نحو مشهد لبناني جديد: بعد كسر حظر الاضراب والتظاهر، الموظف العمومي “مواطنا” بامتياز


2013-02-28    |   

نحو مشهد لبناني جديد: بعد كسر حظر الاضراب والتظاهر، الموظف العمومي “مواطنا” بامتياز

تغير المشهد النقابي، وتغيّر معه شيء من المشهد السياسي العام أمس، آلاف الأشخاص انطلقوا قبل الظهر من البربير إلى ساحة رياض الصلح في بيروت: أساتذة وطلاب ومتقاعدون ومتعاقدون وناشطون، من بيروت والمناطق اللبنانية الأخرى، مشوا في "زحف نحو السرايا".
المشهد "النقابي" أمس تغير كثيراً، بل لنقل إن الموازين بدت وكأنها في طور الانقلاب. نجحت "هيئة التنسيق" في فرض نفسها- بشكل عملي وواقعي- مرجعاً "نقابياً" في لبنان، يثق به الآلاف، مرجعاً عابراً للطوائف وللقوى الحزبية، وللانقسامات المناطقية، مرجعاً مناقضاً للسياسة المذهبية التي يكرسها مشروع اللقاء الأرثوذكسي للإنتخابات النيابية، والذي يرمي إلى تعميق سياسة "الزبونية" وارتهان المواطن لزعماء المذاهب، حراك هيئة التنسيق الذي لقي احتضانا أمس يرمي إلى تكريس مفهوم المواطنة، مفهوم المواطن المطالب بحقوقه، الذي ينتزعها، والقادر على طرح بدائل واقتراحات لتحقيق المصلحة العامة.
المتابع للحراك الذي أطلقته مؤخراً هيئة التنسيق، يتنبه إلى أنها انتقلت بسرعة كبيرة، من موقع المطالب باقرار سلسلة الرتب والرواتب وتاليا بمصالح فئة معينة بمعزل عن كيفية تمويلها (فهذه ليست مشكلتها) الى موقع الحريص على تحميل عبء تمويلها للطبقات الميسورة أو المعتدية على الملك أو المال العام. وهكذا، أعادت هيئة التنسيق مجددا الحديث عن وجوب قيام الدولة تحصيل الغرامات من المتخلفين عن تسديد الضرائب أو من المعتدين على الأملاك أو الأموال العامة فضلا عن وجوب قيامها بزيادة نسبة الضريبة على الأرباح الريعية. كما أعادت الحديث عن وجوب ضبط التهرب من الأعباء الجمركية. وبهذه الخطوة، يتحول حراك الهيئة من حراك فئوي ليكتسب تدريجيا صفة الحراك المواطني بامتياز.  
الحراك المتصاعد، حتى تظاهرة أمس، أثار إعجاب المتابعين والمعنيين بالشأن النقابي، خاصة بعد حالة "الخواء النقابي" الذي مثّله الإتحاد العمالي العام، والذي لم يفرض عناوين تحقق مصالح الطبقات التي يفترض أن يمثلها، بل تحوّل إلى أداة للأجندة السياسية الحاكمة.
غسان صليبي، السكريتير الإقليمي للبلدان العربية في الإتحاد الدولي للخدمات العامة، قدم قراءة للمشهد الحالي، توقف عند تميزّه، ولفت إلى أن أحد أسباب نجاحه يتلخص في حالة الديموقراطية السائدة بين مكونات هيئة التنسيق النقابية، ما يحول دون استفراد الأحزاب بقرارها، ورأى أن لدى هذه الهيئة امكانات غير مختبرة بعد، تمكنها من المضي أبعد في حراكها، واختبار وسائل ضغط جديدة ومبتكرة.
توقف صليبي عند التطور في خطاب الهيئة فرأى أنها "وضعت الحيز الإجتماعي كأولوية يليها الوضع الإقتصادي حيث أكدت إصرارها على مطالبها وقالت للحكومة بأن عليها تغيير سياساتها الإقتصادية". التطور الثاني الذي توقف عنده صليبي يتمثل بقيام موظفي القطاع العام بإنشاء رابطة لهم، انضمت إلى حراك الهيئة، ليكسروا واقعياً ما نصت عليه المادة 15 التي تحظر الموظف من "أن يضرب عن العمل أو يحرض غيره على الاضراب". وبذلك يكون القطاع العام، أو بالأصح، موظفوه مرشحين لتطوير "المؤسسة" النقابية التي تحتضنهم أو تمثلهم حتى تتحول يوماً إلى نقابة، رغم المانع القانوني. وقد لفت إلى أن قوة الحراك طغت لدرجة لم يعد باستطاعة القوى السياسية الرافضة له بأن تتعلل بمضمون المادة 15 لمواجهة غضب موظفي القطاع العام.
إذاً، إضافة إلى مطلب إقرار سلسلة الرتب والرواتب، فإن ما سُمي بـتظاهرة "الزحف إلى بيروت" كرست المنظمين لها – هيئة التنسيق النقابية تحديداً- كمشروع بديل، حركة لتكوينٍ نقابي بديل عن الإتحاد العمالي العام.
المتظاهرون أنفسهم بدوا أمس محتفين بإنجازهم، فخورين بقدرتهم على التجمع وفرض أنفسهم على المشهد السياسي اللبناني، وكان السائر من الصفوف الخلفية إلى الصفوف الأمامية يشهد تنوعاً في الأعمار، فإذ يبدو للوهلة الأولى أن الأساتذة هم الأكثر حضورا ، لكثرة اللافتات التي تتحدث عنهم، فإنه سيتنبه بعد الحديث مع مجموعات مختلفة إلى أن ملاحظته خاطئة، فهم بالتأكيد عصب الحراك، ولكن كان هناك أيضا عدد كبير جدا من المشاركين من موظفي القطاع العام ومن المتقاعدين. كما سجل حضور عدد من الشباب الناشطين ضد النظام الطائفي والمتآخين مع الحراك العربي، منهم مجموعة بالكوفيات يرددون أغاني الشيخ إمام، وآخرون يحملون لافتات بشعارات مأخوذة من برنامج الفكاهي السياسي المصري "باسم يوسف"، وخلفهم رجل مسن يحمل لافتة عليها "هل المطلوب بوعزيزي آخر لإحالة السلسلة؟" في إشارة إلى التونسي محمد يوعزيزي الذي أحرق نفسه احتجاجا على سياسات الرئيس السابق زين العابدين بن علي.
على قارعة الطريق فنان ثلاثيني يوزع مع رفاقه قصاصات للمواطنين الذين اصطفوا أمام متاجرهم يتابعون سير المتظاهرين وعلى القصاصات دعوة لتأكيد رفض النظام القائم خلال الإنتخابات النيابية المقبلة، من خلال التصويت بورقة بيضاء.
 ثم نقع على مجموعة ترتدي قبعات تشير إلى أن معتمريها أساتذة التعليم الثانوي، يرددون خلف مجموعة أخرى شعارات بتحويرة "تراثية" كـ "علندا الندا الندا، القصة ما بقى بدا، يا بقتروا السلسلة يا الحكومة منهدا". وفي ساحة رياض الصلح وقفت مجموعة تطلق قسماً "بأن نبقى موحدين ضد السياسيين الفاسدين"، على وقع أغانٍ ثورية لجوليا بطرس. كان القسم يتقاطع مع هتافات مجموعة من أساتذة ثانوية الICيعرفون أنفسهم على أنهم في مواجهة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي.
رئيس رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي حنا غريب، الذي حُمل على الأكتاف وهو يقترب من المنصة، قال: "إذا لم تحيلوا السلسلة هذا الأسبوع فاستعدوا أيها الزملاء إلى إضراب شامل في كل لبنان، ليس في القطاع العام فحسب ولا في المدارس فحسب، إنها دعوة إلى شعب لبنان في أكمله أن يقف إلى جانب هيئة التنسيق النقابية بوجه لصوص الهيكل وسارقي المال العام. إن نظام التقاعد في لبنان خط أحمر، اذهبوا وموّلوا السلسلة من الأملاك البحرية، ومن الزيتونة باي، من المرفأ، من التهريب، من الصفقات، من الريوع العقارية والمصرفية". أما نقيب المعلمين في المدارس الخاصة نعمة محفوض فقد توجه إلى رئيس الجمهورية ميشال سليمان، مناشداً إياه التدخل للدعوة لجلسة استثنائية لإنهاء الموضوع. وشدد رئيس «رابطة أساتذة التعليم المهني والتقني الرسمي» ايلي خليفة: "سنبقى في الشارع ولن نسمــح أبدا بأن تبقى الحكومة رهينة طغيان لحيـتان السلطة والمال، واستبداد الهيئات الاقتصادية".
تظاهرة أمس، برهنت أن العمل النقابي في لبنان ممكن، وأن متصدري الحراك قادرون على رفع الصوت، والتحول إلى أداة لتفعيل مفهوم المواطنية، والأهم ما جاء على لسان حنا غريب عن تظاهرة أمس من "أنها ليست الذروة، إنها البداية لإنتفاضة".

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، حراكات اجتماعية



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية