نسخة منقحة لاقتراح الكابيتال كونترول: الليلرة واللولرة لتحميل المودعين خسائر المصارف


2020-07-16    |   

نسخة منقحة لاقتراح الكابيتال كونترول: الليلرة واللولرة لتحميل المودعين خسائر المصارف

ظهر في وسائل التواصل الإجتماعية في 10/7/2020 نسخة منقحة لاقتراح قانون معجل مكرّر يرمي إلى وضع ضوابط استثنائية ومؤقتة على التحاويل المصرفية والسحوبات النقديّة (كابيتال كونترول)، يعتقد أنها نسخة منقحة للاقتراح الذي كان قدمه النواب ياسين جابر، سيمون أبي رميا وآلان عون في 20 أيار الماضي ونوقش في مجلس النوّاب في الجلسة المنعقدة في 28 منه[1].وهو  يندرج ضمن سلسلة من الإقتراحات سبق للمفكرة القانونية التعليق عليها. هذا وقد فرض الإقتراح كما يوحي إسمه قيودا على التحويلات إلى خارج لبنان عن كلّ الحسابات العائدة لعملاء المصارف العاملة في لبنان[2]، علما أنه أتى منعزلا عن أي سياسة أو مخطط عام حول إعادة هيكلة الدين أو المصارف.

وقبل المضي في شرح مضمون الإقتراح والتعليق عليه، يجدر التّذكير مجدّدا أن المصارف هي بحكم المتوقفة عن الدفع، طالما أنه لا يتوفّر لديها السيولة اللازمة لتسديد المودعين لديها، وأنه رغم ذلك يحتفظ مدراؤها بكامل صلاحياتهم من دون أن يوضع عليهم أي ضوابط لجهة التصرّف في أصول المصارف أو أصولهم الخاصة. وعليه، وفيما كان ينتظر أن يتدخّل المشرّع لتحميل الخسائر لإدارة المصارف التي أساءت إدارة المخاطر، تراه يتدخّل لوضع ضوابط على المودعين، مؤداها تحميلهم الجزء الأكبر من الخسائر وضمان مواصلة الممارسات التمييزية فيما بينهم،ـ كل ذلك في موازاة تعزيز صلاحيات المدراء بدل حصرها. كما يتدخل المشرع لفرض أولويات غير مبررة بالمصلحة الوطنية، أهمها تغليب مصالح دائني الخارج والتعليم والإستشفاء في الخارج على دائني الداخل والتعليم والإستشفاء في الداخل.

1- تحميل المودعين عبء الخسائر: الليلرة واللولرة

تضمن الإقتراح مجموعة من التدابير تؤدي عمليا إلى تحميل المودعين الجزء الأكبر من الخسائر. ومن أبرزها الليلرة (التي تقوم على حصر تسديد الودائع بالليرة اللبنانية) واللولرة أي مواصلة الممارسات التي من شأنها استمرار التعامل بالدولارات غير الطازجة بصورة حسابية وعلى نحو يؤدي إلى استمرار التعامل بعملة حسابية جديدة هي اللولار.

  • الليلرة

تضمن الإقتراح بندا صريحا مفاده “ليلرة الحسابات”، حيث ألزم المصارف بأن تتم مجمل السحوبات النقدية من الحسابات المصرفية كافة أيا كانت عملة هذه الحسابات، بما في ذلك حسابات الودائع الائتمانية وحسابات القيم المنقولة بجميع أنواعها، بالليرة اللبنانية، وضمن السقوف المحددّة من قبل مصرف لبنان من وقت الى آخر.[3] ولا يستثنى من ذلك إلا الأموال الجديدة التي وردت وترد إلى المصارف العاملة في لبنان لصالح عملائها من حسابات مصرفيّة خارج لبنان اعتباراً من تاريخ 17/10/2019 أو التي تودع نقدا في هذه الحسابات، على أن يُفتح لها حساب خاص لتمييزها عن سائر الودائع.

ويأتي الإشكال هنا إلى أن هذه الليلرة تتم من دون أن يتضمن الإقتراح أي مواد لتحديد قيمة صرف الليرة، وعلى نحو يجعلها مرادفا لقص الشعر. وهذا ما يتأتى من استمرار الممارسات الحالية وإيجاد أسواق موازية للعملة (1500 ل.ل، 3990 عند الصرافين المصنفين، وسعر صرف السوق السوداء).

  • اللولرة

لهذه الغاية، نصّ الإقتراح أنّ للشيك الصادر من مصرف على نفسه أو على مصرف آخر أو مصرف لبنان قوة إبرائية. ومن شأن هذا البند في حال إقراره تكريس ممارسة غير قانونية، تقوم على إيفاء الودائع بالعملة الصعبة عند مطالبة المصرف رسميا بها من خلال تسليم المودعين شيكا بقيمتها مسحوبا على مصرف لبنان، من دون أن يكون بإمكان المودع التصرّف بالشيك إلا من خلال إيداعه لدى مصرف لبناني آخر يعمد هو الآخر على احتجاز قيمته لأشهر ومع تطبيق الضوابط التي تنتهجها المصارف عادة على مجمل السحوبات من الودائع المصرفية. وتشكّل هذه الممارسة في عمقها حيلةً لإخفاء إفلاس المصارف وتوقّفها عن الدفع واصطناع قدرة على إيفاء قيمة الودائع رغم انعدام السيولة، وأيضا وسيلة للتخلص من الزبائن غير المرغوب فيهم عبر إقفال حساباتهم ومنحهم شيكات مصرفية مسحوبة على مصرف لبنان بقيمة ودائعهم.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه ليس في القانون اللبناني أيُّ نصّ يُلزم الدائن بأن يقبل إيفاء دينه بالشّيك[4]، وأنه على فرض أنّ الدائن قد قبل تسديد الدّين بموجب شيك، فإنّ الساحب لا يبرّئ ذمّته إلّا لحين قبض الشيك، الأمر الذي لم ولن يحصل فيما يتعلّق بجميع الشيكات التي تسحبها المصارف. فمصرف لبنان لا يقوم بتسديدها نقداً إلى حاملها، وباقي المصارف قد ترفض فتح حساب مصرفي جديد بموجبها وتعمد في مطلق الأحوال إلى تجميدها بعد استلامها لفترة طويلة، بخاصة عندما تكون بعملة الدولار الأميركي. وقد صدرت عدّة قرارات في هذا الإتجاه من بينها قرار عن قاض الأمور المستعجلة في بيروت بتاريخ 3 كانون الثاني 2020، جاء في متنه “أنّ إعادة فتح حساب مصرفي جديد بموجب الشيك المذكور بات بمطلق الأحوال شبه مستحيل بعدما عمدت غالبية المصارف في الآونة الأخيرة إلى رفض قبول طلبات تعاقد جديدة لا سيما بعملة الدولار”.. وإلّا (في حال قبول أيّ مصرف بفتح حساب بالدولار فإنّ ذلك) “يحصل ضمن شروط وقيود جدّ ضيّقة كشرط تجميد الوديعة لفترة ثلاثة أشهر، الأمر الذي من شأنه أن يدخل المدّعي في دوامة لا تنتهي من القيود على حقه بتحريك أمواله والتصرّف به. [5]

ومن شأن ممارستي الليلرة واللولرة أن تؤديا إلى تحميل المودعين عبء الخسائر بحيث يلزمهم بالرضوخ لشروط المصارف وما تفرضه من هيركات على كل سحب أو سقف لها، من دون إمكانيّة التحرّر منها من خلال سحب ودائعهم.

هذه النظرة كان انتقدها مدير عام وزارة المالية ألان بيفاني في خطاب استقالته في 29/6/2020 عندما أشار إلى أن “مهنة المصارف هي إدارة المخاطر ومن لم يحسن ذلك يجب أن يتحمّل الخسائر وأنّه يجب تحميل الخسائر للمساهمين قبل الدائنين وللدائنين قبل المودعين”.

2- الإجراءات التمييزية بين المودعين خدمة لمصالح خارجية

إذ يضع الإقتراح مبدأ منع التحويل من الحسابات في لبنان إلى الخارج، فإنه تضمن استثناءات عدة تؤدي عمليا إلى فتح الباب أمام التمييز بين المودعين، لجهة تمكين بعضهم من تحويل أموال إلى الخارج وفق معايير وسقوف معينة. ومن البيّن أنّ تمكين أيّ من المودعين من تحويل أموال إلى الخارج أن يؤدي إلى الإضرار بجميع المودعين الذين هم يرضخون لضوابط السّحب وفق ما تقدّم. وما يزيد من قابلية الأمر للإنتقاد هو عدم وضوح أسباب هذا التمييز الذي يصعب تبريره بمقتضيات المصلحة الوطنية. لا بل يلحظ أن الإستثناءات انتهت إلى تغليب مصالح الدائنين في الخارج والطلاب في الخارج على الداائنين أو الطلاب في الداخل.

وبالفعل، تضمن الإقتراح الإستثناءات الآتية:

  • ترجيح مصالح الدائنين في الخارج

ورد إيفاء القروض الناشئة في الخارج قبل 17/10/2019[6] من ضمن الإستثناءات على منع تحويل الأموال إلى الخارج، وإن ترك الإقتراح لحاكم مصرف لبنان تحديد سقوفها بالتنسيق بين حاكم مع وزارة الماليّة كلّ ستة أشهر[7]. وهذا يعني إمكانية دفع أية ديون ناشئة في الخارج قبل 17/10/2019، بما يوجد تمييزاً لصالح الدائنين في الخارج على حساب الدائنين في الداخل. وفيما تشير معلومات إلى أن كمّاً كبيراً من التحويلات للخارج تمّت إيفاءً لهذه الديون منذ 17 تشرين الأول، فإن الإقتراح يأتي ليشرع هذه الممارسة ويفتح الباب أمام إيفاء مزيد من القروض. وبالإمكان تفسير هذا التمييز بأمرين: الأول، اللولرة الحاصلة في لبنان والتي تمكّن بموجب هذا الإقتراح المدين في لبنان من إيفاء دينه تجاه الدائن بموجب شيك مسحوب على مصرف لبنان من دون أن يكون لهذه الشيكات أي مفعول في الخارج. والثاني، أن من شأن عدم إيفاء هذه الديون أن يؤدي إلى تعريض المودعين أو حتى المصارف (المدينة) لمخاطر الحجز على أموالها الكائنة في الخارج وإعلان إفلاسها.

الأمر نفسه يتصل باستثناء الضرائب والرسوم أو الإلتزامات الماليّة الملحة المتوجبة لسلطات رسمية أجنبية.

  • ترجيح التعليم والإستشفاء في الخارج على التعليم والإستشفاء في الداخل

إذ يضع الإقتراح مبدأ منع التحويل من الحسابات في لبنان إلى الخارج يسمح بتحويل الأموال بحدود ما يلزم لتسديد نفقات المعيشة أو الطبابة أو الإستشفاء أو التعليم أو الإيجار المترتبّة على العميل الذي هو شخص طبيعيّ أو على زوجه أو زوجته أو أفراد عائلته الذين هم على عاتقه[8].

ومن شأن هذا الأمر أن يميّز عمليا بين المقيمين في الداخل والمقيمين في الخارج وبخاصة بين الطلاب، ولكن أيضا بين الجامعات في الخارج (المستفيدة من تسديد الأقساط) والجامعات في الداخل التي يتعين عليها قبول الشيكات المسحوبة على مصرف لبنان والتي لا تشكل إيفاء حقيقيا للأقساط، مما يعرض استمرارية هذه الجامعات للخطر.

3- مكافأة المصارف ومصرف لبنان بمزيد من الصلاحيّات

رغم توقف المصارف عن الدّفع والإرتكابات الجسيمة لمصرف لبنان، فإن الإقتراح تضمّن موادّ من شأنها تعزيز صلاحيّات إدارات المصارف ومصرف لبنان.

أ- تعزيز صلاحيات المصارف

فعلى صعيد تعزيز صلاحيات المصارف، تضمن الإقتراح عددا من البنود، من أبرزها:

  • منح المصارف سلطة تحديد سقوف بطاقات الإئتمان بالعملات الأجنبية للإستعمال في الخارج بحدود السقوف المعمول بها بتاريخ 1 كانون الثاني 2020 كما يحدّدها كلّ مصرف، ومن دون اي ضوابط،
  • منح المصارف صلاحية التحقق من أن التحويل المطلوب يندرج ضمن أحد الإستثناءات المنصوص عنها[9] ما يفتح باب الإستنساب (تسديد نفقات معيشة أو طبابة، إيفاء قروض ناشئة في الخارج قبل 17/10/2019، شراء المواد الأوليّة للصناعة أو الزراعة أو التجارة، شراء المحروقات والقمح والأدوية التي يقوم مصرف لبنان بتنظيمها وتمويلها). فقد فرض الإقتراح إرفاق الطلبات بمستندات موثّقة ووافية جرت العادة على تلبيتها قبل 17/10/2019.

ب- منح صلاحيات ذات طابع قضائي لحاكم مصرف لبنان

تضمّن الإقتراح بعض الضمانات لحماية المودعين إزاء تعسف المصارف. إلا أن هذه الضمانات أتت لتمنح حاكم مصرف لبنان صلاحيات شبه قضائية. ففيما أجاز هذا الإقتراح لعملاء المصارف تقديم شكوى لجانب لجنة الرقابة على المصارف، فإنه ألزم هذه الأخيرة بإيداع تقرير خطي لدى حاكم مصرف لبنان الذي يتخذ قراره المتضمن عند الإقتضاء العقوبة المترتبة على المصرف المخالف ضمن العقوبات المنصوص عنها في قانون النقد والتسليف لمخالفة أحكامه، فضلا عن قرار تنفيذ أو عدم تنفيذ التحويل. بهذا المعنى، يكون الإقتراح قد أناط للحاكم صلاحيات واسعة من شأنها التحكم بكيفية تطبيق القانون إلى حد كبير. واللافت أن الإقتراح أخضع هذه القرارات للطعن أمام محكمة الإستئناف على أن تبت هذه بقرارات الحاكم وفق الأصول المتبعة أمام قضاء الأمور المستعجلة وليس أمام مجلس شورى الدولة.

وما يزيد من قابلية هذا الأمر للنقد هو أن العديد من أعضاء لجنة الرقابة على المصارف يرتبطون بجمعية المصارف، كما كنا لحظنا في مقالة سابقة[10].

من ناحية أخرى، يفتح الإقتراح الباب أمام مصرف لبنان لتحديد سقوف السحوبات النقدية من المصارف بالليرة اللبنانيّة بعدما منعت السحوبات بالعملة الأجنبيّة ما يقونن القيود المفروضة على المودعين ويؤكّد التوجّه القائم لحماية المصارف التي باتت بمعظمها متوقّفة عن الدفع بدل المودعين.

ختاما يفتقر هذا الإقتراح للموضوعية في مقاربة الكابيتال كونترول. فهو يشرّع الممارسات التعسّفية بحق المودعين ويثبّت استنسابية المصرف المركزي والمصارف بتعاملها مع المودعين بقانون يحصّنهم ضدّ المساءلة.


[1] اقتراح قانون الكابيتال كونترول: بيع الأوهام لمودعين نُكبوا بمصارفهم (الجلسة التشريعية أيار 2020)، المفكّرة القانونيّة المرصد البرلماني

[2] المادة الأولى-أ

[3] المادة الأولى-2

[4]في مواجهة تعدّيات المصارف على حقوق المودعين: مسؤولية المصارف عن الأرباح التي جنتها والمخاطر التي أنشأتها، يمنى مخلوف، 9/4/2020

[5] نزار صاغية، “موقفان للعدلية ينتصران للمودعين في مواجهة المصارف: الكابيتال كونترول يتمّ بقانون عادل وليس بإرادة المصرف”، المفكرة القانونية، 4/1/2020.

[6] المادة الثانية -6-ب

[7] المادة 3-أ

[8] المادة 2 فقرة 6-أ

[9] المادة الرابعة-3 من الإقتراح

[10] زواج السلطة والمصارف على الأراضي اللبنانية: ثغرات تشريعية وثقافة تعزّز تضارب المصالح،  عماد صائغ،  17/4/2020

انشر المقال

متوفر خلال:

إقتراح قانون ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، قطاع خاص ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *