نهاية سعيدة ليوم مشحون على مداخل البرلمان


2019-11-20    |   


لن أخفي مشاعر الخوف التي رافقتني يوم الإثنين منذ لحظة استيقاظي صباحاً حتى محاولة النوم ليلاً والتي باءت بالفشل. لا أعلم لماذا انتابني الأسى وأنا “أودّع” زملائي في المكتب وألقي النكات عن السيناريوهات المروّعة التي كنت أتخيلّها عن كيفية مواجهة الجلسة النيابية نهار الثلاثاء. كنت أردد :”بكرا لح يكون hunger games بيننا وبين السلطة”. من سيعتدي علينا غداً؟ هل ستمطر علينا قوى مكافحة الشغب قنابل مسيلة للدموع؟ أم سنشهد هجوماً ثانياً لمناصري السلطة؟ أم سنتواجه مع إخواننا المصرّين على إقرار مشرروع قانون العفو العام كما هو مقترح؟ هذه بعض من الأسئلة التي سلبت منّي النوم ودفعتني إلى التزوّد بمعدّات حماية مثل الخوذة والقناع الخاص بالتزلّج، على أمل أن تخفّف من توتّري.

عند السابعة والنصف صباحاً من يوم “المواجهة”، قابلت أصدقائي أمام مسجد محمد الأمين. بدوا التّعب واضحاً على وجوههم ربما من الاستيقاظ باكراً بعد أكثر من شهر لم يبارحوا فيه الساحات يوماً. ولكنّ المفارقة أنّ هذا التعب الواضح عليهم لم يزدهم إلّا إصراراً على المواجهة وتعطيل جلسة مجلس النوّاب. بدأنا السير بحثاً عن نقطة نتمركز فيها من بين النقاط الـ17 التي وردت في خريطة المداخل إلى مجلس النوّاب المنوي إغلاقها والتي تمّ تداولها بين مجموعات التواصل بين المنتفضين. فمع توسّع الطّوق الأمني ازدادت إحتمالات الطرق المؤدية إلى البرلمان فعمدنا، كالعديد من المتظاهرين، إلى التوجّه نحو “مداخل” شارع شارل حلو وصولاً إلى حدود أسواق بيروت تحت مسجد المجيدية ومن ثم إلى باب إدريس. وكان هناك “معايير” لاختيار أماكن للتمركز في نقطة معيّنة أو مغادرتها، فإذا وجدنا حشداً كبيراً من المتظاهرين “يحرس” نقطة ما نغادرها لكي “نؤمّن” نقطة أخرى قد تحتاج إلى دعم. وكنّا ندرس أيضاً مدى سهولة أو صعوبة إزالة القوى الأمنية للعوائق من أجل فتح الطريق في وجه مواكب النواب في كل نقطة. فقدّرنا أنّ الشوارع التي أُغلقت كليّاً بعوائق إسمنتيّة لا يمكن أن تكون خياراً للمواكب، لذلك كنّا نغادرها باحثين عن طرقات أخرى من السّهل فتحها أمام المواكب، وبالتالي تحتاج إلى درع بشري يحميها. وخلال مرورنا على مختلف “المداخل” لاحظنا كيف يصرّ المحتجّون على النظر إلى داخل كل سيارة وآليّة للجيش وحتّى سيارة إسعاف للتأكّد من أنّه ليس فيها نائب يحاول التسلّل إلى البرلمان. ومن الملفت مشاركة أفراد من مختلف الفئات العمرية وبشكل خاص نساء في الستينيّات اللواتي كنّ من الأكثر إصراراً على تفقّد السيارات.

عند حوالي الساعة التاسعة كانت منطقتا باب إدريس وستاركو تحضنان مئات المتظاهرين المبعثرين بين الشوارع الأساسية والفرعية فيهما. وحينها بدأت النداءات من إحدى المجموعات والصفارات تنذر بوصول أول موكب نيابي مع دخوله شارع أحمد شوقي الذي تشرف عليه نقطة باب إدريس. وبدأ الموكب يجول في الجادة ذهاباً وإياباً باحثاً عن طريق خالية من المتظاهرين ليسلكها. حينها بدأنا الركض في الشوارع الموازية، ذهاباً وإياباً، لمنع سيارات الموكب من دخول المنطقة. وفي غضون دقائق، وبشكل عفوي ولكن بشكل منظّم، انقسمنا إلى مجموعات تمركزت في نقاط مختلفة في المنطقة لـ”حمايتها”. فوجدت نفسي مع حوالي عشرة أشخاص على تقاطع إلى جانب فندق “رامادا” – ستاركو نعاين السيارات ونسمح للمدنية منها بالمرور، ومعنا سيّدة كانت تصرّ على تفقّد ما في داخل السيارات خشيةً أن تكون تقلّ أحد النوّاب. وسرعان ما وصلت سيارة من طراز “أودي” تتبعها سيارتان رباعيتا الدفع ومرّت مسرعة بيننا حتى كادت تدهسنا ولكن لم يطل الأمر حتى أدركنا أنه الموكب الذي كنّا نترقّب وصوله، فما كان من بعض المتظاهرين إلّا أن بدأوا بركل سيارات الموكب ولكمها. وبدوري تبعت الموكب إلى أن وصل إلى نقطة التجمّع الأساسية عند باب إدريس ليبدأ باختراق الحشود غير آبه باحتمال دهس المتظاهرين ووصل إلى عوائق الإسمنت التي وضعتها القوى الأمنية. وفي هذه الأثناء رمى بعض المتظاهرين العوائق الحديدية على الأرض خلف السيارات لمحاصرتها في الشارع. ووسط الحصار غير المتوقع استدارت سيارات الموكب ساحبةً وراءها العوائق الحديدية. ووسط متظاهرين غاضبين يرشقون الموكب بكل ما يتوفّر بين أيديهم، عمد مرافقو النائب (الذي لا تزال هويته غير أكيدة) إلى إطلاق النار في الهواء لترهيب المتظاهرين وتفريقهم.

ولم تكن تلك الرصاصات سوى رصاصات الهزيمة بعد فشل الموكب في الدخول من تلك النقطة إلى مجلس النوّاب، ومع مغادرته ارتفعت الهتافات الاحتفالية من المتظاهرين بالإنتصار لتكسر الجو المشحون الذي ساد في الساحة عند مرور الموكب. لم يسمح المتظاهرون للخوف بأن يثنيهم عن مواصلة المواجهة بل العكس بدأ عددنا يزداد ولم نغادر إلّا بعد ساعات عندما أعلِن عن تأجيل الجلسة النيابية على وقع هتاف “هيلا هيلا هيلا هو أجّلوا الجلسة يا حلو”.

انشر المقال

متوفر خلال:

حراكات اجتماعية ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *