هذه العلبة التي فتحتْها “جنوب أفريقيا”


2024-01-17    |   

هذه العلبة التي فتحتْها “جنوب أفريقيا”

نجحتْ جنوب أفريقيا في صنْع الحدث الدوليّ في أواخر الأسبوع الماضي. الحدث تمثّل في بدء المرافعات في القضيّة التي قدّمتها ضدّ إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية على خلفيّة ما اعتبرته انتهاكا لاتفاقية حظر الإبادة الجماعية. وفيما عملتْ وسائل الإعلام الكبرى في الشّمال السياسي على حجْب مضمون الدعوى أو التقليل من شأنها، إلا أنه من البيّن أنّها اضطرّت إلى التعامل مع هذا الحدث الهائل في أبعاده، أقلّه من خلال التعليق عليه أو تغطية دفاع دولة إسرائيل التي مثلت للمرة الأولى في موقع الاتهام بارتكاب جريمة تعدّ الأخطر على سلمّ جرائم القانون الدولي الإنساني. في هذا المقال، سأتناول الأبعاد المختلفة التي ترشح عنها هذه الدعوى، والتي تحوّلت بمثابة أداةٍ لتذكّر عدد كبير من الإبادات المغيّبة أو المنسيّة. 

البعد الأول: جريمة الإبادة الجماعية تعني البشريّة جمعاء

أول الأبعاد التي نستشفّها من هذه الدعوى يتأتّى من تقديمها من دولة لا تستهدفها الإبادة مباشرة. بمعنى أنّ جريمة الإبادة الجماعيّة كما سائر الجرائم ضدّ الإنسانيّة المرتكبة في غزّة جرائم لا تعني فقط الدولة المعنيّة بها، إنما تعني الإنسانيّة جمعاء. وهذا ما شدّدت عليه جنوب أفريقيا في مرافعات محاميّها، حيث اعتبرتْ أن مصلحتها في اللجوء إلى المحكمة الدولية لا تتأتّى فقط من مصلحتها كطرف في اتفاقية حظر الإبادة الجماعية، ولكن أيضا من وجود مصلحة مُشتركة common interest لدول العالم في تطبيق هذه الاتفاقية، وهي المصلحة التي كانت أقرّتها محكمة العدل الدولية في قضية غامبيا ضد ميانمار. ومن شأن إبراز هذه المصلحة أن يُعيد الاعتبار لأصول القانون الدولي الإنساني التي تقوم على تسليم دول العالم بوجود قيم مشتركة (إنسانيّة) تعلو من حيث قيمتها القانونيّة أيّ مصلحة ذاتيّة أو سياسيّة، ويكون تاليا من مصلحة جميع الدول العمل على التصدّي للمسّ بها. وهذا ما ذكّرت به جنوب أفريقيا في مرافعتها مرارا حيث اعتبرتْ أن لا شيء يبرّر الإبادة الجماعية أيا كان حجم الخطر الذي تواجهه إسرائيل وأن عليها (أي جنوب أفريقيا) كما على سائر دول العالم التعاون من أجل الدفاع عن هذه القيم وعمليا نصرة الضحايا الذين تنتهك حقوقهم الإنسانيّة فلا يتمّ الاستفراد بأيّ شعبٍ أو استضعافِه وصولا إلى إبادته. وقد تبدّى هذا البعد بوضوح كلّي في استشعار عشرات الدّول في العالم ضرورة اتخاذ موقف في تأييد هذه الدعوى وعمليّا بعدم جواز بقائهم على الحياد.    

البعد الثاني: مسعى لإعادة الاعتبار لمرجعية القانون الدولي

البعد الثاني يتمثّل في الجهد الذي بذلته جنوب أفريقيا لإعادة الاعتبار لمرجعيّة القانون الدولي، في ظلّ التّشكيك في قدرة المؤسسات الأمميّة في وضع حدّ للجنون التدميريّ الذي اعتمدتْه إسرائيل في حربها ضد غزّة كما لقرون من الانتهاكات المرتكبة منها. وقد بدا عجز القانون الدوليّ واضحا ليس فقط في تحوّل مجلس الأمن إلى أداةٍ لغضّ الطرف عن الجريمة أو تمييع  المسؤوليات عنها بفعل الفيتوات أو التلويح بها، ولكن أيضا في تقاعس النائب العامّ لدى المحكمة الجزائيّة الدوليّة كريم خان عن اتّخاذ أيّ موقف ضدّ إسرائيل رغم بدء التحقيق في جرائمها منذ سنوات عدّة. 

وبالطبع، ليس مضمونا أن تنجح المحكمة الدوليّة في إصدار قرار بوقف الإبادة حيث فشلتْ سائر مؤسسات الأمم المتحدة بفعل ثقل وزن الدول الكبرى في عضويّتها ولا في وضع قرارها موضع التنفيذ في حال صدوره. لكن، ورغم ذلك، يبقى أن جنوب أفريقيا أنجزتْ حتى الآن أمورا عدّة تسهم كلها في إعادة الاعتبار لمرجعية القانون الدولي. فهي نجحتْ أوّلا في توجيه اتهامها إلى إسرائيل بخرق اتفاقية حظر الإبادة من على منبر المحكمة الدولية، في مرافعة قد تكون حتى اليوم المرافعة الأهمّ والأكثر انتشارا في تاريخ هذه المحكمة. كما نجحتْ في إرغام إسرائيل على المثول أمام المحكمة لمناقشة الاتهامات الموجّهة إليها بعدما وضعتها جنوب أفريقيا أمام مرآة ضخمة جدا انعكست صورها في العالم أجمع. ولا نستبعد أن تكون الدعوى قد أدّت بحدّ ذاتها (أقلّه إلى حين) وقبيل صدور أي قرار في دفع إسرائيل إلى لجم خطاب مسؤوليها في تمجيد الإبادة كما في لجم أفعالها الإبادية خوفا من انعكاساتها السلبية على توجّه قضاة المحكمة. كما نجحتْ جنوب أفريقيا في وضع دول العالم أمام موجباتها في التعاون لوضع حدّ للإبادة، الأمر الذي أرغم العديد منها على الخروج عن صمتها وحيادها في هذا الخصوص. وإذ منحت جنوب أفريقيا من خلال دعواها هذه الأمم المتحدة ممثلة بالمحكمة الدولية فرصة جديدة لإثبات قدرتها في إنفاذ القانون الدولي أمام أنظار العالم، وبخاصة دول الجنوب وشعوبها، فإن محاميّها وضعوا هذه المحكمة في الوقت نفسه أمام الامتحان، امتحان استقلاليتها ونزاهتها وعدالتها، بعبارات لا تخفي معناها وإن أتت مغلّفة بكثير من اللياقة. إذ ليس للمحكمة وفق ما جاء في مرافعة هؤلاء أن تصمت ولا أن تدير ظهرها، بل عليها أن تبادر إلى اتّخاذ قرارات استعجالية ضمن أقصر المهل إثباتا لمصداقيتها طالما أن من شأن أيّ تقاعس أو تأخّر من قبلها أن يفتح الطريق أمام مزيد من الجرائم، وضمنا أن يجعلها أي المحكمة بحكم المسؤولة عنها. بمعنى أن جنوب أفريقيا اعتبرت أنّ سقوط أي دولة أو مؤسسة في امتحان القانون الدولي الإنساني يؤدي إلى سقوطها وحدها من دون أن يعني ذلك سقوط القانون، بل على العكس من ذلك، يكون من واجبها كما من واجب دول العالم في هذه الحالة التمسّك به وبمرجعيّته وانتهاج أي طريق ممكنة لإنفاذِه فضلا عن ابتداع طرق جديدة لهذه الغاية عند الاقتضاء. ومن اللافت في هذا الخصوص أن محاميّ جنوب أفريقيا استمدّوا معظم الوقائع الحاصلة في غزّة من بيانات خبراء الأمم المتحدة ووكالاتها التي أدانت حرب إسرائيل الإبادية أو حربها ضد “الأطفال”، بما يعيد الاعتبار لهؤلاء (ومن خلالهم لبعض أجهزة الأمم المتحدة وآلياتها) في مواجهة التواطؤ أو الفيتو السياسي داخل مجلس الأمن لإجهاض مفاعيل هذه البيانات وتجريدها من أي أثر واقعي. 

وعليه، وبدلًا من الانغماس في سلبية نعي القانون الدولي أو التقوقع في تمجيد “القوة” وتصويرها على أنها الطريق الأوحد لردع الجريمة، اختارتْ جنوب أفريقيا انطلاقا من تجربتها، التصرف بصورة إيجابية وإعادة الاعتبار للقانون الدولي الإنساني، وذلك إيمانا منها بأهميته كسلاح يجدر استعماله بطريقة أو بأخرى لحماية الشعوب المستضعفة أو المنتهكة والأهم كغاية يجدر أن تتحد حولها البشرية جمعاء. وبالطبع، وهذا يتبدّى من مرافعاتها، فإنها فعلتْ ذلك من دون أيّ أوهام بشأن هنات هذا القانون، وفي موازاة بذل جهود كبرى لتجاوز هذه الهنات وإعادة الثقة بالأمل الذي يمثّله، من ضمنها استنهاض دول الجنوب كما شعوب العالم لتأييد دعواها فضلا عن وضع المحكمة أمام مسؤولية اتخاذ مواقف تحت طائلة اعتبارها مسؤولة عن استمرار الإبادة كما سبق بيانه. 

البعد الثالث: فكّ الارتباط بين القانون الدولي الإنساني ودول الشّمال السّياسي

البعد الثالث، وهو أيضا فائق الأهمية، تمثّل في فكّ الارتباط بين القانون الدولي الإنساني ودول الشمال السيّاسي. ففيما يسود تصوّر عامّ قوامه وجود ارتباط عضوي بين القانون الدولي الإنساني وضمنًا منظومة حقوق الإنسان ودول الشمال السياسي على خلفية دورها الحاسم في صناعته غداة الحرب العالمية الثانية وأيضا خطابها الرسمي في ادّعاء أبوّتها له وسعيها إلى فرض التقيّد به عالميّا (ولو من خلال عقوبات غالبًا ما أخذت طابعا أمبرياليّا)، أتتْ مبادرة جنوب أفريقيا بمثابة تحدٍّ لهذا التصوّر ومناسبة لتجويفِه ونقضِه في اتجاه إعلان تساوي دول العالم في تملّك هذا القانون والذود عنه كما في الاستفادة منه والخضوع له. 

إذ مقابل الهالة التي أحاطتْ بجنوب أفريقيا التي ظهرت في لحظة وقوفها أمام المحكمة مظهر الأكثر أمانة وحرصا على أداء دورها في إعلاء القيم الإنسانية ووقف الإبادة بحقّ الفلسطينيين، ظهرت دول الشمال السياسي مظهرا هزيلا مقزّزا تراوح بين دول تدعم الإبادة وتتهيّأ للدفاع عن إسرائيل أمام المحكمة ودول تترك أمر الدعوى لهذه الأخيرة وكأنها ليس لديها شيء تقوله بشأن هذه الجريمة المستمرّة. ومن هذه الزاوية، جاءتْ مبادرة جنوب أفريقيا بمثابة إعلانٍ برفض التّسليم بارتباط القانون الدولي بدول الشمال السياسي أو بأبوّة هذه الدول لهذا القانون والأهمّ بمثابة رفضٍ لهيمنتها على تفسيره أو مجال تطبيقه بدليل عزمها على أداء دورها الكامل في هذا الخصوص. وما يزيد من أهميّة هذه المبادرة هو أنّها أتتْ بمثابة علامة فارقة عمّا شهدناه في العقود الأخيرة في المجال الدولي وبخاصّة أمام المحكمة الجزائية الدولية التي كادتْ تختزل عملها في محاكمة قادة من دول الجنوب بضغط من دول الشمال السياسيّ. فها جنوب أفريقيا تنقض هذا المشهد بعدما حوّلت منبر محكمة العدل الدولية إلى منبر لمحاكمة إسرائيل في مواجهة حلفائها في الشمال السياسيّ بأكمله. وقد تجلّى هذا التوجّه أكثر فأكثر من خلال إعلان تهيّئها لتقديم دعوى أخرى أمام محكمة العدل الدولية ضدّ الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا على خلفية دعمهما الحرب الإسرائيلية، وكأنها في صدد حماية القانون الدولي من إخلالات دول الشمال السياسي به، فلا يؤدي سقوط هذه الدول في واجبها في التقيّد بهذا القانون إلى سقوط مرجعيته، بل تبقى هذه المرجعية قائمة رغم ذلك بفعل إرادة العديد من دول العالم وبخاصة دول الجنوب وتمسّكها بها.     

وقد تعزّز فكّ الارتباط بين القانون الدولي ودول الشمال السياسي أكثر فأكثر في تعليق رئاسة ناميبيا على إعلان ألمانيا نيّتها التدخّل في الدعوى المقامة أمام المحكمة الدولية دفاعا عن إسرائيل، والذي ترافق مع  إعلانها تأييد دعوى جنوب أفريقيا ضدّ هذه الأخيرة. فلئن ذكّرت رئاسة ناميبيا ألمانيا بالإبادة المرتكبة منها ضدّ شعبها في أوائل القرن العشرين والتي احتاجتْ ألمانيا إلى عقودٍ للاعتراف بها بعد طول إنكار من دون أن يستتبع اعترافها ترميم حقوق ضحايا الإبادة بشكل مرضٍ، فإنّها بدتْ وكأنها تدعوها إلى التركيز على معالجة آثار ماضيها الإبادي قبل التنطّح للدفاع عن دولة أخرى مشتبه بها بارتكاب إبادة جديدة على مرأى من العالم ومسمعه. أو كأنها تعلن أن مشروعية الدفاع عن القانون الدوليّ تعود لها هي الدولة الأفريقية “الجنوبية” التي عانتْ من الإبادة أكثر مما تعود لدول ذات تاريخ إباديّ مثل معظم دول الشمال السياسي، والتي ما تزال متقاعسة عن مراجعة ذاتها بشأن ماضيها كما هي متقاعسة عن إنصاف ضحاياها. ويرتقب أن يؤدّي إعلان مزيد من دول الشمال تأييدها لإسرائيل في القضية المقامة ضدّها (هذا ما أعلنته مثلا كندا) مقابل إعلان مزيد من دول الجنوب تأييدها لجنوب أفريقيا إلى تظهير فكّ الارتباط هذا وإلى تعزيز تملّك دول الجنوب للقانون الدولي الإنساني وأدوات الدفاع عنه، ضمانا لعالم أكثر توازنا وعدالة. 

البعد الرابع: ثغرة في جدار إفلات إسرائيل من العقاب  

البعد الرابع للدعوى التي قدمتها جنوب أفريقيا والذي لا يقلّ أهمية عما تقدّم، فيتمثّل في الثغرة التي أحدثتها في جدار الإفلات من العقاب الذي غالبا ما احتمت به إسرائيل رغم حجم الجرائم المرتكبة منها وهي جرائم تستمرّ في غالبها منذ عقود. وما يزيد من أهمية هذا التطور، هو أن إسرائيل مثلت بفعل هذه الدعوى أمام المحكمة الدولية، للدفاع عن نفسها في جريمة تعدّ بنظر القانون الدولي إحدى أخطر الجرائم وأبشعها على الإطلاق. يؤمل أن يهيئ هذا التحوّل لمزيدٍ من المبادرات لمحاكمة سائر جرائم إسرائيل المرتكبة منذ عقود، بدءًا من جرائم الاحتلال والتمييز العنصري وفرض الحصار والعقوبات الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وصولا إلى جرائم التطهير العرقي، وبخاصة أمام المحكمة الجزائيّة الدولية التي ما يزال نائبها العامّ راضيا بموقع المتفرّج. فلنراقب. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

منظمات دولية ، قرارات قضائية ، لبنان ، مقالات ، فلسطين ، محاكمة عادلة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية