ناشطو صور يحاكمون فيما بقي المعتدون عليهم أحرارا: محامون يوثقون مخالفات قانونية صارخة لحقوق الموقوفين


2019-11-14    |   

ناشطو صور يحاكمون فيما بقي المعتدون عليهم أحرارا: محامون يوثقون مخالفات قانونية صارخة لحقوق الموقوفين

انعقدت يوم الثلاثاء 12/11/2019 في قصر العدل في صيدا أوّل جلسة تحقيق في قضية استراحة صور. ويرسخ في ذهن متابعي حراك مدينة صور الجنوبية مشهدان اساسيان من يوميات مشاركة المدينة في ثورة 17 تشرين الثاني 2019: إحراق منتجع استراحة صور Rest House، ومشهد عشرات الشبان أنصار أو عناصر أحد أحزاب السلطة، وهم يعتدون بالضرب على الناشطين المتظاهرين بكل سلمية، ومعهم السلاح الظاهر في الشوارع وإطلاق الرصاص الحي على بعض المتظاهرين طلبا لحقوقهم كمواطنين، مطالبين بمحاسبة الفاسدين. وقد ذكر بعض هؤلاء  إسم رئيس مجلس النواب نبيه بري وزوجته رندة بري.

ومع ادعاء الجهة المالكة لاستراحة صور “على كل شخص محتمل شارك في عملية حرق الإستراحة وسرقة مقتنياتها”، يفيد ناشطو المدينة أنه تم استدعاء مئات الأشخاص للتحقيق معهم. منهم من اعتقل لأيام عدة، ثم أفرج عنه بعد انتهاء التحقيق معه، ومنهم من ما زال قيد التوقيف. وبحسب المحامي حسن بزي، فإن 18 موقوفًا مثلوا أمام قاضي التحقيق الأول في الجنوب مرسال الحداد من أصل 51 مدعى عليهم في هذه القضية.

كما قامت الأجهزة الأمينة بحملة إستدعاءات بالجملة. وشملت الإستدعاءات صور وبعض قراها، ففي بلدة الشعيتية (قضاء صور) مثلاً، تم استدعاء أكثر من 30 شخصًا من أبنائها، إلاّ أن أغلبهم لم يستجب، وصدر بحقهم بلاغات بحث وتحر، فيما أفرج عن بعض من حُقق معهم. ويُجمع بعض من أفرج عنهم بعد احتجازهم لأيام، في تصريحات ل “المفكرة”، أنهم أبرياء من تهمة حرق وسرقة بعض مقتنيات استراحة صور. ويشير البعض إلى أنه لدى ألأجهزة الأمنية “أسماء الأشخاص المتورطين في حرق الـ Rest house   وصورهم، متسائلين، عن سبب هذه الإعتقالات.

بموازاة ذلك، وعطفاً على ما رواه بعض الذين تم استدعاءهم والتحقيق معهم عن تعرضهم للضرب وظروف التوقيف، امتنع العديد من المطلوبين للتحقيق عن تسليم أنفسهم خوفا من الإنتقام منهم لمشاركتهم في الحراك، كما يفسرون توقيف العديد من بينهم. وهو ما انتج بلاغات بحث وتحر بحقهم. وتساءل هؤلاء لماذا لم يتم استدعاء المعتدين على المشاركين والمشاركات في الحراك في صور رغم وجود صور وفيديوهات تبين بوضوح هوياتهم ووجوههم، “ومع ذلك لم يتم استدعاء أي منهم، ومن بينهم اشخاص نُشرت صورهم على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام ومن بينها تلفزيونات “، وهذا ما يؤكد الكيل بمكيالين وأننا من دون أي سند في المواجهة التي تكتسي طابع التنكيل والإنتقام”، كما أفاد أحد الناشطين.

مخالفات قانونية في ملف استراحة صور

وعلى أثر هذه الاستدعاءات والتحقيقات والتوقيفات، قامت النيابة العامة الاستئنافية بالإدعاء على 51 شخصاً من ضمنهم 18 موقوفاً. وقد جرى الاستماع

من جهتها، فندت لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين في بيان أصدرته حول قضية استراحة صور، وإثر جلسة تحقيق أولى عُقدت الثلاثاء 12/11/2019 في قصر عدل صيدا، ما أسمته “مخالفات قانونية صارخة لحقوق الموقوفين”. وكان أهالي العديد من الموقوفين اعتصموا تزامناً مع الجلسة امام المحكمة في صيدا.

 وأشارت اللجنة إلى أن قاضي التحقيق في صيدا مرسال الحداد استمع خلال الجلسة إلى 18 موقوفاً من ضمنهم قاصرين: وقام باستجواب خمسة منهم، في حين اضطر 13 موقوفاً لتأجيل استجوابهم ليوم الخميس 14/11/2019 من أجل توكيل محامين، وذلك بسبب رفض القاضي تكليف المحامين المتطوعين الذين حضروا الى قصر العدل للدفاع عنهم. وكان قد حضر مع الموقوفين مجموعة من المحامين المتطوعين للدفاع عنهم وهم الأساتذة: حسن بزي ولمى الأمين وجاد طعمة وهلا حمزة ونرمين السباعي وفاروق المغربي. وكانت النيابة العامة الاستئنافية في صيدا قد ادعت على 51 شخصاً (من ضمنهم الموقوفين) بجناية السرقة وبجنحتي تخريب أملاك ودخول ملك من دون حق (المواد 639 و571 و733 من قانون العقوبات).

وطالبت اللجنة القاضي الحداد بالإفراج عن جميع الموقوفين يوم الخميس (تاريخ جلسة استكمال استجوابهم) إما بتركهم أو بالاستعاضة عن توقيفهم بالرقابة القضائية نظراً لتوثيقها ثلاث مخالفات قانونية في قضيتهم.

وأكدت لجنة المحامين، خلال تعدادها للمخالفات القانونية، “أن مدة احتجاز الموقوفين تجاوزت المهل المنصوص عليها في القانون من دون أن تصدر مذكرة توقيف بحقهم. فقد وصلت مدة احتجاز بعض الموقوفين الى 22 يوماً بناء على إشارة النيابة العامة في حين أن القانون يسمح باحتجازهم لمدة أقصاها 48 ساعة يمكن تمديدها لمدة مماثلة، ويفرض مثولهم “في الحال” أمام قاضي التحقيق لدى انتهاء هذه المهلة من أجل استجوابهم وتقييم قانونية توقيفهم الإحتياطي وضرورته، (المواد 32 و42 و47 و106 و107 من أصول المحاكمات الجزائية). وهو ما يفرض الإفراج عنهم فوراً استناداً الى مبدأ استثنائية التوقيف الاحتياطي”.

وفي شهادات أقارب وأهالي الموقوفين وبعض أصدقائهم، والتي وثقتها المفكرة القانونية في صور وصيدا، أفاد هؤلاء عن احتجاز الموقوفين الذين يمثلون اليوم أمام قاضي تحقيق صيدا من 12 يوما إلى 23 يوماً خلافاً للمدة التي يسمح بها قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي تقتصر على 48 ساعة قابلة للتمديد 48 ساعة إضافية فقط، وهو ما لم يحصل في حالة الذين يمثلون أمام القاضي في صيدا حالياً. في المقابل، أفادت عائلات عدد من الذين تم توقيفهم في صور أنه تم الإفراج عنهم خلال فترات تراوح ما بين 24 ساعة إلى ثلاثة أيام.

ووثقت لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين (المخالفة الثانية) “تعرّض بعض الموقوفين للضرب والعنف خلال احتجازهم والتحقيق معهم، وهو أمر مثبت بموجب تقارير من أطباء شرعيين ويشكل جرم المادة 401 من قانون العقوبات”. واشارت إلى ما افاد به أهالي الموقوفين من “أن ظروف احتجاز أبنائهم مهينة وغير لائقة، مما يفرض الإفراج عنهم بأسرع وقت ممكن”.

وفي الإطار نفسه أفاد بعض الموقوفين الذين افرج عنهم، كما ذوي بعض من لا يزالون قيد التحقيق ل”المفكرة” عن وجود حالات مرضية صعبة بين الموقوفين. وقال أحدهم عن صديقه “إذا بتشوفوه شكله صار بيفزّع من تفاقم وضعه الصحي من دون أي علاج”.  وقالت إحدى الأمهات عن ظروف ابنها “لحمه متفسخ ومتشقق وعنده أوجاع كتير كبيرة من النوم على الأرض من دون فرشة أو حتى حرام”، لتسأل “شو إبني إرهابي؟ أو شو عامل ونحن مش عارفين”.

وروى أحد المفرج عنهم ل”المفكرة” كيف كان ورفاق الزنزانة يتناوبون على “النوم في المرحاض لأنه لا مجال للنوم في زنزانة يقتصر على مترين بثلاثة أمتار فيما يسجنون فيها 32 شخصا معاً”. في المقابل، قال والد موقوف أن ابنه مسجون بزنزانة متر بمترين رطبة ورائحتها كريهة مما تسبب له بنوبات ربو ومرض صدري وآلام في العظام. وبالإضافة إلى ظروف الإحتجاز، تحدث أحد المفرج عنهم عن نقلهم، وكانوا نحو 17 شخصاً، في سيارة عسكرية صغيرة لا تتسع لأكثر من ثمانية إلى عشرة أشخاص “كنا اختنقنا، وحسيت إني رح موت، وكانت حرارة الطقس مرتفعة في الخارج وحديد الآلية حامي وسخن”.

ونقلت شقيقة أحد الموقوفين عن الوضع النفسي المتردي لشقيقها الموقوف “هو يصرخ دائما ً أنه بريء، هو لم يشارك بإحراق الإستراحة، ولا بالسرقات ويشعر بالظلم كثيرا انتقاما منه لأنه شارك بالحراك”.

واتفق معظم الذين أدلوا بشهاداتهم ل “المفكرة” عن استخدام القوة مع بعض الموقوفين من قبل بعض ألأجهزة الأمنية، كما وتعرضهم للضرب ومحاولة دفعهم للإعتراف على ناشطين أخرين وكذلك إرغامهم على تسليم هواتفهم والدخول إلى صفحاتهم وحساباتهم وداتا هواتفهم. عدا عن تأخر الطعام والظروف الصحية السيئة لأماكن الإحتجاز وكذلك عدم تدخل القوى الأمنية في حال وقوع إشكال بين المحتجزين وبقية السجناء.

وفي رصدها للمخالفة القانونية الثالثة، اعتبرت لجنة المحامين “رفض قاضي التحقيق تعيين المحامين المتطوعين للدفاع عن الموقوفين يخالف المادة 78 من أصول المحاكمات الجزائية التي تجيز لقاضي التحقيق تعيين محام مباشرة على المحضر دون حاجة لوكالة أو لتكليف من نقابة المحامين”. وشكى أهالي بعض الموقيوفين من رفض القاضي للمحامين المتطوعين، بينما تعجز معظم العائلات عن تحمل كلفة تعيين محام لابنائها، مما يؤدي إلى استمرار احتجازهم وإطالة عذاباتهم.

وبناء على رفض قاضي التحقيق تعيين المحامين المتطوعين للدفاع عن الموقوفين، قدّم المحامون المتطوعون طلبا خطيا الى نقابة المحامين في بيروت لتكليفهم بالدفاع عن الموقوفين، وعليه، صدر في اليوم في 13/11/2019، قرار عن النقابة بتكليف مجموعة من المحامين المتطوعين، متحدين أو منفردين، للدفاع عن الموقوفين. والمحامون المكلفون هم حسن بزي، فاروق المغربي، مازن حطيط، نرمين سباعي، نزار صاغية، باهية شعر، مريم حمدان، يوسف الخطيب، جاد طعمه، أيمن رعد، واصف الحركة، هالا حمزه، نجيب فرحات، هاني الأحمدية، هبة فرحات، علي عباس، ملاك حمية، رفعت الصايغ وباسل عباس.

وتعليقاً على البيان، طالبت رئيسة المفكرة القانونية وعضو لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين المحامية غيدة فرنجية: ” بالإفراج الفوري عن المدعى عليهم الموقوفين لأن الملف يتضمن مخالفات قانونية عديدة لا سيما لجهة تجاوز مدة التوقيف وسوء المعاملة”. وأشارت إلى أنه “لطالما تكررت هذه المخالفات سابقاً وتغاضى عنها معظم المحامين من أجل حماية موكليهم الموقوفين. ولكن الوضع تغيّر الآن، ويجب أن ننقل التغيير الإجتماعي الذي أحدثته هذه الثورة الى داخل القضاء ومهنة المحاماة”. ورأت أنه “من واجب القضاة احترام أصول المحاكمات الجزائية، وخاصة في ما يتعلق بعدم تجاوز آماد التوقيف الإحتياطي، ومن واجب المحامين الضغط للعودة الى الأصول القانونية”. وأضافت “لا يمكننا بعد 17 تشرين الأوّل أن نغض النظر عن انتهاك أبسط الحقوق لمن سلبت منه الحرية. علينا أن نعود الى الأصول القانونية، وأن نعيد للحرية الشخصية قيمتها الدستورية”.

وفي توثيقها للشهادات، تحدث ذوي بعض الموقوفين ل “المفكرة” عن وجود اشخاص هم المعيلين الوحيدين لعائلاتهم التي تمر بظروف تصل إلى عدم قدرة بعضهم على شراء أدويته أو حتى إطعام اطفاله أو أهله “في ناس إذا ما اشتغلت ما بتاكل مع عائلاتها، ومع ذلك يستمرون بتوقيفهم عن غير وجه حق “، كما قالوا.

انشر المقال

متوفر خلال:

حراكات اجتماعية ، لبنان ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *