نظام طرابلس الزبائني في زمن الكورونا: مختبر ينبئ بمستقبل النظام السياسي في لبنان؟


2020-09-22    |   

نظام طرابلس الزبائني في زمن الكورونا: مختبر ينبئ بمستقبل النظام السياسي في لبنان؟

هذا المقال أُنجز في أوائل شهر آب الماضي. وقد أخّرنا نشره تبعاً لانفجار المرفأ. منذ ذلك الحين، ازدادت حدّة الأزمة الاجتماعية والسياسية ومعها حدّة الفقر في طرابلس ومناطق عدّة من لبنان. وقد ارتأينا اليوم أن يتم نشره ليقرأ على وقع مأساة “قوارب الموت” التي تبحر انطلاقا من ميناء طرابلس هربا من مذلة الفقر والعوز (المحرر).

من النظرة الأولى، لا يبدو مشهد سوق العطارين في مدينة طرابلس مختلفاً في زمن الكورونا عمّا كان عليه من قبل. حركة المارة خانقة، يعرقلها مرور بعض الدراجات النارية، أصوات تجار الخضرة تتنافس في جذب زبائن بأسعار “مغرية”، وصوَر لزعماء المدينة تلاشت ألوانها بفعل مرور الزمن، تشرف على المشهد وكأنها تؤشر إلى مباركة الزعيم لحياة السكان اليومية. ولكن لا يستغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى يلاحظ المراقب تشققات في هذا المشهد، تكشف الستار عن مدينة مرّت عليها جائحة زادت من معاناتها المعيشية. يرتدي قلّة من الأفراد الكمامات، مما يذكر بوجود وباء خطف اهتمام العالم أكمله، فيما تُظهر دردشات التجار معاناتهم من جراء الأزمة الاقتصادية التي تخنق البلاد. كما يُلحظ في السوق بعض المساحات التي خلت من تدافع الزبائن، وهي محلات اللحمة والدواجن التي نادراً ما يقترب منها أحد، وفي حال فعل، يعود ليبتعد وملامح وجهه تعكس صدمته حيال الأسعار الجنونية.

أتت جائحة الكورونا إلى لبنان في وقت كانت تشهد فيه البلاد تغيّرات في المشهدين السياسي والإقتصادي، وبخاصة تبعا لانتفاضة 17 تشرين. ولم تستثنَ عاصمة الشمال طرابلس، المعروفة بلقبها المستجدّ “عروس الثورة”، من هذه التغيّرات. فقد أدّى اشتداد الأزمة الإقتصادية، معطوفا على انتشار جائحة كورونا، إلى تحوّلات عميقة في العلاقات الاجتماعية، وتحديداً في العلاقات والشبكات الزبائنية الطرابلسية التي تهمنا في هذا المقال، وهي تحوّلات طالت العقد الذي كان قائما بين الزعماء و”زبائنهم” منذ نهاية الحرب اللبنانية في 1990. ونسعى في هذه المقالة إلى عرض العوامل التي مهّدت لتغيّر طبيعة العلاقة بين الزعيم و”زبائنه” في طرابلس، لنحاول من ثم فهم شروط العلاقة الجديدة، لا سيما في ظل تزعزع الثقة والإلتزام بين الطرفين.

وقد اخترنا التعمق في حالة طرابلس، لأنّ المدينة تشكّل نقطة تلاقٍ بين ميزات جوهرية في المعادلة اللبنانية وهي على التوالي : نسبة فقر مرتفعة، نظام زبائني متشعّب، ونشاط ملفت في إنتفاضة 17 تشرين الأول 2019. وإذ نعلم أنّ الشبكة الزبائنية الطرابلسية تمتدّ إلى كافّة الطبقات الإجتماعية في المدينة، كما يختلف شكلها بين طبقة وأخرى، سينحصر بحثنا بشأن الطبقات الأكثر فقراً، عبر مقابلات أجريناها مع سكان من أحياء محرومة ونشطاء من المدينة.

“ما في كورونا بطرابلس”: الوجه الجديد لحذر المدينة من الدولة

لم يرَ السّكان الذين قابلناهم الكورونا كخطر صحّي: “نحنا قد ما آكلين جراثيم ما منتأثر بالكورونا”[1]. عبّر خالد بنبرة ساخرة عن استهزائه بحظر التجوّل الذي فُرض: “شو لأن الرطوبة أعلى عشية وبتنتشر الكورونا أكتر؟” ليجهش بالضحك. انطلاقاً من هذه النظرة للوباء، رأى عدد من السكان الكورونا والتدابير المتعلقة بها على أنها أداة سياسية بامتياز تستخدمها السلطة كحجّة لقمع المظاهرات. “صرت حسّ الأرقام كذب… بس نزلوا الثوار بدهم يقطعوا الطريق قال صار في بنفس النهار فجأة 50 حالة كورونا على الأخبار! 50! ما مبارح كانوا صفر بس نزلوا الثوار صاروا خمسين؟ حلّوا عنَا، عم تضحكوا علينا”.

في بحثه حول حيّ باب التبانة، يجادل الباحث الفرنسي الراحل ميشال سورات أن هذا الحذر من الدولة قديم في طرابلس، وله أسباب بنيوية. يشرح سورات أن طرابلس كانت مدينة تنعم باكتفاء ذاتي، تتميّز بنموها الإقتصادي والثقافي، إلى أن تمّ دمجها في “إطار وطني” مع إعلان دولة لبنان الكبير[2]. فمن جهة، اعتبرت طرابلس أن الدولة اللبنانية تم إنشاؤها من قبل الغرب الذي أراد أن يفرض على الإسلام نموذج “التحديث السياسي” الخاص به[3]. ومن جهة أخرى، رفضت طرابلس فكرة الدولة في المطلق كونها كياناً يساهم بتقسيم أمّة المؤمنين[4]. ويبقى هذا الحذر إزاء الدولة عاملاً أساسياً لفهم ريبة الطرابلسيين إزاء الإجراءات المتخذة لمواجهة “الوباء”، ولكن أيضا لاستشراف التطورات المحتملة للمشهد الطرابلسي والتي سنتناولها في خاتمة هذه المقالة.

الكورونا والأزمة الإقتصادية تمهّدان لتحوّلات في الزبائنية الطرابلسية

يرتكز النظام الزبائني على شبكة خدمات يقدّمها الزعيم لسكان طرابلس وتصبّ في خدمة حاجاتهم المعيشية، وذلك لقاء دعمهم السياسي. ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية في زمن الكورونا، اضطرب النظام هذا، حيث ازدادت حاجات السكان في موازاة انحسار قدرة الشبكة الزبائنية على تقديم الخدمات.

 

كورونا تزيد “الطين بلّة” وتزيد من حاجات الطرابلسيين المعيشية

زادت كورونا والتدابير الحكومية المتعلقة بها من تدهور الوضع الإقتصادي في المدينة. فالجائحة أدت إلى مفاقمة الإنكماش اقتصادي الذي تعاني طرابلس منه بشكل حادّ أصلاً ـ بكلام آخر “زاد موضوع كورونا الطين بلّة”. “الدولة ما عوّضت للناس وما أعطتهم شيء بالمقابل، إنه إنت ما تنزل على الشارع كرمال كورونا بس كيف بدي عيش؟” كان تعليق ماهر. وفي حيّ المنكوبين “كلّه بيشتغل يومي، طيّب أنا قعدت بالبيت كيف بدّي آكل وأشرب، كيف بدّي إدفع أجار البيت والإشتراك والميّ؟”. ووسط غلاء الأسعار وإغلاق عدد من المحلات، برزت تداعيات الأزمة على حياة الطرابلسيين الإجتماعية. وبالنسبة لمدينة تتميّز بالعلاقات الإجتماعية النشيطة بين سكانها، لم يأتِ الإعتراف بهذه التداعيات بسهولة. فبالرغم من نفي هذا الأمر خلال المقابلات، ظهرت خلال الحديث آثار الأزمة على أسس حياة طرابلس الإجتماعية. تأثرت إمكانية السكان بالخروج والإختلاط، لا سيما تدخين النرجيلة في المقاهي:”كانوا يلتقون الشباب بعد الشغل بالقهاوي… الأسعار غليت يعني مثلاً الأرغيلة كانت بـ5000 صارت حوالي 10000 العالم مش قادرة بقى تجي تاخد أرغيلة وتصرف هلقد”[5]. وأفاد أحد تجار الخضرة في سوق باب التبانة وهو يشير بأصبعه إلى السوق شبه الفارغة ” هيدا سوق خضرا؟ كان السوق ما يفضى، هيدا السوق ما كان يفضى ليل نهار، تعا الصبح ما فيك تحط إجرك. هلق ما في حدا”. كما أصبح السكان يمتنعون عن شراء عدد من المواد الغذائية لا سيما اللحمة نظراً للغلاء: “حدا بياكل فاصوليا بالصيفية؟ ومن دون لحمة!”[6]. وفي ظلّ هذا التدهور في حياة الطرابلسيين الإقتصادية والإجتماعية، زادت حاجات هؤلاء حيث لم تعد الخدمات التي كان يقدمها الزعيم عادةً كافية لتلبيتها. فأبعد من الخدمات الصحية التقليدية، أصبح أمن السكان الغذائي على المحك.

الأزمة الإقتصادية تضعف قدرة شبكة الزعماء الزبائنية

منذ 1990، لم يتمكن أي طرف سياسي أن يفرض نفسه كممثّل أوحد لمصالح عاصمة الشمال، فتقسّم المشهد السياسي بين كل من زعماء تقليديين كآل كرامي وأصحاب أعمال كمحمد الصفدي ونجيب ميقاتي[7] وآل الحريري. وقد استغلّ الزعماء غياب أي شبكة حماية اجتماعيّة تؤمّنها الدولة[8] ليرسّخوا فكرة “الدولة الغائبة” التي يجهدون لأداء وظائفها[9] عبر شبكاتهم الزبائنية. فسّر خالد، وهو مقرّب من الشبكة هذه في طرابلس، سير عملها والشكل الذي تتخذه. في طرابلس ترتكز الخدمات الزبائنية على الطبابة والإستشفاء[10]. تُقدّم خدمات أخرى في ظروف استثنائية كتوزيع حصص غذائية وثياب خلال فترة رمضان ورشوات مالية خلال فترة الإنتخابات، ولكن يبقى الثقل الأكبر لخدمات “الصحة” التي تقدَّم عبر ثلاثة طرق[11]. أولاً، لكل زعيم مكتب خدمات يعمل تحته عدد من الوكلاء من أهل مختلف الأحياء، وهم صلة الوصل مع السكان. فيطلب هؤلاء السكان من الوكلاء تغطية قسم من تكلفة الإستشفاء، علماً أن كل زعيم “يتعامل” مع مستشفى معينة في طرابلس. وبعدما ينال الوكيل موافقة المكتب، تتم تغطية قسم من الكلفة عبر موارد وزارة الصحة في غالب الأحيان، ونادراً من أموال الزعيم الشخصية. ثانياً، لكل زعيم مستوصفات منتشرة في المدينة تقدّم خدمات صحيّة مثل مستوصفات “العزم والسعادة” التابعة لنجيب ميقاتي و”مستوصفات الكرامة” التابعة لآل كرامي. وثالثاً، يقوم الزعيم بتمويل بعض الجمعيات الأهلية الناشطة في طرابلس في الغالب من خلال وزارة الشؤون الإجتماعية، فتكون الخدمة الزبائنية غير مباشرة.

أتت الأزمة الإقتصادية لتضعف القطاع الصحي ومعه تلقائياً قدرة الشبكة الزبائنية الطرابلسية التي تعتمد بشكل أساسي عليه. بالإضافة إلى انخفاض موارد مؤسسات الدولة وضمنها وزارة الصحة، يشهد لبنان اليوم انهيار قطاعه الصحي وهو انهيار بدأ مع صعوبة تأمين الدولار لاستيراد الأدوات والمستلزمات الطبية للمستشفيات والمراكز الطبية ومن ثمّ لاستيراد أدوات الوقاية الطبية في ظل الجائحة. كما شهدت البلاد انقطاع عدد من الأدوية المهمّة في السوق خلال الشهر الماضي. بحسب أحمد، أحد سكان المنكوبين الذي يعتبر نفسه مناصرا لفيصل كرامي الذي أمّن له كلفة الإستشفاء عبر وزارة الصحة سابقاً، يستحيل على الزعماء أن يستمروا بتقديم هذه الخدمات التي باتت تنحصر اليوم وسط أزمة المستشفيات: “ما في حدا يكمّل بهيدا الموضوع (خدمات الإستشفاء)، المستشفى الإسلامي ما بقى فيها دوا ولا أطباء والمستشفى الحكومي نفس الشيء، البلد على انهيار، الخدمات خافّة كتير… إذا بدك راسّور (دعامة قلب) ما بقا في، أصلاً راسّور ما بقا في بالمستشفيات والوزارة”. فكيف لنظام زبائني أن يقدم خدمات استشفاء وسط أزمة في القطاع الصحي ناتجة عن أزمة إقتصادية؟ “منهم قادرين (زعماء طرابلس) يعطوا متل قبل لأن الإقتصاد عم ينهار والنظام الإقتصادي أكبر منهم كلياتهم”[12].

 

أسس العلاقة الزبائنية ضحية الوباء: لا ثقة ولا التزام

من أجل التعمق بالتحولّات في العلاقة بين الزعيم و”الزبون”، يجدر تجاوز الأحكام القيمية للزبائنية والتي تضعها في خانة الشذوذ السياسي[13] أو “التخّلف”، ومقاربتها كأحد نماذج تنظيم حياة مجتمع تُبنى على أساس علاقات معينة، كسائر العلاقات الاجتماعية بين طرفين، تنظمها خصائص ومبادئ.

من جهة، يكشف عملنا الميداني أن علاقة الإلتزام بين الزعيم والزبون، أي إلتزام طرف بواجبه تجاه الطرف الآخر، تزعزعت في زمن كورونا. ورد في بعض المقابلات أن هناك عتباً على الزعماء كونهم لا يؤدّون الواجب الذي يفرضه العقد الزبائني عليهم، أي تقديم المساعدات، مع تفاقم الأزمة وتردّي الأوضاع المعيشية. “عندك الصفدي مثلاً معروف أنه غني على مستوى لبنان، نجيب مقاتي كمان، لازم يكون دورهم أكبر بالفترة هيدي” كان تعليق أحد سكان حيّ أبو سمراء. “السياسيين ما فادونا بشي بالآخر بهيدي المرحلة الصعبة … من فترة أسبوع راحت المظاهرات أمام بيوت السياسيين متل أشرف ريفي ونجيب ميقاتي وقالولهم ما عم بتفيدونا بشي، إنه لازم يعملوا شي يغيّروا الوضع”. وأفاد أحمد من سكان المنكوبين أنه “في ناس لو مع الزعيم عم تنزل على الثورة وتقطع طريق وتحرق لأن جاعت، الزعيم ما عم يكفيهم”.

في عمله البحثي[14] حول مبادئ الزبائنية، يفسّر جان فرانسوا ميدار أنّ العلاقة الزبائنية هي علاقة واجب وإلتزام أخلاقي على عاتق الطرفين. وفي طرابلس تحديداً، علاقة الإلتزام هي أساس العلاقة بين زعماء المدينة وسكانها تعززها الخدمات المقدمة من قبل جمعيات الزعماء الخيرية[15]. من جهة الزعيم، هناك واجب تجاه “من هو أدنى منه”، واجب يتمثل بـ”فروض النبالة” (noblesse oblige)، يقابله من جهة أخرى واجب أو فروض الزبون بردّ الجميل[16]. ولكن يبدو من منظار “الزبائن” أن الزعماء تخلّوا عن واجبهم والتزامهم وسط الإنهيار المعيشي، ممّا يهدد العقد القائم بين الطرفين والذي يعود بالنسبة إلى البعض إلى 1990 أو حتى إلى ما قبلها (كما هي حال آل كرامي).

من جهة أخرى، تُبنى الروابط الزبائنية على الثقة بين الزعيم والزبون، فيجب أن يكون لكلا الطرفين ثقة بأن الطرف الآخر سيؤدي واجبه تجاهه أو سيوفي بوعده[17]. فعلى سبيل المثال، يؤدي الزعيم خدمات قبل الإنتخابات ويثق أن الزبون سيوفي بوعده تجاهه عند هذا الإستحقاق، أو يصوّت الزبون للزعيم قبل أن يحصل على الخدمات الموعودة، واثقاً أن الزعيم سيقدمها في مرحلة لاحقة. هذه هي الثقة التي تشهد تزعزعاً لدى الزعيم كما لدى الزبون.

فمن جهة الزعيم، يعتقد خالد أنّ عدداً كبيراً من السكان الذين ينتفعون من خدمات زعيمه لن يوفوا بوعدهم في الإنتخابات المقبلة ولن يصوّتوا له: “المال عم تغري الفقير، بس بس يجوا الإنتخابات رح ياخدوا (الزبائن) المال (المقدّم من الزعيم) بس بشك عدد كبير يصوتلهم”. وبحسب الناشط عبيدة تكريتي، فإن عدم ثقة الزعيم بمناصريه هي سبب عدم تقديم الزعماء مساعدات اليوم: “بدهم يعطوا للناس ليكسبوا ولاءات بس برأيي حالياً ما عندهم ناس يجيشوهم وراهم بالقدرة الخيالية اللي كانت موجودة قبل … مش حاسين (الزعماء) إنه قادرين ياخدوا ولاءات أي ناس فما رح يكونوا مهتمين يعطوا خدمات، ما رح يعملوها عمل خير يعني بحت”. ويمكن مقارنة مقاربة السياسيين هذه بالمشهد في مدينة صور مع حركة أمل.

فقد ورد في مقابلة أجرتها “المفكرة” في الأسابيع الأولى من الحجر الصحي مع أحد “كوادر” الحركة الذي ترك حزبه مع اندلاع الثورة: “ليه هلق مسكرين النواب البيوت وما بتسمع نفسهم؟ … أنا صرلي 40 سنة معهم بفهم، بيجوْعُوك بيِزِرْكوك بيِزِرْكوك آخر شي بيعطوك منفس صغير (حصة غذائية) بتقول خي ريحوني… ناطرين الناس تنحشر تنحشر بس ترفع صوتها الناس بنزلولهم مساعدات”. فهل الزعماء يراهنون على تفاقم الحاجة لدى جماهيرهم وبلوغها ذروتها قبلما توفي بـ”فروض النبالة” بعدما تزعزعت ثقتهم بزبائنهم؟

من جهة “الزبائن”، يفسّر عبيدة أن الثقة اهتزّت أيضاً: “الناس منها قادرة تصدق أي شيء بيقولوه (الزعماء)، وحتى لما بتشوف تحرّكات قدام بيوتهم يمكن يعطوا (الزعماء) مصاري لمناصرين أو لزعران يجوا يوقفوا ضد الثوار، هيدا بيدلّ إنه منهم حتى قادرين يجيبوا ناس يوقفوا بوجهم (الثوار)”. فلم يعد يثق المناصرون أنّ الزعيم سيوفي بوعده في المستقبل، ويفضّلون أنّ يحصلوا منه على الخدمة (المال في هذه الحالة) قبل أنّ يعبروا عن أي ولاء له. فمثلا، لا يعود تجمهرهم لحضور مناسبة يدعو إليها الزعيم من قبيل تحصيل حاصل بل يصبح مشروطاً بحصولهم على مقابل مالي بصورة مسبقة أو على الأقل فورية.

فكيف يتجلّى اضطراب علاقة الإلتزام والثقة بين الزعيم ومناصريه؟

نشهد هذا الإضطراب في المثال الذي تناولناه أعلاه أي مثال المناصرين الذين يشترطون الحصول على مبلغ ماليّ للتجمهر أمام منزل زعيمهم. ففي هذه الحالة، نرى أنهم ولئن لم يتخلّوا عن زعيمهم أو ينخرطوا في الثورة، إلا أن شروط العلاقة بينهم وبين هذا الأخير قد شهدت تغيّراً هامّاً تبعاً لتراجع الثقة والتمسك بندون الإكتفاء بالوعود.

كما نشهد هذا الإضطراب لدى فئة أخرى من الأفراد الذين لا يزالون ينتفعون من خدمات الزعيم ويقدمون وجه “المناصر” له، ويشاركون في تحركات الإنتفاضة، أي وجه “الثائر”: “في ناس بيقولولك نحنا ضدّ فلان وبينزلوا على مظاهرة ضد فلان، هنّي نفسهم بتلاقيهم بحشد لفلان بس يجي على طرابلس … الناس صار عندها وجهين، وجه للثورة ووجه للزعيم وخدماته.”[18] وقد يعود ذلك إلى خوف الطرابلسيين من التخلّي عن خدمات الزعيم، وكأنهم يريدون الإنضمام إلى الثورة مع الإحتفاظ بخطّ الرجعة في حال لم “تنجح” الثورة نظراً إلى حاجاتهم لخدماته. بحسب أحمد، “كل الناس قلبهم وروحهم مع الثورة، بس عم بضلوا إجر هون ونص إجر هونيك، فزعانين، العالم كلها حابّة التغيير، خايفين إنه هيدي الثورة ما تنجح لوين بدهم يرجعوا؟ بيكحشهم (الزعيم) ببطل يعطيهم”.

خلاصة

بعدما تزعزت مبادئ العقد القائم منذ أمد (وبخاصة بعد حرب 1975-1990) بين الطرابلسيين وزعمائهم، ونظراً إلى اشتداد الأزمة الإقتصادية، وانتشار الوباء، وازدياد الحاجات المعيشية، هل سينهار العقد الزبائني الطرابلسي كلياً؟ والأهم، ماذا سيحلّ محله في حال انهياره؟

إنطلاقاً من حذر سكان طرابلس المزمن إزاء الدولة والذي تطرّقنا إليه بداية، ومن انهيار ما تبقى من خدماتها في خضمّ الأزمة الحالية، قد يكون التنبّؤ ببروز الدولة على أنقاض الشكل الحالي للزعامة تسرُّعاً لا يخلو من اللغو. فهل هذا يعني أن طرابلس ستشهد أشكالا جديدة من الزبائنية والزعامات، أو بالأحرى أشكالا أخرى مبتكرة من التضامن الاجتماعي في المرحلة المقبلة، لم يختبرها لبنان بعد؟ فلنتابع.

[1] خالد، وكيل لأحد الزعماء في طرابلس، 18مقابلة مع “المفكرة”، 18/6/2020.

[2] Michel Seurat, “Le Quartier De Bâb-Tebbâné à Tripoli (Liban). Étude D’une ‘Asabiyya Urbaine,” in Syrie, L’État De Barbarie (PUF, 2012), pp. 235-284.

[3] المصدر أعلاه.

[4] المصدر أعلاه.

[5] ماهر، من سكان أبو سمراء، مقابلة مع “المفكرة”، 17/6/2020.

[6] أحمد، من سكان المنكوبين ومناصر لفيصل كرامة، مقابلة مع “المفكرة”،2/7/2020.

[7] Dewailly, Bruno, “Transformations du Leadership Tripolitain: Le Cas de Nagib Mikati” in Leaders et Partisans au Liban, edited by Frank Mermier (Karthala, 2012), 165-185.

[8] Dewailly, Bruno and Le Thomas, Catherine, Pauvreté et conditions socio‐économiques à Al‐Fayhâ’a: Diagnostic et éléments de stratégie, Agence Française de Développement (2009).

[9] لمى كرامة، “في صناعة الفقر وتغريبه: كيف تعاملت السلطات مع الفقر؟”، موقع “المفكرة”، 30/4/2020: https://www.legal-agenda.com/article.php?id=6776

[10] خالد، وكيل لأحد الزعماء في طرابلس، 18مقابلة مع “المفكرة”، 18/6/2020.

[11] تركيبة الشبكة الزبائنية هذه تعتمد من قبل عدّة زعماء في طرابلس بحسب خالد.

[12] عبيدة تكريتي، ناشط ومؤسس خيمة النقاشات “ساحة ومساحة”، مقابلة مع “المفكرة”، 3/7/2020.

[13] لقراءة المزيد: Jean-Louis Briquet, “Les Formulations Savantes d’Une Catégorie Politique. Le Clientélisme Et l’Interprétation Sociohistorique Du « Cas Italien »,” Genèses, no. 62 (2006): pp. 49-68.

[14] Medard, Jean-François. “Le rapport de clientèle : du phénomène social à l’analyse politique”. In: Revue française de science politique, 26ᵉ année, n°1, 1976. pp. 103-131.

[15] Dewailly, Bruno and Le Thomas, Catherine, Pauvreté et conditions socio‐économiques à Al‐Fayhâ’a : Diagnostic et éléments de stratégie, Agence Française de Développement (2009).

[16] Medard, Jean-François, op.cit.

[17] Allen Hicken, “Clientelism,” Annual Review of Political Science 14, no. 1 (2011): pp. 289-310, https://doi.org/10.1146/annurev.polisci.031908.220508.

[18] خالد، وكيل لأحد الزعماء في طرابلس، 18مقابلة مع “المفكرة”، 18/6/2020.

انشر المقال

متوفر خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، الحق في الصحة ، تحقيقات ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *