“نقلة القضاة في تونس”: أو حين أصبح “المجلس الأعلى للقضاء” مجرد خدعة بصرية


2012-09-14    |   

“نقلة القضاة في تونس”: أو حين أصبح “المجلس الأعلى للقضاء” مجرد خدعة بصرية

(القضاء التونسي) ماذا يعني أن يعاد احياء المجلس الأعلى للقضاء الموروث من النظام التونسي السابق، والذي كانت وزارة العدل قد حلته صراحة، لا لأمر الا كي يبصم أعضاؤه على مشروع الحركة القضائية الذي أعدته وزارة العدل بشكل انفرادي، ولفترة لن تتعد على الأرجح المدة الضرورية للحصول على هذه البصمات؟ انه اثبات جلي وواضح بأن الوزارة ترى أن من شأن استخدام بصمات مجلس مماثل أن  يعزز مشروعية مقرراتها، حتى ولو كان معلوما للجميع أن هذا المجلس فاقد للشرعية وللمشروعية، وأن خروجه من الكواليس هو بمثابة وميض لا وجود حقيقي له.
طالما شكلت المجالس العليا للقضاء في العالم العربي أقنعة يعمل من ورائها الحكام لبسط هيمنتهم على القضاء، لكن اليوم في تونس، المجلس الذي تم استخدامه كان بعلم الجميع خدعة بصرية محض، خدعة تقول الكثير عن رؤية الحاكم لاستقلالية القضاء (المحرر).    

قبل نهاية العطلة القضائية بيوم واحد وبتأخر ملحوظ في الموعد أعلن يوم الخميس 13 سبتمبر 2012  عن اجتماع المجلس الأعلى للقضاء الذي يتولى إصدار الحركة السنوية للقضاة التونسيين. سبق الإعلان عن صدور الحركة جدل داخل الأوساط القضائية حول جواز إجرائها من عدمه في ظل فشل المجلس الوطني التأسيسي في سن قانون الهيأة المؤقتة للإشراف على القضاء العدلي. فمنذ أن تسربت أنباء عن تكوين لجنة داخل مصالح وزارة العدل مهمتها الإعداد للحركة القضائية وبعد أن صرح وزير العدل بان استمرار عمل مرفق العدالة يستوجب الإعلان عن حركة قضائية تضمن سد الشغورات في المحاكم وتعين الملحقين القضائيين في مهامهم، انقسم القضاة وهياكلهم في تقييمهم للحدث.
فجمعية القضاة التونسيين ومرصد استقلال القضاء تمسكا برفض إجراء الحركة القضائية قبل سن قانون الهيأة المؤقتة للإشراف على القضاء العدلي. اعتبر الرافضون أن  تنظيم الحركة القضائية خارج أطرها التي ضبطها التنظيم المؤقت للسلط العمومية يشكل تعديا على استقلال القضاء ويكشف عن سعي وزارة العدل للهيمنة على القضاء من خلال مواصلتها التحكم في المسارات المهنية للقضاة.
وعارضت نقابة القضاة التونسيين الدعوات التي تهدف الى إرجاء الحركة لحين سن قانون هيأة الإشراف على القضاء العدلي، واعتبرت أن الحركة استحقاق وأن عدم إجرائها يضر بالقضاء وبالمصالح الشرعية للقضاة المعنيين بها. ارتأت النقابة أن تتدخل في مسار الإعداد العملي للحركة القضائية فأبرمت اتفاقية مع وزارة العدل تضمنت ضوابط موضوعية يجب اعتمادها في خصوص ترقية القضاة من رتبة إلى أخرى. دافعت النقابة عن موقفها فذكر ممثلوها أن الشغورات التي تعرفها المحاكم وتعطل المسار التشريعي لسن قانون الهيأة المؤقتة للإشراف على القضاء العدلي يستوجب التعامل بمسؤولية مع استحقاقات المرحلة. اعتبرت النقابة أن ما توصلت له من تعهد بضمان الترقية الآلية للقضاة مكسب وبينت أنها تتمسك بإجراء الحركة القضائية من واقع دفاعها عن انتظارات القضاة.
كانت نية وزير العدل تتجه في البداية الى إجراء التحركات القضائية بمذكرات عمل أي بالاعتماد على الصلاحية التي خولها له القانون في نقلة بعض القضاة خلال السنة القضائية بقرارات فردية تصدر عنه. فكون الوزير لجنة من سامي القضاة وعهد لهم بالانجاز التقني للحركة. عول الوزير على أمل التوصل لوفاق مع الهياكل المهنية للقضاة تسمح له بإجراء الحركة وفق الشكل الذي خطط له، وتحصل بالفعل على تأييد نقابة القضاة التونسيين التي اعتبرت أن الفراغ المؤسساتي أضحى واقعا يجب التعامل معه بمسؤولية خدمة للقضاة والمتقاضين. إلا أن الوزارة اصطدمت بإصرار جمعية القضاة ومن خلفها مرصد استقلال القضاء على رفض ممارسة الوزير لصلاحية إجراء الحركة. اعتبر مناضلو جمعية القضاة أن فزاعة الفراغ لا تبرر التنازل عن حق القضاة الشرعي في بناء مؤسسات القضاء: دافعت الجمعية على الرأي القائل بوجوب منع الحركة ما لم تستجب للشروط القانونية. اعتبرت جمعية القضاة الحلول التلفيقية خيانة لنضالاتها من اجل استقلالية القضاء.
لم يمنع ضغط الجمعية من الإعلان عن الحركة القضائية إلا أنه أجبر الوزير على البحث في إحياء المجلس الأعلى للقضاء ليمرر حركته عبره. سعى الوزير إلى تجاوز الاعتراضات الشكلية عبر التوافقات الثنائية مع الهياكل المهنية للقضاة في مرحلة أولى وبعد فشله في ذلك اتجه للحل البديل أي إحياء المجلس الأعلى للقضاء.
 وتبين قراءة سريعة في هذه الحركة أنها تعد بمقاييس الحركات السنوية للقضاة من الحركات التي شملت عددا كبيرا من القضاة اذ شملت 771 قاضيا من الرتب القضائية الثلاث بما تفصيله 343 قاضيا من الرتبة الثالثة و256 قاضيا من الرتبة الثانية و172 قاضيا من الرتبة الأولى في حال ان حركة سنة 2011 شملت 595 قاضيا. وهي أول حركة تضمن فعليا التطبيق الفعلي لمبدأ الترقية الآلية للقضاة إذ أنها التزمت بمبدأ ترقية جميع قضاة الرتبة الأولى الذين قضوا اثني عشر عاما في العمل القضائي الفعلي كما التزمت بترقية القضاة الذين قضوا تسعة عشر عاما من العمل القضائي الى الرتبة الثالثة.  وأدى اعتماد مبدأ الترقية الآلية لتمتيع 221 قاضيا بحقهم في الارتقاء الى الرتبة الثالثة و139 قاضيا في الارتقاء الى الرتبة الثانية وما يستتبع ذلك من امتيازات مالية  كانت وزارة العدل سابقا تستند اليها لرفض مطالب القضاة بحقهم في الترقية. فخلال الفترة الماضية، كان يجابه طلب اعتماد الترقية الآلية بمقولة أنه يخلف آثارا مالية تؤثر على توازنات ميزانية الدولة.
وحاولت الحركة القضائية أن تقطع نسبيا مع المعايير التي كانت تعتمد سابقا في خصوص الترقيات والترشيح للخطط الوظيفية فاعتد واضعوها أساسا بالاقدمية في القضاء كمعيار للترقية والتأهل للخطط القضائية دون التفات الى الأقدمية في الرتبة القضائية السابقة. برر وزير العدل التوجه الجديد برغبته في إعادة الاعتبار للقضاة الذين تعطلت مساراتهم المهنية قبل الثورة بسبب روح الاستقلالية التي تحلوا بها.
وحملت الحركة تغييرات هامة على مستوى الخطط الرئيسية في المحاكم إذ شملت عدد 17 من وكلاء الجمهورية لدى المحاكم وعدد 14 من رؤساء المحاكم الابتدائية بما يعني أن التغييرات شملت أكثر من نصف المحاكم الابتدائية التي يبلغ اجمالي عددها 28 محكمة. كما شملت 5 وكلاء عامين لدى محكمة استئناف وأربعة رؤساء أول لمحكمة استئناف من جملة عشر محاكم استئنافية بما يستفاد منه وجود رغبة في خلق روح جديدة على مستوى تسيير المحاكم.
ويتبين  من قراءة مجمل حركة التنقلات أن اللجنة التي أعدتها لم تتعمد إجراء مناقلات للقضاة من مراكز عملهم بشكل يؤدي الى إلزامهم بتغيير محلات سكناهم إذ يبدو مبدئيا أنه تم الاعتماد على رغبات القضاة في نقلهم وهو أمر يستشف منه أن ضغط هياكل القضاة من أجل إرساء مبدأ عدم نقلة القاضي دون رضاه ولد أثره نسبيا في هذه الحركة.
تبرز قراءة الأرقام مؤشرات ايجابية حملتها حركة القضاة فيما تعلق باستحقاقات القضاة، إلا أن النظر في الحركة القضائية يبين أنها حركة قضائية وأدت أحلام القضاة في تحقيق استقلاليتهم. حملت الحركة أخبارا سارة لعديد من القضاة، إلا أنها أنبأت القضاة بأن الطبقة السياسية فشلت في إصلاح قطاعهم. ادعى السياسيون أنهم سيقطعون مع ماضي تدخل السلطة التنفيذية. ووعدوا عند مناقشتهم لقانون التنظيم المؤقت للسلط القضاء بهياكل مؤقتة تضمن استقلالية آنية للقضاء في انتظار الاستقلالية القارة التي قالوا أن الدستور الذي يعدون سيوفرها. إلا أن الحركة القضائية كشفت أن السياسيين لا يملكون غير الوعود ليقدموها للقضاء. انشغل أعضاء المجلس الوطني التأسيسي بالتجاذبات السياسية يوم تداولوا في مشروع الهيأة المؤقتة للإشراف على القضاء العدلي فأفشلوا مسار إصداره وتركوا القضاء دون مؤسسة تحمي استقلاليته وأصروا في مقابل ذلك على عطلتهم الصيفية بشكل منع من إيجاد تصورات بديلة عن الهيأة في الزمن الملائم.
ترك السياسيون القضاة أمام خطر السنة البيضاء التي لا تحركات فيها، ولكن أهمية الشغورات الوظيفية والتي نجمت بعد أن تم إعفاء 71 قاضيا خلال السنة القضائية الماضية وقبول استقالات 11 قاضيا والتحاق ما يقارب السبعة من القضاة بالتعاون الفني الدولي في إطار الإعارة ووفاة 3 قضاة وإحالة سبعة وثلاثين قاضيا على التقاعد جعل الحركة القضائية أمرا حتميا.
أفضت حتمية إجراء الحركة القضائية الى إعادة الروح للمجلس الأعلى للقضاء في إطار يحمل عديد التناقضات التي تكشف عن حصاد الخيبة في مسار إصلاح القضاء. اجتمع المجلس الأعلى للقضاء ليصادق أعضاؤه على حركة قضائية لم يعدوها ولم يطلعوا عليها قبل اجتماعهم. صدرت الحركة القضائية بإمضاء المجلس الأعلى للقضاء وكان المجلس كأفراد والقضاة كجماعة يعلمون أن المجلس لم يعد الحركة وإنما كان إمضاؤه حيلة قانونية تنجي وزارة العدل من خطر طعن جمعية القضاة في الحركة القضائية بعدم مشروعيتها. كان ذات المجلس يجتمع قبل الثورة ليعلن الحركة القضائية دون أن يكون مطلعا عليها. بعد الثورة، عاد المجلس ليخدم السيد الحاكم واجتمع مجددا وذلك رغم أن أعضاءه نما اليهم أن صفتهم كأعضاء سابقين بالمجلس الأعلى للقضاء لعهد ما قبل الثورة سيجعلهم ممنوعين من الترشح لمجالس القضاء مستقبلا. فقد اقترحت لجنة التشريع بالمجلس الوطني التأسيسي في مشروع قانون الهيأة المؤقتة للإشراف على القضاء العدلي منع الأعضاء السابقين بالمجلس الأعلى للقضاء من الترشح لهيأة الإشراف على القضاء العدلي.
أحيت وزارة العدل مجلس القضاء الأعلى بعد أن كان وزير العدل أكد في مرات سابقة عن عدم رغبته في اللجوء إليه. و كان أعضاء المجلس الأعلى للقضاء المدعى أنهم منتخبون ليمثلوا الرتب القضائية ممن اصطفتهم الحكومة قبل الثورة ليضطلعوا بهذا الدور في انتخابات تفتقر الى أبسط قواعد الشفافية. عادت حكومة الثورة التي تناضل للقطع مع الفساد لتستفيد من تركة العهد الاستبدادي في حركتها القضائية. استفادت الحركة القضائية من الغطاء التشريعي للمجلس الأعلى للقضاء كما استفادت من تعود أعضائه على القبول بإصدار الحركة القضائية ممهورة بإمضاءاتهم رغم أنهم لم يشاركوا في إعدادها.
 وعدت وزارة العدل بحركة قضائية تقطع مع الماضي فتنهي الظلم الذي يسلط على القضاة في ترقياتهم وتحركاتهم: أتى المضمون ليكشف عن رغبة في ترميم بنيان المؤسسة القضائية وبين التأخير في الموعد أن القضاء تأخر إصلاحه لحد كاد يعطله فيما كشف إحياء المجلس الأعلى للقضاء على خطر إعادة إنتاج المنظومة ذاتها بعناوين جديدة. كانت حركة القضاة للسنة القضائية 2012-2013 حركة صراع الأضداد في إطار ملهاة تقوم على قبول استعمال أداة ثبت فسادها شكلا بدعوى الحاجة اليها في محاربة الفساد وتحقيق الإصلاح.

  1  عن الحركة القضائية

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية