مُحامون تحت الوصاية (1): حجج السلطة


2023-05-15    |   

مُحامون تحت الوصاية (1): حجج السلطة

“أكيد مصادقة”. هذه هي العبارة التي قالتها المحامية مايا الزغريني وهي مزهوّة بالقرار الذي صدر للتوّ بردّ الطعون على قرار إخضاع حرّيات المحامين للرقابة المُسبقة، وهو القرار الذي كان صدر عن مجلس نقابة المحامين في بيروت في تاريخ 3 آذار 2023. وقد قالت الزغريني هذه العبارة أمام مجموعة من المحامين الطاعنين كانوا ينتظرون قرار الهيئة المختلطة الناظرة في القضايا النقابيّة في محكمة استئناف بيروت. للعلم، تتكوّن هذه الهيئة من 3 قضاة ومن محامييْن عضوين من مجلس نقابة بيروت. ويتأتّى زهوّ الزغريني من أنّه أمكنها بفعل نصّ هجين أن تشارك في ردّ الطعون المقامة ضدّ القرار الذي كانت شاركت في إصداره. بمعنى أنّها مزهوّة لأنّها نجحت كعضوة في الهيئة المختلطة أن تستصدر قرارًا بإعلان صوابية القرار الذي كانت نجحت في استصداره بصفتها عضْوة في مجلس النقابة، من دون أن يُعكّر من صفْو زهوها أنّها جمعتْ في شخصها (تمامًا كما زميلها وجيه مسعد) صفتيْ الخصم والحكم. إذ أنّ هذا الجمع على غرابتِه أجازه القانون وتحديدًا قانون تنظيم مهنة المحاماة وليس باليد حيلة (!!). وإذ شكّل هذا العامل أحد أهمّ العوامل المقلقة في الدعوى التي أقمتُها مع عدد من زملائي، فإنّ تماهي قضاة الهيئة مع حجج مجلس النقابة إلى حدّ المطابقة، أثبت مدى خطورته، وأنّه أمر بات من الضروري العمل على تغييره احترامًا لمبادئ المحاكمة العادلة في ما قد يطرأ من نزاعات لاحقة.

وقبل المضيّ في تفنيد الحجج الواردة في القرار في سياق دحضها، سأتناول بداية مجموعة من المعطيات المقلقة والتي مهّدت له، لأختم بعرض الخطوات التي أعتزم القيام بها بعد صدور هذا القرار وفي ظلّ الشوائب التي أحاطتْ به. 

أفعال سلطة في مواجهة حجج القانون

اتّخذ قرار مجلس النقابة بتقييد حرّيات المحامين في 3 آذار 2023 من دون أن تسبقه أيّ استشارة لهم، بل من دون أن يقترن بأيّ أسبابٍ موجبة. وقد بقي طيّ الكتمان ليعلن عنه بعد أسبوعين ولينشر في كتيّب قبل إبلاغه للمحامين أو انقضاء مهلة الطعن فيه، كأنّما يراد فرضه فرضًا كأمر واقع من دون أي مناقشة أو استعداد للرجوع إلى الوراء. وما أن أصدر ائتلاف استقلال القضاء بيانًا اعتراضيًّا أسف فيه لأن يتمّ المسّ بجوهر الحرّية تحت غطاء تنظيمها وبخاصة في هذه الظروف، تمّ استدعائي شخصيًّا للاستماع من مجلس النقابة، وهو استدعاء يستشفّ منه وجود نوايا بإخضاعي لتحقيق قد ينتهي بالشطب. فكأنّما المجلس أراد وأد الاعتراض وهو في المهد من خلال استخدام وسائل السّلطة ضدّي ومن خلالي ضدّ أيّ محامٍ تسوّل له نفسه الاعتراض علنًا على هذا القرار. وقد شكّلت هذه التصرّفات كافّة مؤشّرًا على الأسلوب الذي اختارتْه النقابة في مواجهة الاعتراض عليه، وهو أسلوب الردّ على الحجج القانونية بأفعال سلطة، وبكلمة الردّ على الاحتجاج على الانتقاص من الحريات والحقوق بمزيد منه. وقد ترافق، للأسف، هذا الاستدعاء مع حملات تهويل شنّها مجهولون على مجموعات واتساب لمحامين ضدّي وتضمّنت اتهامات غير صحيحة مع التهديد بمزيد من “الفضائح” (وهو الأسلوب النموذجي المعتمد في التهويل). لم أستطِع تحديد مصدر هذا التهويل لكن يسجّل أنّ المجلس المسؤول عن السهر على آداب المهنة لم يعِرْ هذه المخالفة الجسيمة أيّ اهتمام، كأنّما كرامتي مستباحة ولا تستوجب أيّ حماية. وقد تأكّد الدافع إلى استدعائي في مضمون التحقيق معي (والذي جرى في ظلّ الخصومة القضائية معي ومع حجب حقي في الاستعانة بمحامٍ) والذي جرى تحت عنوان “إطلاق حملة ضدّ النقابة للتشكيك بدورها النقابي”. وهو الأمر الذي عملتُ على دحضه على طول التحقيق مذكّرًا بأنّي كنت في معرض الاحتكام للرأي العامّ دفاعًا عن حريّتي وعن حقّي في ممارسة مهنة المحاماة ضدّ ما اعتبرته تهديدًا لهما من دون أن يكون لديّ أيّ نية في استهداف النقابة التي أحرص على انتمائي إليها أو أشخاص القيمين عليها. وإذ انتظرت إبلاغي قرارًا بعدم الشطب نظرًا لخلوّ ملف التحقيق من أي مخالفة في ختام الجلسة، أرجأ المجلس اتخاذ قراره إلى حين صدور قرار الهيئة المختلطة حيث قرّر عدم الشطب مع إصدار توصية للنقيب لم أتبلّغ فحواها بعد. وعليه، تمّ وضعي بنتيجة ذلك، طوال فترة المحاكمة أمام الهيئة المُختلطة تحت سيف مُصْلَت بإمكانية الشطب من دون أن يعني ذلك بالضرورة إبراء ذمّتي التأديبية نهائيًا. 

حجج السلطة هي الأخرى برزتْ في خطاب النقيب وأعضاء مجلس النقابة ردًّا على الانتقادات الواسعة التي طالتْ قرارهم، والتي توسّعت تبعًا لاستدعائِي. وقد تمثّلت هذه الحجج عمومًا في شيطنة الحرّية الإعلاميّة من خلال استعراض مجموعة من القصص عن سوء استخدام “حفنة من المحامين لا يتعدّى عددهم عدد أصابع اليد الواحدة” (العبارة للنقيب) الحرّية، ممّا سبّب “فوضى” كبيرة تفرض تقييد حرّيات المحامين كافّة. وعليه، تم اختزال الغاية من الظهور الإعلامي للمحامي بالدعاية لشخصه واجتذاب زبائن على حساب زملائه وإفشاء أسرار التحقيق وإعطاء معلومات أو استشارات مغلوطة والتأثير على مسار المحاكمات. هذا فضلًا عن قصص لا أعرف مدى صحتها بشأن نشوب نزاعات عنيفة بين المحامين على الهواء. ولم يخفِ النقيب في إحدى إطلالاته تبرّمه من المحامين الذين يتظاهرون أو يقتحمون دوائر رسمية، آملًا أن ينتهي القرار إلى حصر عمل المحامي داخل المحاكم. في المقابل، خلا خطاب القيّمين على النقابة من أيّ إشارةٍ إلى إيجابيات الحرّية أقلّه على صعيد الدفاع عن الحقوق والحرّيات أو بناء الثقافة الحقوقية أو دعم القضاء المستقلّ أو مكافحة الفساد أو فضح الحيل وسوء النية والنقص في التشريع بهدف تصويبه. وقد اقترنتْ شيطنة الحرية على هذا الوجه مع إعلاء شأن نقيب المحامين الذي سيتولّى “مشكورًا” (العبارة وردت في لائحة نقابة المحامين في الدعوى) تنظيم حرّية المحامين من خلال منح الإذن المسبق أو حجبه. فهو “الأب الصالح” لجميع المحامين والمنتخب منهم جميعًا. ولم يجد النقيب حرجًا في توصيف نفسه وتوصيف أعضاء النقابات بـ “المقامات” التي يستتبع التطاول عليها عقوبات تأديبية (محكمة، 15 نيسان 2023).

ولم يقتصر هذا الأمر على التخاطب في الفضاء العام، بل انسحب أيضًا على التخاطب أمام القضاء. وهذا ما يبرز من اللائحة المبرزة من النقابة ردًا على الطعن الذي قدّمته، حيث اعتبرت أنّ توصيفي للقرار بالاعتباطي أو بالتعدّي يشكّل استفزازًا للنقابة ويجدر شطبه، وأنّه لا يحقّ لي تقديم دعوى ضدّ النقابة من دون إذن مسبق منها، وأنّه ليس لي صفة الطعن، وكلّها حجج سلطة. في المقابل، خلتْ اللائحة تمامًا من أيّ إجابة في المضمون على الأسباب التي أثرتُها في سياق المطالبة بإبطال القرار، كأنّما ليس عليها أن تجادلني أو تناقشني بشيء. وقد تكرّر الأمر نفسه في المرافعة: فلئن ترافعت خلال 10 دقائق إثباتًا لتعارض القرار مع نصوص ومبادئ قانونية، أخذت مرافعة أحد أعضاء المجلس شكلًا سلطويًا جاز وضعه ضمن أسلوب “النَهْر عن المنكر”، حيث ردّد أكثر من مرة “لا نسمح لأحد أن يقول إنّ النقابة سقطت” (علمًا أنّي كنت قلت إنّ مجلس النقابة هو الذي سقط في امتحان فحوص مبدأ التّناسب وهو تعريب لما يسمّى TEST OF PROPORTIONALITY). الأمر نفسه حصل في الدعوى التي قدّمها اثنا عشر زميلًا حيث بقي الجواب الأوحد على حججهم القانونية هم أيضًا حجج سلطة. وعليه، وإذ عمد القيّمون على النقابة إلى استخدام أدوات السلطة في وجهي استدعاء ومرافعة، فإنهم امتنعوا عن تقديم حججهم ومُستنداتهم ووضعها موضع مناقشة كما تفترض أدبيات المهنة (يراجع على سبيل المثال النظام الداخلي لنقابات المحامين في فرنسا) لينحُوا على العكس من ذلك إلى التعامل معي كسلطة تحقّق وتنهر وتلاحق بمنأى عن أيّ نقاش لا داخل المحكمة ولا خارجها وبما يهدد استقلاليّتي كمحامٍ وقدرتي على الدفاع بطمأنينة عن نفسي ومن دون الخوف من عواقب هذا الدفاع. 

وإذ بقي مجلس النقابة على هذا المنوال في سياق استعراض سلطته ردًّا على الانتقادات التي واجهتْه، لاقتْه في هذا المسعى السلطة السياسية المتمثلة بوزارة العدل في اتجاه تقييد الحرية. تمّ ذلك بموجب التعميميْن الصادريْن عنها في تاريخ 24 نيسان 2023 واللذيْن ذهبا ليس فقط إلى تقييد حرّية القضاة بالكلام بل علاوة على ذلك إلى عزلهم من خلال تقييد حرّية سفرهم أو تواصلهم مع منظمات محلية أو دولية أو سفارات. وهنا أيضًا أخذ التقييد شكل فرض الحصول على إذن مُسبق، بعدما تمّت شيطنة حرية القضاة في التواصل وتظهيرها على أنّها تهدف فقط إلى نسج علاقات لتأمين سفرات إلى الخارج. لم يتأخّر ردّ نادي قضاة لبنان الذي أعلن أنه سيتعامل مع التعميمين على أنّهما غير موجودين معتبرًا إياهما مسًّا بمبدأ فصل السلطات واستقلالية القضاء. 

وقد تكلّل كلّ ذلك في الندوة التي دعتْ إليها لجنة الحرّيات في نقابة المحامين في تاريخ 10 أيار 2023 أي قبل يوميْن من صدور قرار المحكمة، الندوة التي حملتْ عنوان: “الحقّ والحرّية قيمتان وجوديّتان مسؤولتان”. وإذ يصعب تخيُّل هذه الندوة بمعزل عن التخاطب العام حول قرارات المجلس، فإنّها تكشف أنّ القيّمين على النقابة رأوا أنّ أفضل ردّ على الانتقادات التي واجهتهم يكون في إعلان انسِجامهم وتماهِيهم الكليين مع أعيان السلطة الحاكمة في كيفيّة مقاربة الحق والحرّية. تأكّد ذلك في هوية المدعوّين، حيث لم يُدعَ إليها أساتذة جامعيّون في المادة الدستورية أو في مادة الحرّيات العامّة، لم تُدعَ إليها منظمات حقوقية، بل فقط ثلاثة وزراء هم تباعًا وزراء العدل هنري الخوري والثقافة محمد مرتضى والداخلية بسام المولوي (مثّله محافظ بيروت مروان عبود)؛ وهم يمثلون قوى سياسية وطائفية مختلفة. هذا من دون أن ننسى أنهم سجّلوا خلال ولايتهم القصيرة أفعالًا هجينة يستدلّ منها استعدادهم لاستباحة الحرية، آخرها تعميما وزير العدل اللذان لم يكن الحبر جفّ عنهما بعد. كما تأكّد تماهي القيّمين على النقابة مع أعيان السلطة في فحوى المحاضرات التي تمّ إلقاؤها والتي بدا مضمونها مُنسّقًا مُسْبقًا إلى حدّ التطابق، حيث ذهبتْ كلّها إلى التسويق لضرورة تقييد الحريات في الظروف الحاضرة بالنظر إلى مخاطرها. وهذا ما اختصره نقيب المحامين ناضر كسبار في قوله “كم من الجرائم ترتكب باسم الحرّية؟” واللافت أنّه رغم توسّطه قوى السّلطة والتماهي معها، فإنّ النقيب لم يجدْ حرجًا في توصيف الانتقادات الموجّهة ضدّ قرار مجلس النقابة في تقييد حرّيات المحامين على أنّها تدخّل في القضاء من شأنه التأثير على مآل الحكم في الطعون المقدّمة ضدّه ومسّ باللامساواة بفعل امتياز من له إمكانية اللجوء إلى الإعلام على حساب الآخرين الذين قد يكونون أقلّ قدرة منه. سعى النقيب بذلك هنا أيضًا إلى إبراز الأضرار التي تتأتّى عن التداول في القضايا العالقة وتأثيرها على القضاء، متناسيًا أنّه كان في تلك اللحظة بالذات مُحاطًا بأعيان السلطة السياسية الحاكمة الذين أتوا يدعمون تقييد الحرّية وتاليًا قراره المطعون فيه ويحذّرون الناس من التذمّر من هذا التقييد. كما تناسى في تلك اللحظة أنّ الهيئة المختلطة التي ستصدر حكمها تضمّ عضويْن من مجلس النقابة كما سبق بيانه ممّا يولّد وضعية لا مساواة فاقعة لصالح هذا المجلس. تناسى في تلك اللحظة أنّ النقابة ليست معدومة الوسائل والإمكانات وأنّ النقاش العلني في القضايا العالقة أمام القضاء بهدف صناعة رأي عامّ حولها هو وسيلة مشروعة (فضلًا عن كونها علنية) للجميع بما فيهم النقابة الاشتراك فيه تبيانا لسدادة وجهة نظرها ودحض وجهات النظر المقابلة. والأهم تناسى أنه لا مجال لمقارنة تأثير التداول العلني في القضايا أو خطورتها بالاستقواء الحاصل مع أعيان السلطة الحاكمة أو بالتدخّل المُستتر في الغرف المُظلمة ترغيبًا أو ترهيبًا أو تواطؤًا والذي هو بالضرورة وسيلة غير مشروعة لم يأتِ النقيب على ذكرها قط طوال الندوة.

وهذا ما يسمح لنا بالانتقال إلى الجزء الثاني من هذا المقال والذي أخصّصه لتفنيد الحيثيات التي استند عليها قرار الهيئة المختلطة لدى محكمة الاستئناف في بيروت.  

انشر المقال

متوفر من خلال:

عمل ونقابات ، نقابات ، قرارات إدارية ، حرية التعبير ، مجلة لبنان ، لبنان ، مقالات ، المهن القانونية



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية