نزع السياج ليس جرماً


2015-10-19    |   

نزع السياج ليس جرماً

في أعقاب تظاهرة 8 تشرين الأول 2015، تم توقيف ما يقارب 55 شخصاً على خلفية قيامهم بأعمال شغب. وفيما تُرك أغلبهم بعد قضاء ليلة أو ليلتين في نظارة المخفر لغياب أيّ دليل، استمرّ توقيف 10 منهم على خلفية وجود صور وأفلام تُظهر تورط العدد الأكبر منهم في نزع السياج الفاصل بين المتظاهرين وعناصر القوى الأمنية. ومن المعلوم أن هذا السياج وُضع أساساً لمنع دخول المتظاهرين إلى ساحة النجمة حيث البرلمان لدواعٍ أمنية لم يفصح عنها. وقد انخفض عدد الموقوفين إلى 5 بتاريخ 13 تشرين الأول وإلى 2 (هما وارف سليمان وبيار حشاش) بتاريخ 16 تشرين الأول. وتمّ الإفراج عن هذين الأخيرين بتاريخ 19 تشرين الأول بعدما نقضت محكمة التمييز العسكرية قرار قاضي التحقيق العسكري رياض أبو غيدا بابقائهما قيد الإحتجاز. واذ تطول لائحة الجرائم المدعى بها ضد الأشخاص المدعى عليهم (وقد بلغ عددهم 30)، فإنه من الثابت أن الدليل الأساسي ضد غالبيتهم يقتصر على مشاركتهم في نزع السياج. وما نريده هنا هو تقديم الأدلة على أن هذا الفعل لا يشكل جرماً بذاته وأنه على فرض أنه جرم، فإنه يستفيد بأية حال من أسباب تبريريّة تمنع محاكمتهم.

قطع السياج ليس جرماً

لا وجود لأي نص يجرم قطع السياج. وللدلالة على ذلك، يكفي مراجعة المادة 136 من قانون القضاء العسكري التي استند ادعاء مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية عليها. فهذه المادة تعاقب التدمير أو الضياع أو التعطيل الدائم أو المؤقت الواقع على سلاح حربي أو على أي شيء آخر يستعمله الجيش في الأعمال الحربية.ومن النافل القول أن نزع السياج، لا يدخل ضمن الأفعال المعاقب بها بموجب هذه المادة. فلا هو سلاح حربي ولا هو شيئ يستعمله الجيش في الأعمال الحربية. هذا فضلا عن أن هذه المادة معطوفة على المادة 134 التي تنطبق حصرا على الأفعال المرتكبة من العسكريين، وليس المتظاهرون المدنيون من بينهم. وما يؤكد ذلك أن هذه المادة وردت ضمن الفصل الثاني المتصل بالجرائم التي تخلّ بالشرف والواجب. وتالياً، شكّلت ملاحقة فعل نزع السياج والتوقيف على أساسها تعسفاً وخروجاً عن أحد أبرز المبادئ الجزائية، ومفاده أن لا جرم من دون نص.    
 
لا جرم عند ممارسة حق

سند آخر لإسقاط الملاحقة على خلفية نزع السياج، وهو المادة 183 من قانون العقوبات التي تنص على أنه “لا يعد جريمة الفعل المرتكب في ممارسة حق بغير تجاوز” (المادة 183). فعلى فرض أن نزع السياج يشكل جرماً (وهو ليس كذلك كما بيّنا أعلاه)، فإن هذا الفعل تزول صفته الجرمية عند ارتكابه في صدد ممارسة حقّ. وهذا ما نقرؤه في البيان الصادر عن مجموعات الحراك الشعبي في 12-10-2015. فأن تمنع السّلطة منذ 2010 التظاهر أو التجمّع في ساحة المجلس النيابيّ بشكل مطلق، إنما يعني عمليّا التعدّي على حقوق أساسية للمواطنين في مقدمتها حق التظاهر وحق محاسبة السلطة التشريعية المنتخبة. ويكون تذرعها في هذه الحالة باعتبارات أمنية مردوداً طالما أن هذه الاعتبارات تبقى مربوطة بظروف معينة ومؤقتة ولا محل لها في حال أخذ المنع طابعاً مطلقاً. “فمن شروط الديمقراطية التمثيلية (البرلمانية) أن يكون للمواطن حقّ محاسبة النواب الذين انتخبهم والذين يستمدون منه سلطتهم، أن يكون للمواطن حقّ التعبير عن همومه وقضاياه فردياً أو جماعياً مباشرة أمام المجلس النيابي”.

وانطلاقاً من ذلك، يكون سعي المتظاهرين إلى نزع السياج حاصلاً في صدد ممارسة حقّ مواطنيّ ايجابيّ، مما يزيل أي صفة جرمية عنه (على فرض وجودها). ويكون المواطن الذي قطع السياج مواطناً يستحق المكافأة لمناقبيته في الدفاع عن مجتمعه وليس مشاغبا كما تصوره السلطة.
وكانت القاضية المنفردة الجزائية في طرابلس نازك الخطيب طبقت المادة 183 في حكم صدر في 28-5-2012على لاجئ سوري اجتاز الحدود اللبنانية من دون المرور بمراكز الأمن العام بعدما رأت أنه كان يمارس حقه “الطبيعي الملازم لإنسانيته” باللجوء الى بلد آمن (لبنان) هربا من الاضطهاد وتأمينا لحماية نفسه وعائلته،.

وما ينطبق على هذا اللاجئ في اجتيازه للحدود في إطار ممارسة حقه باللجوء، ينطبق تماماً على اللبنانيين إذا اجتازوا السياج في إطار ممارستهم لحق التظاهر في ساحة البرلمان.   

للمزيد من التفاصيل الرجاء الاطلاع على الفيديو 
 

الصورة من ارشيف المفكرة القانونية تصوير علي رشيد

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، حراكات اجتماعية ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، حريات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، أجهزة أمنية ، احتجاز وتعذيب ، حركات اجتماعية ، حرية التعبير ، حرية التجمّع والتنظيم ، أملاك عامة ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية