نقابة الأطباء في الشمال تشكو المستشفيات والدولة والجهات الضامنة: “حقوقنا أو الهجرة”


2021-04-13    |   

نقابة الأطباء في الشمال تشكو المستشفيات والدولة والجهات الضامنة: “حقوقنا أو الهجرة”
المؤتمر الصحافي لنقابة الأطباء في الشمال

“اثنان من أعضاء مجلس النقابة هاجرا، وآخران يستعدان للحاق بهما”، ذلك أنّ طريق التطوّر المهني مسدود، وليس هناك أفق للحل في ظل “صمود تركيبة الفساد”، والحصار المالي الخانق، هذا ما نعرفه من نقيب الأطباء في طرابلس سليم أبي صالح في تصريح لـ”المفكرة القانونية” على هامش مؤتمر صحافي لنقابة الأطباء في طرابلس عقد أمس الاثنين 12 نيسان. 

رسائل في أكثر من اتّجاه تضمّنها المؤتمر يمكن اختصارها بـ “الإنصاف أو الهجرة”. فالأطباء يشعرون بوجود مخطّط لوضع المواطن والطبيب في وجه بعضهما البعض، حيث تحاول الدولة والجهات الضامنة التملّص من واجباتها، وتحميل الطبيب مسؤولية فشل المنظومة الطبية، وإنهاك القطاع الطبي.

المؤتمر والحضور الخجول 

أرخت جائحة كورونا بظلالها على المؤتمر الصحافي الذي عقدته نقابة الأطباء في لبنان – فرع طرابلس، حيث لوحظ الحضور المحدود للكوادر المهنية، حيث اقتصر على مجموعة من الأطباء وبعض موظفي النقابة. انطلق النقيب أبي صالح من تشخيص عام لأزمة النظام في لبنان، معتبراً أنّ ما يعانيه القطاع الصحّي هو امتداد لما يُعانية لبنان على الأصعدة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتربوية، مؤكّداً أنّ “المنظومة السياسية الفاسدة، وكذلك المصرفية، لم تستجب للنداءات المتكرّرة التي وجّهتها الجهات النقابية”. كما تحدّث عن “أكبر عملية نصب في التاريخ”، من خلال مصادرة المافيا الحاكمة لودائع اللبنانيين بمن فيهم الأطباء، مطالباً بتحرير ودائعهم لدى المصارف، وصولاً إلى توزيع خسائر عادلة بين كافة القطاعات، وعدم اقتصارها على سياسة تحميل الأعباء لمحدودي الدخل، في مقابل السماح للنافذين بتهريب الأموال إلى الخارج.  

ولفت أبي صالح إلى مباغتة جائحة كورونا للقطاع الصحي والطبي، فلبنان لم يكن مستعدّاً للمواجهة. واختصر النداء بأنّ “الجسم الطبي لم يعد قادراً على الاستمرار والتحمّل في ظلّ غياب مقوّمات الصمود المادي والمعنوي”، متحدثاً عن خيارين أحلاهما مُر، إما “تعديل تعرفة الأتعاب والمعاينات الطبية في العيادات الخاصة لتصبح 210 آلاف ليرة”، أو”هجرة معظم الجسم الطبي صاحب الكفاءة إلى الخارج”. 

وكشف أبي صالح أنّ 75% من الأطباء المنتسبين لنقابة طرابلس، لا يتجاوز دخلهم الشهري مليوني ليرة لبنانية، أي حوالي 150 دولار أميركي على سعر الصرف الحالي، كما أنّ “أكثر من ألف طبيب في لبنان غادروا البلاد منذ بداية الأزمة”.    

حزمة قوانين

تضمّنت “صرخة الأطباء” المطالبة بإقرار مجموعة من القوانين، بلغ بعضها عتبة الهيئة العامّة لمجلس النواب. فقد ألحّ أبي صالح على ضرورة “إقرار القانون القاضي بمساواة ضحايا الطواقم الطبية بسبب جائحة كورونا بشهداء الجيش اللبناني”، وكذلك “إقرار القانون القاضي بحماية الأطباء والممرضين والمؤسسات الطبية من الاعتداءات الجسدية واللفظية وتشديد العقوبات على مرتكبيها”، و”منح الطبيب المتقاعد الحق بالضمان الصحي والاجتماعي”. 

كما تضمّنت المطالبات قضية أساسية تمثّلت في “تطبيق قانون فصل أتعاب الأطباء عن فاتورة المستشفيات لدى كافة المؤسّسات الضامنة”، بالإضافة إلى توحيد الملف الطبي لمرضى كورونا، وتطبيق الاتفاقيات بين الجهات الضامنة ونقابات الأطباء والتي تتضمن “دفع أتعاب الأطباء خلال فترة الثلاثة أشهر”، وصولاً إلى الدفع الفوري لأتعاب الأطبّاء عن عامي 2019  و2020 والمصالحات العائدة للسنوات العشر سنوات الماضية. 

الخدمات الطبية مرشّحة للتدهور

أمام “تبشير” القطاعات الطبية والصحية بقرب الانهيار، تفرض مجموعة أسئلة في مقدّمها “نوعية العلاج التي يحصل عليها المريض” نفسه على طاولة البحث. ويقرّ النقيب سليم أبي صالح في حديث لـ”المفكرة القانونية” بأنّ “الهجرة تطاول أصحاب الكفاءات، والخبراء، والأطباء الجدد، كما أنها تطال الشريحة العمرية الوسيطة بين الخرّيجين والأطبّاء المتقدمين بالسن”، لافتاً إلى تأثير ذلك على الخدمات الطبية ومستوياتها، و”بدأنا نعاني نقصاً وانخفاضاً هائلاً في أعداد أطبّاء بعض الاختصاصات التي تحتاجها المستشفيات في ظل أزمة كورونا، أطباء البنج والتخدير، وأطباء العناية الفائقة، وأطباء الأشعة، وأطباء الأمراض الجرثومية، وأطباء الصدر والرئتين”. هذا الأمر، برأي النقيب سيقود إلى “تدهور الخدمات الطبية”. 

أما فيما يتعلق بشعور الأطباء بالغبن مقارنة بوضعية المستشفيات، يجيب أبي صالح “علاقتنا بالمستشفيات، علاقة جدلية، لأن الطبيب الاختصاصي ليس موظفاً، وإنما هو شريك في إنتاج سلعة طبية”، ويستند إلى قانون المهن الطبية والمراسيم التي تؤكد على فصل أتعاب الطبيب عن المستشفى، للمطالبة بحقوقهم مستقلّة، لأنّه “تاريخياً كانت تأتي الأتعاب إلى المستشفيات، فيستحوذ عليها أصحاب المستشفيات ويحتجزونها لفترات طويلة”. 

ويكشف أبي صالح أنّ المستشفيات مدينة بمليارات الليرات للأطباء، معطياً مثلين اثنين، وهما  مستشفى في شمال لبنان مدين بستة مليارات ليرة للأطباء عندما كان الدولار بـ 1500 أي حوالي أربعة ملايين دولار، ومستشفى آخر مدين بمبلغ 3 مليارات و750 مليون ليرة لبنانية لأطبّائه، مؤكّداً أنّ ديون المستشفيات في منطقة الشمال تتجاوز 15 مليار ليرة لبنانية. 

ويشير أبي صالح إلى أنّ وزارة الصحة طبقت فصل الذمّة بين الأطباء والمستشفيات حيث ترسل حقوق الأطباء إلى حساباتهم المصرفية، إلا أن هذا الأمر لم ينسحب على باقي المؤسسات والجهات الضامنة التي ترفض ذلك بإستمرار رغم التطور التقني. 

عن إمكانية اللجوء إلى الإضراب لمواجهة المستشفيات والمؤسسات الضامنة التي تهضم حقوقهم، يعطي أبي صالح في إجابته الأولوية للشق الأخلاقي والإنساني في المهنة، لأنه في ظل جائحة كورونا “لا يمكن للأطباء الإضراب عن أقسام العناية”، وهذا الشعور الإنساني يتم استغلاله ضد مصالح الأطباء، معتقداً أنّه “عندما يطفح الكيل، قد يصل الأطباء إلى الخيار الصعب”. ويتحدّث نقيب الأطباء في طرابلس عن وعود تلقاها الأطباء بقبض أتعابهم عند رأس السنة 2021 ولكن مع الدخول بالشهر الرابع، لم يتقاضَ الأطباء أي شيء عن عامي 2020 و 2019. 

أمن الطبيب في خطر

خلال الفترة الأخيرة، تزايد منسوب الخطر الذي طاول الأطباء في المستشفيات وأقسام الطوارئ. وتعدّدت الأشكال من التهديد المعنوي، إلى الاعتداء الجسدي. يؤكد أبي صالح لـ “المفكرة” أنّ “أمن الطبيب مهدّد بالفعل”، لافتاً إلى “أنّ هناك بعض الأطباء لم يعد بإمكانهم الدخول إلى المستشفيات”. ويوضح أنّه عندما يفتقد الطبيب العلاقة الموضوعية مع المريض، قد تتأثّر أحكامه، مطالباً بحمايته في أقسام الطوارئ لأنّه “ممنوع ممارسة مهنته تحت التهديد أو السلاح”. ينفي أبي صالح مقولة “تغطية النقابة للأطباء الذين يرتكبون أخطاء طبية”، لافتاً إلى أنّ “القانون أعطى المتضرّر الحق في طلب تشكيل لجنة طبية من خارج النقابات على نفقته، وكذلك طلب الخبرات من خارج لبنان، لذلك لديه الحق في الوصول إلى الحقيقة. كما أنّ نقابة الأطباء لا تغطّي المخالف للقانون، والتقارير الطبية التي تصدر عنها تتضمّن ختم النقابة، ويولّد ذلك مسؤولية أخلاقية ونقابية على عاتقها”.   

غسيل الكلى

على هامش المؤتمر الصحافي فرضت بعض المسائل نفسها على النقاش مع الأطباء، من بينها قضية “رفع تعرفة غسيل الكلى في المستشفيات”. يوضح دكتور رشاد علم الدين (نائب نقيب الأطباء)، أنّ رفع تعرفة جلسات الغسيل جاء بعد مطالبة نقابة المستشفيات ذلك، والضغط الذي مارسته لأجله، مشيراً إلى أنّ “جلسة الغسيل تحتاج إلى مستلزمات طبية يتمّ استيرادها وفق تعميم مصرف لبنان أي 85% من القيمة مدعومة، و15% يجب تأمينها من السوق الموازية وفق سعر الصرف اليومي”. أدى ذلك إلى رفع كلفة الفلاتر والمواد التي تستخدم، فأصبحت التعرفة القديمة 150 ألف ليرة غير كافية لتأمين النفقات، فجاءت زيادة 100 ألف ليرة إضافية لتغطية فرق ارتفاع الدولار. 

ويلفت علم الدين إلى أنّ رفع التعرفة جاء من جانب المستشفيات فقط، فيما لم يحصل الطبيب على أيّ زيادة، من دون أن تأخذ بعين الاعتبار تغيّر الوضع المعيشي. ويطالب علم الدين الجهات الضامنة بدفع حقوق الأطباء، وكذلك المستشفيات بعدم التأخير في دفع البدلات عن الطبابة والعمليات الخاصة. 

مرضى السرطان في خطر 

كما أثارت “المفكرة” قضية مرضى السرطان مع الطبيب جان الشيخ (طبيب في مستشفى الجامعة الأميركية) الذي يتخوّف على مستقبل القطاع الاستشفائي، وتحديداً على الفئات الأضعف الذين يشكّل مرضى السرطان معظمهم. ويشير إلى أنّ جائحة كورونا زادت من معاناتهم، كما أنّ الاستجابات لم تلحظ خصوصيتهم. 

ويؤكد الشيخ أنّه “لطالما عانى مرضى السرطان من أجل تأمين العلاج، ودفع الفروق المالية لدى المستشفيات التي لا تغطيها الجهات الضامنة”. 

وجاءت كورونا لتفاقم الأزمة، ولم يحظَ هؤلاء بـأولوية الحصول على اللقاح، موضحاً أن استراتيجية وزارة الصحة تتعامل معهم حسب فئتهم العمرية ناقص عشر سنوات، فعلى سبيل المثال يُعطى مريض السرطان البالغ 55 عاماً اللقاح مع البالغين 65 سنة من الفئات العادية،  إلّا أن هذا غير كافي لأن جميع مرضى السرطان يعيشون مخاطر مضاعفة”.   

كما يكشف د. جان الشيخ أنّ “المستشفيات بدأت تمتنع عن إجراء بعض الفحوص المكلفة بسبب النقص في بعض المواد والمستلزمات المخبرية للفحوص الجينية، وبدأت ترسلها إلى الخارج من أجل إجراءها على نفقة المريض وبأسعار عالية”.  

إحياء طبابة الفقراء  

ينتقد الطبيب مارسيل حاوي “الجشع غير الطبيعي لدى بعض الأطباء”، مشدداً على أنه “لا يجب على الطبيب الحصول على دخل 20 ألف دولار من أجل ممارسة مهنته”. ويشير إلى أنّ “البلد يغرق، والناس تفتقر للطعام والدواء، وعلى الأطباء أن يستشعروا آلام الضعفاء والمحتاجين”.

وفي كواليس النقابة حضرت النقمة على “تبعية بعض الأطباء للجهات السياسية”، فتحدث حاوي عن “نقص الكرامة لدى البعض ممن يتكلون على الزعيم السياسي لتسديد رسومهم واشتراكاتهم، التي تبلغ حوالي 700 ألف ليرة”، رافضاً التعامل مع الأطباء على مبدأ “كم رأس؟” من أجل صرفها في صندوق الانتخابات النقابية.   

في المحصلة، مجموعة رسائل يود الأطباء توجيهها في ظل غرق القارب، أوّلها إلى المستشفيات المطالبة بـ”الشراكة الفعلية”، وثانيها إلى السلطة لممارسة واجبها بـ”الحماية والأمان”، وآخرها إلى الجهات الضامنة مفادها أنّ “البدلات حق وليست منّة”. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

حقوق العمال والنقابات ، سياسات عامة ، عمل ونقابات ، قطاع خاص ، لبنان ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، نقابات



لتعليقاتكم