نقابة محامي بيروت تضحي بالشفافية باسم “خصوصية” أعضائها


2020-07-28    |   

نقابة محامي بيروت تضحي بالشفافية باسم “خصوصية” أعضائها
الصورة منقولة عن صفحة ش.م.ل على تويتر

أمس، تم الإعلان عن قرار بحجب موقع إلكتروني يتولى نشر بيانات السجلّ التجاري في لبنان. القرار صدر بتاريخ 16 حزيران 2020 عن قاضية الأمور المستعجلة في بيروت هالة نجا بناء على طلب من نقابة المحامين في بيروت وقضى بحجب الموقع إلى حين إزالة أسماء المحامين منه. وقد استند القرار إلى حيثية أساسية مفادها أن المعلومات المنشورة عن المحامين ليستْ معدّة لإطلاع الجمهور ولا تدخل في عداد البيانات الواجب نشرها في السجل التجاري وأن نشرها هو تاليا بمثابة تعدٍ على بيانات ذات طابع شخصي. كما رأى أن لنقابة المحامين الصفة لتقديم الطلبات الرامية إلى رفع التعدي عن حقوق عائدة للمنتسبين إليها ومن بينها حقهم في حماية بياناتهم.

هذا القرار يستدعي جملة من الملاحظات، أبرزها الآتية:

  • قرار يناقض المادة 22 من قانون التجارة ومبدأ شفافية السجل التجاري

من البين أن هذا القرار يخالف المبدأ المكرس في المادة 22 من قانون التجارة الصادر في 1942 والتي تنصّ أنّ “سجلّ التجارة يمكّن الجمهور من جمع المعلومات الوافية عن كل المؤسسات التجارية التي تشغل في البلاد”. فهذه المادة تكرس بوضوح كلي وشامل مبدأ الشفافية لكل المعلومات عن مجمل المؤسسات التجارية. ونفهم من الحكم أنه عمد إلى التمييز بين البيانات الواجب نشرها في السجل التجاري كأسماء المساهمين وعنوان المؤسسة وإسمها والتي تم تعدادها في المواد اللاحقة من قانون التجارة… الخ والبيانات الأخرى كإسم الممثل القانوني (المحامي) التي ليست كذلك، تمهيدا لحصر مبدأ الشفافية بالفئة الأولى من المعلومات من دون الثانية. وهذه الحجة غير صحيحة للأسباب الآتية:

  • أولا، أن المادة 22 تشمل المعلومات الوافية عن كل المؤسسات التجارية وليس فقط المعلومات الواجب نشرها. ومن هنا، ليس للقاضي أن يميّز حيث لم يميّز القانون تمهيدا لتحويل الشفافية الشاملة لبيانات السجل إلى شفافية محصورة،
  • ثانيا، أنه خلافا لما جاء في الحكم، فإن أسماء المحامين في السجل التجاري تدخل ضمن البيانات الواجب تسجيلها فيه، أقله بالنسبة لجميع الشركات محدودة المسؤولية والمغفلة (باستثناء الأوف شور التي تم إعفاؤها مؤخرا من تعيين محام). وهذا ما يتحصل من المادة 62 من قانون تنظيم مهنة المحاماة التي ألزمت هذه الشركات على تعيين ممثل قانوني عنها. فبفعل هذه المادة التي أخذت شكلها الحالي في 1991 أي بعدما يقارب 50 سنة من صدور قانون التجارة، لا يمكن قبول تسجيل طلب أي من هذه الشركات ما لم يترافق مع تعيين محام لها. ومؤدّى ذلك إضافة هذا الإجراء إلى الإجراءات الإلزامية لتسجيل شركة في السجل التجاري وتاليا إضافة إسم المحامي إلى البيانات الواجب نشرها في هذا السجل. ومن الضروري التشديد هنا بأن إلزام الشركات بتعيين محام وذكر اسمه ضمن بياناتها لا يتمّ فقط بقوة القانون والقواعد المعمول بها فعليا في السجلّ التجاري، ولكن أيضا وبشكل خاص بفعل قوة النقابة التي تتمسك بذلك من باب حماية امتيازات المحامين،
  • ثمة دليل آخر على عدم صحة الحجة الواردة في القرار وهو العرف المعتمد لدى السجل التجاري من دون أي اعترض، وحيث تكون أسماء المحامين علنية وتخضع لنفس درجة الشفافية التي تخضع لها جميع بياناته الأخرى.
  • أن قراءة المادة 22 على الوجه الذي تقدم تفرض نفسها بشكل أكبر بعد المصادقة على الإتفاقية الدولية لمكافحة الفساد وإقرار قانون حق الوصول للمعلومات، وأيضا على ضوء المادة 94 من قانون المعاملات الإلكترونية والذي أتاح القيام بمعالجات للمعلومات المعدة لإطلاع الجمهور من دون إذن أو تصريح مسبق.
  • قرار ينفخ مفهوم “المعطيات الشخصية” على نحو يهدد حق الوصول للمعلومات

أمر آخر يقتضي التوقّف عنده في القرار المذكور هو تعريفه لمفهوم المعطيات الشخصية التي يشكل نشرها تعديا على الحق بالخصوصية من شأنه وفق ما جاء فيه أن يبرر حجب الموقع برمّته إلى حين إزالة أسماء المحامين عنه. وخطورة هذا المنحى تتأتى عن أن حماية المعطيات الشخصية تشكّل استثناء على حق الوصول للمعلومات وفق القانون الناظم لهذا الحق وأن من شأن أي مبالغة في تعريف المعطيات الشخصية أن تفتح بابا لنسف حقّ الوصول للمعلومات أو تضييقه.

وهنا نكتفي بالإشارة إلى أمرين:

  • الأول، أن المعطيات الخاصة بالمحامي والتي تناولها القرار لا تتصل بأيّ مُعطى متصل بحياته الخاصة، إنما فقط بمعطيات مهنية قوامها تعيينه محاميا لمؤسسة تجارية. وهو معطى يفقد طابعه الشخصي بمجرد نشره في السجل التجاري (وهو أمر ضروري كما سبق بيانه) تماما كما يفقد توكيل محام من قبل أي كان في دعوى معينة طابعه الشخصي عند إبرازه في ملف هذه الدعوى. أي قول مخالف يقودنا إلى نتيجة عبثبة قوامها الحدّ من علانية المحاكمة احتراما لخصوصية المحامي الذي يترافع فيها. وهي نتيجة عبثية طالما أنها تؤدي إلى نسف مبدأ المحاكمة العادلة التي هي أساس وجود المحامي أصلا.
  • الثاني، أن القرار انحاز إلى حماية سرية “أسماء المحامين” وعلاقتهم بموكليهم من دون إجراء أي موازنة بينها وبين الضرر الناجم عنها وقوامه تقييد الوصول للمعلومات والتعرف على شبكات المصالح، التي غالبا ما يشكل المحامون محاور أو وسطاء فيها. الموازنة نفسها بقيت مفقودة حين ذهب القرار إلى حدّ حجب الموقع برمته بانتظار إزالة أسماء المحامين، فيما كان بإمكانه أن يخفف من حدة التعرض للشفافية من خلال الأمر بإزالة الأسماء خلال فترة معينة من دون حجب الموقع برمته (علما أن كلا الأمرين غير مبرر وفق ما سبق بيانه).
  • ما يزيد من خطورة هذا التوجّه أن هذا التمسّك بالسريّة يأتي في وقت يكتشف فيها المواطنون مدى خطورتها وبخاصة في الحقلين المالي والمصرفي. وهذا ما شهدناه مع اتساع الحديث حول وجوب إلغاء السرية المصرفية. للأسف فإن مطلب نقابة المحامين كما القرار القضائي يذهبان هنا في اتجاه معاكس تماما.
  • قرار يضرّ بمصلحة وطنية ملحّة

أخيرا، هذا القرار يؤدي إلى الإضرار بالصالح العام، من زوايا عدة.

أولا، أنه يسمح بحجب كامل المعلومات بانتظار إزالة أسماء المحامين. ويخشى تاليا أن يبقى الموقع محجوبا في حال رفض القيمون على الموقع القيام بذلك. ومن شأن هذا الأمر أن يمنح شبكات المصالح ستارا هاما تحت غطاء حماية خصوصيات المحامين. وبفعل ذلك، تبدو النقابة وكأنها أدت عن وعي أو غير وعي لعبة هذه الشبكات بحيث منحتها ما تريده من دون أن تضطر حتى على المطالبة بذلك،

ثانيا، أنه قد يشكل الإنتهاك الثاني الأكبر لحق الوصول للمعلومات بعد الإنتهاك الجسيم الحاصل سابقا من خلال تسليع الوصول إلى الجريدة الرسمية،

ثالثا، أنه يسمح للنقابة بتأبيد عرف مخالف لقانون تنظيم مهنة المحاماة قوامه أن لا يعين محام ممثلا قانونيا لأكثر من خمس شركات مغفلة. فأن تحجب أسماء المحامين يمنع الكشف السريع عن هذه المخالفة التي باتت أشبه بعرف، من دون أن تعيد النقابة التفكير بتنظيم هذه المسألة في اتجاه وقف االمخالفة أو تشريعها. وأكبر المستفيدين من التكتم في هذا الشأن هو بالطبع المكاتب الكبرى التي تتولى في غالبها تمثيل الشركات الكبرى، أي الشركات المنخرطة في شبكات المصالح الكبرى.

 

 

انشر المقال

متوفر خلال:

حريات عامة والوصول الى المعلومات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قرارات قضائية ، لبنان ، محاكم مدنية ، مقالات ، نقابات