نهب منظّم بالدولار… دولرة الأسعار فوضى في التسعير ولكلّ سوبرماركت مؤشّرها


2023-03-03    |   

نهب منظّم بالدولار… دولرة الأسعار فوضى في التسعير ولكلّ سوبرماركت مؤشّرها

في الوقت الذي يكرّر فيه وزير الاقتصاد في حكومة تصريف الأعمال، أمين سلام، أنّ الهدف من السماح بتسعير البضائع بالدولار هو “ضبط السوق وحماية المستهلك”، لم يلمس المواطنون وبعد أيام على دخول القرار حيّز التنفيذ إلّا المزيد من الفوضى. ففي السوبرماركت الواحد رفوف خالية من الأسعار، وبضائع مسعّرة بالدولار وأخرى لا تزال بالليرة اللبنانيّة، في حين تغيب أيّ لوحات تُعلم المستهلك بسعر الصرف المعتمد والذي يختلف من سوبرماركت إلى أخرى فيما يختلف في السوبرماركت نفسها عند تغيّر سعر الدولار ولو بشكل طفيف.

فوضى واختلاف في سعر الدولار المعتمد

جالت “المفكرة القانونيّة” على عدد من السوبرماركت ليكون المشهد تقريبًا نفسه: فوضى في تطبيق القرار تحت حجّة واحدة: “ما لحّقنا” وهي الإجابة التي يكرّرها الموظفون عند سؤالهم عن سبب عدم تسعير بعض السلع أو اعتماد الليرة اللبنانية في بعض السلع (المستوردة) والدولار في سلع أخرى، أمّا الإجابة عن عدم وضع سعر الدولار المعتمد ليكون ظاهرًا للمستهلك كما نصّ قرار”دولرة الأسعار” فالإجابة كانت لأنّه غير ثابت وأنّه يتغيّر تلقائيًا على الصندوق.

على مدخل إحدى السوبرماركت الكبرى وضع سعر صرف حدّد بـ 81 ولكنّ هذا السعر “هو سعر البضائع وليس السعر الذي يُعتمد على الصندوق” تقول الموظفة، مضيفة أنّ سعر الصندوق هو سعر السوق السوداء ناقص 500 أيّ أنّه يمكن أن يكون أقل أو أكثر من السعر المحدّد على اللافتة التي من المفترض أن تكون وظيفتها التسهيل على المستهلك ومساعدته في حفظ حقوقه لجهة معرفة سعر المنتج الذي يشتريه.

حدّد صندوق هذه السوبرماركت سعر الصرف أمس الخميس وفي اللحظة التي كان فيها الدولار 81 و200 ألف ليرة بـ 81 أيّ أقلّ من السوق السوداء ولكن ليس بـ 500 ليرة كما قالوا.

في اليوم نفسه وبعد أقلّ من ساعة كانت سوبرماركت ثانية تحدد سعر الصرف 81 و500 ليرة وأخرى بـ  80 و500، مع الإشارة إلى أنّه وخلال الجولة لم تضع إلا سوبرماركت واحدة سعر الصرف المعتمد والذي أوضحت أيضًا بأنّها لا تعتمده.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ تطبيق آلية قرار التسعير بالدولار أكّدت ضرورة وضع سعر الصرف المُعتمد على الرفوف كافة وعلى مدخل المحل وعند صناديق الدفع، على نحو ظاهر وواضح للمستهلك، وعلى اعتماد سعر الصرف الذي دفع على أساسه لشراء الدولار، على ألّا يتعدّى السعر الرائج في السوق وقت الشراء من قبل المستهلك. 

بالإضافة إلى اختلاف سعر الصرف من سوبرماركت إلى أخرى وغياب وضع سعر الصرف المعتمد، كان لافتًا عدم وضع سعر على عدد كبير من المنتجات في أكثر من سوبرماركت جالت عليها “المفكرة” فضلًا عن تسعير بعض السلع بالليرة اللبنانيّة وأخرى بالدولار لأنّه “ما لحقّنا” كما يقول الموظفون في حين يعرف المواطنون أنّ تغيير الأسعار وطيلة الفترة الماضية كانت تحصل وبشكل سريع عند أي تغيّر بسعر الدولار في السوق السوداء. وخلال الجولة لحظت “المفكرة” أنّ بعض السوبرماركت لم تعتمد بعد التسعير بالدولار.

وكان قرار الدولرة نصّ أيضًا على ضرورة وضع ملصقات الأسعار على الرفّ أو على السلعة بالدولار الأميركي بشكل واضح للمستهلك، ﺇلّا إذا كانت من السلع المشتراة بالليرة اللبنانية كالخضار والفواكه والسجائر وغيرها، فيمكن أن يعلن عن أسعارها بالليرة اللبنانية.

المواطنون ضائعون

يقف المواطنون أمام رفوف المنتجات وعلى الصندوق ضائعين، شعرون بأنّ قرار دولرة المنتجات دفع أصحاب السوبرماركت إلى زيادة الأسعار على الدولار متحدثين عن تبدّل الأسعار من يوم إلى آخر بشكل لافت وهي مسعّرة بالدولار أي أنّ الزيادة لا يمكن وضعها إلّا في خانة “سرقة المستهلك” على حدّ تعبير إحدى المواطنات مشيرة إلى أنّ إحدى السوبرماركت حاسبتها على أساس سعر صرف 91 ألف ليرة منذ يومين بينما كان سعر سوق السوداء 89 ألف ليرة.

وليس بعيدًا يقول إحدى المواطنات إنّها اشترت “كيس بازيلا” بـ 303 آلاف ليرة من إحدى السوبرماكت المعروفة بينما وجدتها نفسها في أحد الدكاكين في بلدتها بـ 90 ألف ليرة في سوبرماركت ثانية.

وفي ظلّ هذه الفوضى يُشير مصدر من وزارة الإقتصاد في حديث لـ “المفكرة” إلى أنّ الوزارة طالبت جميع المحال التجارية والسوبرماركات التقيّد بأحكام القرار وتحت طائلة تسطير المحاضر بحق المخالفين وإحالتهم الى القضاء المختص، ليبقى سؤال المواطن عن قدرة الوزارة بالمراقبة بعدما فشلت بالأمر سابقا تحت حجّة عدم وجود عدد كاف من المراقبين.

وفي الوقت الذي بدأت السوبرماركت تسعّر فيه على الدولار لم ينعكس هذا الأمر على رواتب الموظفين إذ لا يزال معظمهم يتقاضى راتب منخفض وبالليرة اللبنانيّة. وكان موظفو “كارفور” اعتصموا أمس مطالبين برفع رواتبهم معلنين عن نيّتهم تنفيذ سلسلة من الإضرابات. وأكّد الموظفون خلال وقفة لهم أمام مجمّع “سيتي سنتر” أنّ إدارة “كارفور” تحقّق أرباحاً خيالية وليس هناك من مبرّر لعدم تحسين المعاشات.

وفي هذا الإطار يرى الخبير الاقتصادي الدكتور إيلي يشوعي أنّ ما سيتغيّر مع دولرة الأسعار بالنسبة إلى المواطن أمرًا واحدًا وهو بدل أن تكون الفوضى بالأسعار بالليرة اللبنانية ستصبح بالدولار وسيلحظ المواطن فرق سعر الدولار المعتمد من سوبرماركت إلى أخرى تحت “حجّة هامش الأمان” التي يتكلّم عنها التجّار. 

وفي الإطار يشير يشوعي إلى أنّ وزير الاقتصاد قام بسابقة عبر إصدار قرار رسمي بدولرة الأسعار وهذه الخطوة مخالفة للقوانين والدستور لأن الليرة اللبنانية هي العملة الرسمية في لبنان وكنا نتعامل بالدولار “رضائيًا” وبطريقة خاصّة وكانت تضاف إليها التعامل بالليرة اللبنانية كعملة وحيدة معترف ويجب أن يكون معترف فيها رسميًا. ويسأل يشوعي عن كلمة “مؤقتًا” الواردة في القرار من دون تحديد مدة أي مؤقتًا إلى حين غير محدّد مضيفًا القرار ليس فقط غير قانوني بل أيضًا ناقص.

من جهة أخرى يرى الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق الخبير الاقتصادي كارابيد فكراجيان أنّ تسعير بالدولار خطوة صحيحة ولكن غير مكتملة ما يجعل تحقيق هدفها أيّ حماية المستهلك غير محقّقة بالشكل المطلوب مضيفًا في حديث مع “المفكرة” أنّ هذه الخطوة تحتاج إلى خطوات مرافقة منها تخفيف القيود على الاستيراد والتصدير وخفض الرسوم الجمركية وتخفيف الإنفاق في القطاع العام.

وفي حين يرى فكراجيان أنّ هذا القرار سيفتح الباب أمام دولرة شاملة حتى بالرواتب يرى أنّ القرار وضع السوبرماركت بمأزق سيدفع ثمنه المستهلك وهو إمّا أن يقبض باللبناني وبالتالي هو بحاجة لرفع الأسعار ليحمي نفسه أو أيضًا أن يقبض بالدولار أو رفع سعر صرف الدولار وذلك في ظلّ عدم ذهاب الدولة إلى إصلاحات جديّة وفي وقت تحتكر في السوق قلّة من التجار نتيجة سياسات تمنع دخول المنافسين الجدد، ما يضيّق هامش المنافسة وبالتالي انخفاض أسعار السلع.

انشر المقال

متوفر من خلال:

دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، تحقيقات ، قطاع خاص ، قرارات إدارية ، الحق في الحياة ، حقوق المستهلك ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية