نقابة عاملات المنازل تفرض لونا مختلفا على احتفالية مجاملة المرأة


2015-03-10    |   

نقابة عاملات المنازل تفرض لونا مختلفا على احتفالية مجاملة المرأة

يحتفل العالم في الثامن من آذار من كل عام بـ"اليوم العالمي للمرأة" حيث تعود بنا الذاكرة الى العام 1857 وبداية نضالات المرأة في العالم لإثبات وجودها والمطالبة بحقوقها وعدم الإنكفاء والتراجع الى حين تحقيق مطالبها، تماماً كما فعلت النساء المتظاهرات في ذلك التاريخ عندما  خرجن الى شوارع نيويورك بالآلاف إحتجاجا على ظروف العمل اللاإنسانية ولم يتراجعن الى حين تشكيل أول نقابة نسائية لعاملات النسيج في أمريكا. واليوم بعد مرور ما يزيد عن القرن والنصف على هذه الواقعة، يستمر نضال المرأة عموماً والعاملة خصوصاً لإثبات وجودها ككائن كامل قادر على الإنتاج والإبداع وكمحرك للإقتصاد وبالتالي فإنها تستحق أن تتمتع بحقوقها المادية والمعنوية كاملة أسوة بالرجل.

وفيما انشغل الكثيرون بإبراز الجانب الاحتفالي لهذا النهار في ظل السلطة الحاكمة ومن دون أي تفكر أو مراجعة للذات، نظمت نقابة عاملات وعمال المنازل بالتعاون مع الاتحاد الوطني للنقابات احتفالاً هو بمثابة خرق للسائد وذلك في صالات rest palaceفي منطقة الكولا وذلك لتثبيت حقوق هؤلاء بتنظيم نقابة وللتخفيف من معاناتهن. 
 
على وقع الأغاني الشعبية لبلادهن استقبلت قاعة الإحتفال العاملات من جنسيات مختلفة ممن استطعن الحصول على إجازة في هذا النهار. حضرن بأبهى حلّة، إرتدين أجمل الملابس وقمن بأحلى التسريحات، دون أن تغفل أحداهن أن توشح نفسها بعلم نقابة عاملات وعمال المنازل وذلك تأكيداً على قيام هذه النقابة ومباشرة عملها رغماً عن أنف المعارضين. فمسيرة النضال مستمرة الى حين الوصول الى إطار قانوني يضمن تحصيل حقوق العاملة ضد أي ظلم يقع بحقها. بداية الحفل كانت مع النشيد الوطني اللبناني، وكان لافتاً قيام العاملات الأجنبيات في تأدية النشيد، اظهارا لمشاعر انتماء معينة الى هذا البلد.

ثم كانت كلمة لرئيسة اتحاد عاملات المنازل مريم المصري اعتبرت فيها ان عاملة المنزل مازالت تعاني في ظل قانون عمل يحرمها من أبسط حقوقها وقالت: "يستكثرون علينا انشاء نقابة لتكون سلاحاً بيدنا لرفع الصوت في وجه من يخرق القانون. مأساتنا كبيرة والظلم أكبر والتعدي علينا مرفوض ولن نسمح بعد اليوم بعدم تطبيق قانون العمل وغيرها من القوانين ولن نكون مجدداً من المظلومات". بدوره ألقى رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين كاسترو عبدالله كلمة في المناسبة فقال:"نحن اليوم وفي العام 2015 مازال هناك في لبنان هذه الجمهورية العريقة التي تتغنى بالديمقراطية والحضارة، من يتحدث بلغة عنصرية وينادي بحرمان العمال والعاملات في المنازل من حقوقهم". وتابع: "مازال قانون العمل متخلفا فيما تاريخنا وحضارتنا لا يسمحان بذلك. من هنا أود أن أوجه رسالة الى الذين يعيقون عمل العاملات ويحاولون اللعب بمصيرهن أننا اليوم نحتفل بمناسبة الثامن من آذار فإنتبهوا الى معاني هذا التاريخ". وأضاف: "مازل البعض يطلق التصريحات والبيانات بأن هذه النقابة لم تُعطَ بعد ترخيصاُ ولكننا نقول لهم أنه سوف يأتي الوقت الذي سنقول فيه أننا لسنا بحاجة الى ترخيصكم، فالناس المشاركون في الحفل واللذين لم يستطيعوا الحضور أيضاً هم الذين يمنحون النقابة الشرعية". وختم قائلاً: "حضروا حالكم للاول من أيار وللنزول الى الشارع في حال لم يتم التوقيع على الموافقة بتشكيل نقابة".

كانت السعادة بادية على وجوه الجميع فناهيك عن معاني وأهداف الإحتفال العملية، فإنه قد أتاح من دون شك فرصة للعاملات للتلاقي وتبادل أطراف الحديث والإحتفال معاً، بيوم يكرس نضالهن الطويل. فالعاملة الاجنبية هي الأم والأخت والابنة التي تشقى في بلاد الإغتراب حتى تعيل عائلتها وتؤمن لها مستوى معيشة أفضل. وقد عبّرن من خلال الرقص على انغام بلادهن عن ارادة بالتحرر من كل الضغط النفسي والإرهاق الجسدي اللواتي يشعرن به.

وكما كانت الفرصة متاحة للتعبير الجسدي واللهو، كانت فرصة أيضاً لتأكيد مسار النضال في سبيل تحقيق أهداف واضحة ومحددة منها إعادة صياغة العمل على قضيتهن والسعي الى بلورة خطة عمل وطنية من اجل الدفاع عن مصالحهن من خلال التنظيم النقابي الكفيل في ضمان التصدي للإنتهاكات التي يتعرضن لها وتعديل قانون العمل.

وفي هذا السياق، تحدثت مريم من أثيوبيا: "لقد وضعنا عدة أهداف لتطوير عمل النقابة وان السعي الى تحقيقها يمنحنا دعماً معنويا كبيراً. نحن بحاجة اولاً الى الإطلاع على قانون العمل حتى نعرف حقوقنا وواجباتنا وكيف نتصرف. من هنا، نأمل مساعدتنا بتأمينمحام يقدم لنا الاستشارة القانونية اللازمة. كذلك نحتاج الى وجود مكتب خاص بالعاملات فيه أشخاص قادرون على الترجمة لمعرفة مضمون عقود العمل قبل التوقيع عليها".

أما روز مايا ليمبو من النيبال فرأت ان هدفهم  مضاعفة عدد العمال المنتسبين للنقابة الى ما يزيد عن 700 شخص وقالت:"نحتاج الى تأمين كامل الدعم المادي والمعنوي من اجل الإعلان عن النقابة فهناك العديد من العاملات اللواتي يجهلن حتى الآن وجود النقابة، وان ما يضمن هذا الدعم ويقوم بتفعيله هو الإبقاء على وحدتنا داخل النقابة".

لكن على الرغم من أن عمل النقابة يسير بخطى بطيئة نسبياً تتمتع الى حد كبير بالثبات، الاّ ان ذلك لا يمنع أن تبقى هذه النقابة قشة الخلاص التي تتعلق بها العاملات ويزيدهن إصراراً وعزيمة لاسيما في يوم انتزعته المرأة من العالم بالدم والصمود.

تجد ليلي من مدغشقر ان اليوم العالمي للمراة مهم جداً لانه يعطي المرأة قيمة ويظهر ان لديها حقوقاً يجب ان تعطى لها وقالت: "ان للمراة دور هام في المجتمع ويجب إظهاره والتأكيد أمام العالم أنها كائن كامل لديها عقل يفكر وهي تستطيع القيام بكل شيء مثل الرجل".
تابعت: "ان اهمية هذا اليوم تكمن في انه يتم تقدير المرأة التي يجب ان تشغل مكانها الصحيح الملائم  لقدرتها وكفاءتها. أما فيما خص العاملات المنزليات، فإننا بقينا لمدة طويلة لا نعامل ككائنات حية وغنما كأننا أشياء أو ممتلكات خاصة يحملونها أينما ذهبوا وعندما لا يعودون بحاجة الينا يعيدوننا الى بلادنا. فيما في الواقع نحن كعاملات منازل لدينا مهنة مثل باقي المهن ونسهم بشكل او بآخر بالإقتصاد الوطني. ومثلاً على سبيل المثال لولا وجود العاملة لما استطاعت ربة المنزل ترك بيتها وأولادها للعمل خارجاً. من هنا، نستحق أن يقدروننا على حقيقة ما نعطيه.  ولعل وجود النقابة سيساعدنا في تحصيل حقوقنا وفي إظهار أننا موجودون في هذا البلد وأنه يجب أن يحترموننا، فهم بحاجة لنا كما نحن بحاجة الى أموالهم". وختمت قائلة: "في الماضي، كان الناس يتجاهلون وجودنا. أما اليوم، في ظل وجود النقابة، باتوا يروننا ولا يمكنهم تجاهلنا لأن وجودنا مهم لهم. فتخيل لو لم نكن موجودين في لبنان. من هنا نريد أن يعتبروننا كائنات بشرية كاملة لدينا حقوق مثلما علينا واجبات".

وقد كان للمفكرة القانونية  حديث مع كاسترو عبدالله على هامش الإحتفال رأى فيه أن: "الهدف من تنظيم هذا الحفل هو تكريس حق العاملات في المنازل بالإحتفال باليوم العالمي للمرأة، كما انه يسهم بتقريب الأواصر بين الشعب اللبناني وبينهن. ومن خلال هذا التفاعل نستطيع ان نوصل للعالم أجمع ان اللبنانيين ليسوا عنصريين كما يروج عنهم وأن وجود بعض العنصريين لا يجوز ان يصبغ كافة المواطنين بنفس الصبغة، كما أن الهدف الرئيس في هكذا يوم هو التأكيد على إحترام حقوق الإنسان عموما والمرأة خصوصاً مهما كانت جنسيتها ولونها ودينها".

ورداً على سؤال ان كانت الغاية من هذا الإحتفال هو تحدي من يرفض الإعتراف بتشكيل نقابة عاملات وعمال المنازل أجاب: "نحن لسنا بوارد تحدي أحد، إنما نقول بأن هذا المولود قد أبصر النور ولم يعد بمقدور أحد أن يقتله ونحن نعتبر نفسنا "ام الصبي" في هذا السياق، لذا سوف ندافع عنه حتى يكبر ويأخذ دوره في المجتمع. اما من يرفض اليوم هذه النقابة، فمع الوقت سيرضى بها".

يشار الى أن وزير العمل سجعان قزي أطل عبر شاشة الجديد ضمن برنامج "الأسبوع في ساعة" بتاريخ 8/3/2015 ليؤكد إصراره التام على عدم منح موافقته لتشكيل نقابة للعمال والعاملات المنزليات، رافضاً فكرة وجود عمال لبنانيين من بين أعضاء  النقابة، ومصرا على كون جميع مؤسسي النقابة أجنبيات، وهو أمر يحظره القانون (حسب الوزير). وكان وزير العمل أبدى حرصه على حقوق العمال الاجانب وارسل التهديدات قبل اعلان قيام النقابة بتاريخ 25/1/2015 بامكانية ملاحقة المشاركين فيها قانونا.

بهذا المعنى، وفي هذا السياق، شكلت احتفالية نقابة عاملات المنازل خرقا حقيقيا في احتفالية غلبت عليها معالم المجاملة والمدالسة والتهانئ المتبادلة، من دون أي تفكر بالانتهاكات التي تتعرض لها المرأة أو القيام بمراجعة ذاتية.   

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية