورة في مرسوم النظام الداخلي للسجون التابعة لوزارة الدفاع الوطني، وهي مفتوحة لزيارات الهيئات الدولية والوطنية المختصة. كما أكدّت المداخلة على أنه يحق للنيابات العامة وقضاة التحقيق العسكري مراقبة وتفتيش سجون الجيش، كما وأن للسجناء تقديم الشكاوى خلال هذه الزيارة. وأوضحت المداخلة أنه تمّ التشديد مع انطلاق حراك 17 تشرين على وجوب السماح للموقوف بالاتصال بأحد ذويه أو محامٍ أو أحد معارفه لدى احتجازه. 

بالمقابل، سجّلت “المفكرة القانونية” كيف فشلت السلطة السياسية في تقديم أيّ حلّ لتخفيف اكتظاظ السجون للتصدي للجائحة، وذلك بعدما استغلّ البعض الجائحة لتمرير قانون عفو عام ذات طابع سياسي اصطدم برفض الأطراف الأخرى. كما سجلت سوء إدارة الأزمة الصحية داخل السجون من خلال شهادات من داخلها.  

 

الحق في الحياة والحرية والأمن الشخصي: “الجيش لم يستخدم صلاحياته في تقييد الحريات رغم إعلان حالة الطوارئ”

تناولت عدة مداخلات مسألة مكافحة الاتجار بالبشر، وعقوبة الإعدام، وتداعيات مجزرة مرفأ بيروت.

لجهة مكافحة الاتجار بالبشر، أشارت ممثلة وزيرة العدل القاضية أنجيلا داغر في مداخلتها، أن الوزارة قد تقدمت بمشروع قانون لتعديل القانون 164/2011 الخاص بتجريم الاتجار بالبشر، للمعاقبة عليه بموجب قانون خاص ومستقلّ، وذلك تماشياً مع التشريع الدولي والقانون المقارن، وضمانةً لحماية أفضل للضحايا وملاحقة فعّالة للضالعين في هذه الجرائم، وتفعيلاً للتعاون الدولي في هذا المجال، إضافةً إلى إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر. ومن أهم أهداف هذا المشروع بحسب المداخلة: منع جريمة الاتجار بالأشخاص ومكافحتها؛ وحماية ضحايا الاتجار وإيجاد آلية للحماية وإجراءات تضمن حصولهم على حقوقهم الإنسانية والمساعدة اللازمة؛ وضمان معاقبة فعّالة للمتاجرين؛ وتعزيز التعاون على الصعيدين الدولي والوطني لتحقيق هذه الأهداف عبر إنشاء هيئة وطنية لمكافحة الاتجار بالبشر.

من جهتها، وعلى صعيد تنفيذ قانون الاتجار بالبشر، أشارت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي في مداخلتها، إلى دليل التعامل مع ضحايا هذه الجريمة الذي أصدرته المديرية العامة بالشراكة مع نقابة المحامين ومنظمة الهجرة العالمية وغيرها من المنظمات. 

وكانت “المفكرة القانونية” وثقت كيفية ملاحقة جرائم الاتجار بالبشر وأثبتت غيابا شبه كلي لتطبيق هذا القانون على حالات العمل القسري، وتاليا في حالات العمال والعاملات المهاجرين والذين يخضعون كلهم لنظام الكفالة. 

أما في ما يتعلق بعقوبة الإعدام، أكدّت مداخلة ممثلة وزارة العدل نفسها على أن لبنان يشهد عدة محاولات لإلغاء عقوبة الإعدام، حيث يوجد منذ العام 2004 اقتراح قانون يرمي إلى إلغاء هذه العقوبة واستبدالها بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، ومشروع قانون مماثل مقدّم من وزارة العدل في العام 2008. واللافت في الأمر، اكتفاء الدولة اللبنانية بهذه المحاولات التي باءت بالفشل كإشارة على تقدّمها في هذا المضمار.  

بالإضافة إلى ذلك، تناولت مداخلة ممثّل وزارة الدفاع الوطني العقيد نبيل دندشلي مسألة إدارة حالة الطوارئ بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت. وقد أوضحت المداخلة أن إعلان حالة الطوارئ يأتي عن تعرّض البلاد لخطر داهم ناتج عن حرب خارجية، أو قوى مسلحة، أو أعمال واضطرابات تهددّ النظام العام والامن، أو عند وقوع أحداث تأخذ طابع الكارثة. وقد أكدّ ممثل وزارة الدفاع أنه وبالرغم من أن المرسوم يترك لقيادة الجيش تقدير الإجراءات الواجبة لتنفيذ المهمة المنوطة بها، إلا أنها لم تقّيد أيا من الحقوق التي تشكل نواة لحقوق الانسان. ونذكّر هنا بأن “المفكّرة” كان سبق وبيّنت أن إعلان حالة الطوارئ العسكرية غير ضرورية للتصدي للكوارث، حيث أن أنظمة مدنية كفيلة بذلك تحديداً التعبئة العامة. 

وبالإضافة إلى ذلك، أكّدت المداخلة على إطلاق الجيش غرفة طوارئ متقدمة لمتابعة الأوضاع الإنسانية والأمنية والإنمائية في المنطقة المنكوبة في بيروت، وهي تضم ممثلين عن الوزارات المعنية برئاسة ضابط من الجيش. وقد تولت الغرفة المهمات الإنسانية والإنقاذية بالتعاون مع المنظمات الدولية وهيئات المجتمع المدني، ووضعت أرقام هاتف للمراجعات. بالإضافة إلى ذلك، أفادت المداخلة أن الجيش عمل على إزالة الركام في بقعة الانفجار وساهم في إعادة تشغيل المرفأ بسرعة قياسية وحماية الممتلكات وأنجز مسحاً شاملاً للأضرار بمعايير موحدة، وأوصل المساعدات النقدية للمتضررين، وتولى استلام المساعدات الطبية والإنسانية، ووزّعها استناداً للوائح وزارة الصحة العامة والمنظمات الإنسانية بشفافية، وأعلن للعامة عن وصول المساعدات وعن كيفية توزيعها بالتفصيل. 

وقد بدت المداخلة أشبه بإشادة بدور الجيش لعدم المس بالحريات رغم أنه كان قادرا على ذلك أو أيضا بدوره الإنقاذي، فإن الخطاب الرسمي كان في حقيقته يقدم الإثبات على تفتت الدولة وتوسيع صلاحيات الجيش على حساب العديد من الإدارات الرسمية والتي كان يقتضي أن تدير العمليات وأن تستعين بالجيش في حال حاجتها لذلك. كما من اللافت تجاهل المداخلة للفوضى الواسعة التي اعترت المشهد في أول أيام تلت الكارثة، حيث ترك المجتمع يواجه بنفسه آثارها، حيث تم إزالة الركام – وفي أغلب الأحيان في ظروف غير آمنة – في كل المناطق المتضررة من الانفجار بمبادرة عفوية تضامنية ولافتة من المواطنين والسكّان وجمعيات المجتمع الأهلي، كما تركت الأخيرة لتحمّل الجزء الأكبر من جهود إعادة الإعمار، وأن مشوبات متعدّدة تعتري عملية دفع التعويضات للمتضررين، والشفافية حول المعايير المعتمدة. وكل ذلك موضع توثيق جار من قبل “المفكّرة” مع منظمات وجهات شريكة، نفيد القارئ بنتائجه فور توفّرها.  

ولم تكتفِ الدولة اللبنانية بالردود المسّجلة الواردة أعلاه، إذ استدعت التوصيات العديدة المقدّمة من الدول الأعضاء بشأن ضرورة انضمام لبنان إلى الاتفاقيات الدولية في مجال حماية الحق في الحياة والحرية والأمن الشخصي، مداخلة مباشرة من قبل ممثلة رئاسة مجلس الوزراء في ختام جلسة الاستعراض، من أجل تبرير موقفها. وأوضحت الأخيرة بالنسبة لمسألة الانضمام إلى نظام روما الأساسي، أن تقدير هذا الأمر يعود إلى السلطات السياسية الدستورية علماً أن لبنان انضم إلى 10 اتفاقيات دولية لمكافحة الإرهاب وهو بصدد استكمال إجراءات الانضمام إلى الاتفاقيات المتبقية. أما، بالنسبة إلى اتفاقية الدولية للأشخاص المخفيين قسراً، فأكدّت المداخلة على أنه يستمدّ قانون المفقودين والمخفيين قسراً الصادر في العام 2018 معظم أحكامه من بنود هذه الاتفاقية، مع العلم أن الدولة اللبنانية بصدد معالجة مسألة الانضمام من خلال طلب من وزارة الخارجية والمغتربين في هذا الصدد فور تشكيل الحكومة الجديدة.

 

حرية الرأي والتعبير والاعتقاد: استخدام مفرط للقوة يبرّره تحقيق التوازن بين الحق في التظاهر وحفظ الأمن 

حاولت عدة مداخلات، بالأخص من قبل الجهات الأمنية، تبرير الاجراءات المتّخذة والماسّة بحرية الرأي والتعبير.

فعلى صعيد التحقيق في الادعاءات المتعلقة بالاستخدام المفرط للقوة بحق المحتجين والصحافيين، اكتفت ممثلة وزارة العدل في مداخلتها المسجلة بالإشارة إلى أنه عملاً بنص المادة 14 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، طلبت وزيرة العدل من النائب العام التمييزي التحرّك وإجراء التعقبات في الحالات التي “قيل” أنه جرى استخدام قوة فيها بحق المحتجين أو الصحافيين، دون إعطاء أية معلومات مستجدّة بهذا الشأن. ونذكّر هنا بتوثيق “المفكّرة” لهذه الاعتداءات وللاستخدام المفرط للقوة. 

 

كما وقد جاء في مداخلة ممثل وزارة الدفاع الوطني توضيحات في ما يخصّ مواكبة الحراك الشعبي (الذي انطلق في 17 تشرين 2019). فاعتبرت المداخلة أنه ومنذ العام 1991 كلّف مجلس الوزراء الجيش حفظ الأمن وفرض سلطة الدولة على كافة الأراضي اللبنانية، ومؤزارة قوى الأمن الداخلي في مهامها ومنها التعامل مع التجمعات والتظاهرات. كما أكدّ على التزام الجيش بأحكام الدستور وحرية التظاهر والتعبير والاتفاقيات الدولية. وأوضح أنه خلال مواكبته للحراك الشعبي، سعى الجيش باستمرار إلى تحقيق التوازن بين حق المواطنين في التظاهر والتجمع السلمي وحقوق سائر المواطنين، كما وأنه حمى المتظاهرين بالرغم من الاعتداءات التي تعرّض لها والتي أدّت إلى إصابة عدد من عسكرييه بجروح مختلفة. وشدّد على عدم لجوء الجيش إلى العنف “إلا في الحالات التي كان فيها بعض المتظاهرين يقومون بأعمال عنف، وذلك بعد التواصل معهم وإنذارهم بضرورة سلمية التحرّك”. كما وأكدّ على أنه لم يعتقل الجيش المتظاهرين الذين كانوا يعّبرون عن رأيهم بسلمية، إنما “اعتقل من قام منهم بأعمال شغب وعنف على المدنيين والعسكريين”. وبالإضافة إلى ذلك، شددّ على إخضاع الجيش في استخدامه القوة لمبدأ التدرج الوارد في مدونة قواعد السلوك حول استخدام القوة والأسلحة النارية خلال عمليات انفاذ القانون، وطبقّها للحدّ من الإصابات. كما وأكدّ على حرص الجيش على عدم تقييد الحريات الإعلامية، مشيراً إلى أنه تمكنّ معظم المتظاهرين من رصد وتصوير مجريات الحراك الشعبي حتى خلال عمليات تفريق المشاغبين. وأضاف أنه استمر التواصل بين الجيش ومنظمات حقوق الإنسان لتسهيل مهامها. كما أكدّت المداخلة نفسها على أن الجيش قد اتخذ عدداً من الإجراءات التأديبية بحق من خالف التعليمات وتجاوز في استخدام القوة. وقد تم إحالة عدد من العسكريين إلى المحاكمة ومعاقبة 10 منهم تأديبياً و2 جزائياً، بعد التحقيقات الداخلية.

ويبقى الواقع مغايراً لهذه الادعاءات والشروحات حيث وقعت عدة انتهاكات بحق المتظاهرين والصحافيين، نتج عنها إصابات بليغة ووفيات. وسبق “للمفكرة” أن وثّقت تلك الاعتداءات. كما نحيل القارئ إلى التقرير حول واقع الحقوق المدنيّة والسياسية الذي نشرته “للمفكرة” إبان الاستعراض.  

 

وفي السياق نفسه، تباهت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بإنجازاتها في عملية حفظ الأمن والنظام خلال التظاهرات. وقد شددّ ممثل المديرية على التزام قوى الأمن الداخلي بحماية حقوق التعبير والرأي والتجمع وحماية المتظاهرين في جميع الحالات، متجاهلاً أيضاً الاعتداءات والانتهاكات الخطيرة التي سبق وأشرنا إليها. كما وأكدّ أن قوى الأمن الداخلي كانت “سبّاقة” في تبني دليل عملية حفظ الأمن والنظام وإعداد مبادئ توجيهية لعمل ضبّاطها وعناصرها أثناء الاحتجاجات. وقد تمّ تطوير دليل لقطاعات القوى السيّارة.

 

ولم تكتفِ الدولة اللبنانية بالتبريرات التي أوردتها في الردود المسجلة والمذكورة أعلاه، وإنما عادت وقدمت توضيحات “إضافية” عبر مداخلة مباشرة في ختام الجلسة، محاولةً منها التنصّل من الانتهاكات الفادحة المرتكبة، بعد أن ورد عدد كبير ولافت من التوصيات في هذا المجال. فأشارت ممثلة وزارة العدل، من باب التذكير، إلى البند (ج) في مقدمة الدستور اللبناني يؤكد على احترام لبنان للحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وأيضاً على المادة 8 منه التي تؤكد على أن الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون. كما وشدّدت على دور القضاء الذي يشكل الضمانة الأساسية الممنوحة للمواطنين وذلك عند اللجوء اليه، مؤكدةً على أنه يتحرك عفواً لدى ورود إخبارات إليه تتعلق بأعمال قمع أو استعمال مفرط للقوة بحق المحتجين أو بناءً على شكوى من قبل هؤلاء المتضررين. وأضافت أن القضاء يحقق في “أعمال التعدي على الأملاك العامة والخاصة”. 

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، احتجاز وتعذيب ، استقلال القضاء ، البرلمان ، الحق في الخصوصية ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، حريات ، حرية التعبير ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، محاكم جزائية ، محاكمة عادلة وتعذيب ، منظمات دولية



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *