نار الجوع تشعل طرابلس: فوّاز السمّان شهيداً


2020-04-28    |   

نار الجوع تشعل طرابلس: فوّاز السمّان شهيداً

لم تمّر أحداث ما بات يعرف في مصطلحات الانتفاضة بـ"ليلة سقوط المصارف" في طرابلس أمس الإثنين على خير ولا حتى من دون أن تسيل دماء من جسد أحد أبنائها. في ليلة سقوط المصارف سقط فوّاز فؤاد السّمان ابن الـ26 ربيعاً شهيداً. صبغت دماؤه ليل طرابلس بالأحمر تحت ألسنة لهب ارتفعت من مصارف المدينة. ولا تزال عاصمة الشمال تشهد اضطرابات اليوم الثلاثاء بدأت إثر تشييع فوّاز حيث استمرّ المحتجّون بإحراق فروع المصارف في تطوّر يشي ببدء مرحلة جديدة من الإنتفاضة الشعبية.  

تختصر قصة فوّاز حياة الشباب الطرابلسي المكافح ومعاناته، فهو في سنّه اليافعة عريس جديد، وأبٌ لطفلة صغيرة لم يتجاوز عمرها الأشهر، يُكابد كما يُكابد كثيرون في هذه المدينة لتأمين مقوّمات الحياة الكريمة.

يمتلك فواز سيرة طيبة بين أقرانه وجيرانه، فهو يدير محلاً لتصليح الدراجات النارية في شارع الحرية المحاذي لساحة النور. عايش طوال سنوات معاناة أبناء مدينته التي تنتسب إلى فئة المناطق الأكثر فقراً، وزادت معاناته المهنية مع إرتفاع سعر الدولار إلى حدود جنونية. وحال ذلك دون إمكانية حصوله على قطع الغيار والتبديل إلّا بصعوبة كبيرة.

إندفع إلى الساحة التي كرّستها إنتفاضة 17 تشرين عروس الساحات، ليرفع الصرخات على غرار أبناء المدينة المتحمّسين للتغيير والمستقبل الأفضل، كما عُرفَ عنه المشاركة ساعياً إلى مساعدة الفقراء وذوي الأمعاء الخاوية. ربمّا كل هذه المعاناة كانت متوقعة لفوّاز ولكن ما لم يكن يتوقّعه هو التعرّض لوابل من الرصاص خلال تظاهرة ليلة سقوط المصارف.

يجزم الناشط محمد أنّ السّمّان لم يشارك في الصدامات مع الجيش، بل كان يقف بعيداً مع بعض الرفاق على مقربة من كلمة الجلالة التي تتوسّط ساحة النور، وأصيب نتيجة الرصاص الكثيف الذي "أطلق بصورة عشوائية". 

تؤكد فاطمة أخت فوّاز التي كانت أول من أعلن وفاته، أنّ أخاها تعرّض لإصابة في الفخذ، ولكن إنتقلت الرصاصة نحو المحلب وتضررت الأعضاء المحيطة به. وتسببت الإصابة بنزيف كبير. وفي المعلومات أنّ فوّاز احتاج إلى حوالي عشرين وحدة دم تأخّر بعضها في الوصول ليفارق الشاب الحياة فجراً في المستشفى الإسلامي. وتلفت فاطمة إلى أنّ العائلة طلبت من المخفر إنهاء الإجراءات القانونية لإخراج جثمان أخيها من المستشفى وإتمام الدفن إلّا أنّ أحداً لم يستجب فقامت العائلة منفردة بإنجاز المعاملات، وإخراج جسد الشهيد من المستشفى.

واليوم الثلاثاء، جال موكب تشييع فوّاز في أحياء مدينته، وفي مسيرة الوداع زار ساحة النور للمرة الأخيرة، قبل الإنتقال إلى مرتع شبابه الدفتردار، قبل أن يُصلّى على جثمانه أمام مكان عمله في الشارع المؤدّي إلى جامع طينال، حيث تمت إجراءات الدفن في مقبرة باب الرمل. وشهدت الجنازة حضوراً شعبياً كثيفاً، كما إرتفع صوت إطلاق الرصاص في أنحاء مختلفة.  

ليلة مجنونة و"صادمة"

بدأت أحداث "ليلة سقوط المصارف" بدعوة وجهها ناشطون عبر وسائل التواصل الإجتماعي للتجمّع في ساحة النور (عبد الحميد كرامي) عقب الإفطار. وعند التاسعة، بدأ المحتجّون بالتدفق إلى قلب الساحة بأعداد كبيرة بمسيرات سيارة وعلى ظهر الدراجات. وتكررت الجولة المعتادة إلى بيوت النواب، ووقع الصدام الأوّل بينهم وبين الجيش في الشارع المحاذي لمنزل الوزير فيصل كرامي، وتم دفعهم نحو مستشفى النيني ومن ثم إلى ساحة النور.

قرابة الحادية عشرة ليلاً سمع انفجار قنبلة صوتية تلاه إطلاق نار كثيف مصدره ساحة النور. من ثم شهدت الساحة حالة من الهرج والمرج وإحراق المصارف وتحديداً المطلّة على مكان التجمّع. وإندفع الجيش الى وسط الساحة، وسيطر على الوضع داخلها، حيث تمركزت مجموعة من الملالات والآليات العسكرية، وسبق ذلك إصداره بياناً طالب فيه المتظاهرين السلميين بالخروج من الشوارع في طرابلس بسبب ما قال إنه وجود مندسّين.

تطورت الأحداث لاحقاً  إلى صدام بين المحتجين والقوى العسكرية. إنتقلت المواجهات بعدها  إلى الشوارع المحاذية والشوارع الداخلية حيث فرّ المتظاهرون بإتجاه مصلحة المياه القديمة وبإتجاه شارع محرم، وفي كرم القلة شارع يزبك وساحة الكورة. وأدت المواجهات إلى تضرر عدد كبير من المؤسسات وذهب مكتب المحامي طلال الفاضل ضحية إحراق المبنى الذي يضمّ مصرف BLC حيث طالته النيران التي أتت على الملفات والمراجع والمكتبة القانونية والعلمية الموجودة داخله.

ووصفت إحدى السيدات اللواتي يقطنّ في بناء مرتفع يُطل على ساحة النور ليلة أمس الإثنين بـ "المجزرة"، فهي غير مسبوقة لناحية مستوى العُنف المفرط المستخدم منذ إنطلاق الإنتفاضة. وقالت إنّها ذكّرتها وعائلتها بأيّام الحرب: "جلسنا على الأرض وبمقربة من باب الحمام، لتجنّب الرصاص"، ورأت الشبان يهربون إلى الزواريب، ومواقف البنايات السكنية. ولكنّ الأسرة لم تبق بمأمن، لأن كمية الدخان المتصاعد من القنابل المسيلة للدموع كان كبيراً، حيث تسلسل إلى داخل الغرف رغم إحكام إغلاقها. وتعرّض أفراد العائلة إلى حالات من الغثيان الشديد، وحرقة في العيون والأنوف.    

لجنة الدفاع عن المتظاهرين: الجيش لحماية الناس وليس جدران المصارف

أشار مسؤول العلاقات العامة والإعلام في الجمعية الطبية الإسلامية المحامي عمر خضر إلى وقوع 39 إصابة خلال الصدامات، وقد أسعف جهاز الطوارئ 28 إصابة من ضمنها خمسة عسكريين بينهم ضابط. ولفت خضر إلى أنّ الإصابات لم تكن خطيرة، بإستثناء المتظاهر عمر الراوي الذي أصيب في صدره، إلا أن وضعه الآن مستقر بعد إجراء عملية جراحية له.   

وأعلن الجيش صباحاً عن إصابة 40 عسكرياً من بينهم 6 ضباط، وتوقيفه 9 أشخاص "لإقدامهم على رمي المفرقعات والحجارة على منزل النائب فيصل كرامي، ورشق عناصر الدورية الموجودة في المكان بالحجارة وافتعال أعمال شغب وإحراق ثلاثة مصارف وعدد من الصرافات الآلية واستهداف آلية عسكرية بزجاجة حارقة (مولوتوف)، ورمي رمانة يدوية باتجاه عناصر الدورية ما أدى إلى إصابة ضابط وعسكري". ونفّذ الجيش صباحاً أيضاً عمليات دهم في طرابلس بحثاً عن شبان شاركوا في إحراق آلية للجيش اللبناني خلال المواجهات الليلية.

وأسف بيان آخر لقيادة الجيش لسقوط شهيد خلال احتجاجات الأمس في طرابلس وأكدت أنها فتحت تحقيقا بالحادث. وجددت القيادة تأكيدها احترام حق التعبير عن الرأي شرط ألّا يأخذ التحرّك منحىً تخريبياً يطال المؤسسات العامة والخاصة.

وأصدرت لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين بياناً طالبت فيه قيادة الجيش بإجراء تحقيق شفاف وعلني حول استخدام العنف المفرط تجاه المتظاهرين ولا سيما الرصاص الحي والمطاطي المباشر ومقتل فوّاز السمان وجرح آخرين. وأضافت أنها تنتظر الإعلان عن نتائج هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن ومحاسبة كل من أعطى الأوامر بذلك. وطالبت مخابرات الجيش والنيابة العامة العسكرية والتمييزية بالإفراج عن جميع الموقوفين على إثر أحداث الليلة الماضية.

وذكّرت اللجنة قيادة الجيش بأنّ "أعمال التخريب التي لا تؤدّي إلى أضرار بشرية تقع في إطار الحق بالانتفاضة على السلطة الجائرة التي انقلبت على المصلحة العامة وانتهكت حقوق شعبها، كما تقع في إطار الدفاع المشروع عن النفس وعن لقمة العيش والكرامة". كما ذكّرت بأنّه "من واجب المؤسسة العسكرية حماية حياة الناس وكرامتهم قبل حماية جدران المصارف التي نهبت أموال الناس وبعض الطرقات المقطوعة مؤقتاً".

ويستمرّ التوتّر في طرابلس حتى كتابة هذه السطور فقد عاود المحتجّون الهجوم على المصارف في طرابلس حيث حطّموا ما تبقّى من محتويات البنك اللبناني الفرنسي في ساحة النور. وتمّ إحراق بنك بيت التمويل العربي في شارع المصارف، وفرع بنك اللبناني الفرنسي الواقع بجانب الدائرة المالية في الزاهرية والمقابل لمستشفى شاهين قبل تتّسع الدائرة لتشمل فرع بنك عودة عند إشارة عزمي، وبنك لبنان والمهجر في الزاهرية.

انشر المقال

متوفر خلال:

حراكات اجتماعية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *