موقوفو احتجاجات طرابلس: شباب كبروا قبل الأوان وآخرون سكنوا المياتم وأهلهم أحياء


2021-03-17    |   

موقوفو احتجاجات طرابلس: شباب كبروا قبل الأوان وآخرون سكنوا المياتم وأهلهم أحياء
من اليسار إلى اليمين: موسى الحسامي ومهدي بحري ومحمد معرباني

خرج أبناء مدينة طرابلس باكراً من دائرة الاعتراض الصامت إلى حيز التحرّك، فيما اقتنع “حرس النظام” وأنصاره بمواقعهم الاعتيادية، ليحاربوا حتى الرمق الأخير عن الواقع القائم المهترئ. 

مرّ شهر ونصف الشهر على أحداث طرابلس الأخيرة لكن لم تلتئم الجروح بعد، والسبب أنّ أربعة موقوفين لا يزالون وراء القضبان وقد ألصقت ببعضهم وبشكل جماعي تهمة الإرهاب الجاهزة. يمتدّ درب الآلام من باب التبانة، مروراً بالحارة البرّانية، وضهر المغر، والقبّة، وصولاً إلى المنكوبين. تختلف الأسماء والوجوه ولكن المعاناة واحدة. يشترك هؤلاء الموقوفون والمخلى سبيلهم في أمور عديدة، فهم ليسوا مجرّد أرقام في قائمة أو لائحة اتّهامية كما جرت العادة، كما أنّهم ينتمون إلى أسر متوسّطة وفقيرة الحال، لم يحصلوا على تأهيل علمي وعملي كافٍ، تضيق بيوتهم بأحلامهم، وجدوا في ثورة 17 تشرين متنفّساً لهم لتفريغ الضغط النفسي والنقمة الاجتماعية على السلطة المركزية. في المقابل، لا يختلف هؤلاء سوى في تفاصيل قصصهم وحياتهم، وحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم، كما أنّ سنين الخبرة والنضج تتفاوت، من قاصر يبلغ 16 سنة كما هو حال علاء كمّون، إلى الأب ورب العائلة الثلاثيني محمد إسلام معرباني، وبينهما مرضٌ ويُتمٌ يُظلّل تجربة محمد الباي.    

قادنا هذا التحقيق إلى أماكن كثيرة تُثير أسماؤها علامات استفهام لدى البعض. زرنا الأهالي والموقوفين، تلمّسنا معاناتهم اليومية في مساكنهم أو “أشباه البيوت”، والأثر النفسي لقرارات الدولة والسلطة لدى المهمّشين عن موقع القرار، والذين يتم التعامل معهم كأرقام في أزمنة الانتخابات. 

محمد الباي المريض الثائر 

ينحدر الموقوف محمد الباي ابن الـ22 عاماً من منطقة ضهر المغر الحي الشعبي الشهير، هناك حيث تقسم الأدراج الحي إلى ضفّتين، تتحدّث الجدران عن قاطنيها، أناسٌ مُفعمون بالعاطفة، شاخت أرواحهم باكراً بسبب التهميش، ضاقت سماء آفاقهم وطموحاتهم بسبب نقص الفرص، أحاط بهم اليأس من كلّ زاوية، إلّا أنّ ذلك لم يحل دون بروز العنفوان المفرط، ورفض الدوس على طرف لهم. 

ينتمي الباي إلى عائلة متواضعة وكبيرة نسبياً، فهو واحد من “دزّينة” أبناء يشكّلون عُصبة حول “الوالدة أمل”. في قصة محمد وأخوته  تُعتبر الأم نقطة مركزية، فهي طالما اعتبرت عماد البيت وأساسه.

تعيش أمل فصلاً جديداً من قصة الصمود التي تتضمن الكثير من اللحظات الموجعة، فهي اليوم تسترجع إحساس فقدان الأحبّاء. لا تتوقّف الوالدة الصابرة عن البكاء على فراق ابنها محمد الموقوف منذ شهر ونصف والذي تختصر وضعه بالقول: “إبني مريض صرع ويحتاج إشرافاً طبياً ودواء باستمرار”. وتنطلق من حالته الطبية لتؤكّد على أنّه “قاصر عن القرار، وإدراك الأمور”. وهي تخشى على حياته لأنه يتواجد بعيداً عنها، واعتاد أن تُنظّم له مختلف جوانب حياته حتى أبسط الأشياء كالاستحمام وتناول الطعام.   

تُعيدنا الوالدة بالذاكرة إلى مرحلة الطفولة، فابنها لم يتعرّف على والده بسبب وفاته بعد ولادته بشهر واحد. انصرفت الوالدة إلى العمل في مجال “تقديم القهوة على الصينية في الأفراح والأتراح”، لذلك اضطرت إلى وضع أبنائها في الميتم. تربّى محمد في أحد دور الأيتام في منطقة باب الرمل. لم تخرج حياة محمد الصعبة عمّا عاينته والدته، فهي في سنّ السابعة “قادها والدها للعمل في الخدمة المنزلية”، لذلك هي تحرص على العناية بأبنائها، وكذلك بالأبناء الأربعة لابنها زكي المتوفّي. 

لم يرتقِ محمد في سلّم العلم والعمل مثله مثل أكثرية أبناء العائلات المحدودة الدخل في مناطق الأطراف، لذلك انتمى باكراً إلى شريحة المياومين و”العتّالة”، كان ينقل بعض الأغراض لتجّار التربيعة وزبائنها لقاء ألوف قليلة من أجل تأمين ثمن الدواء.  

لسنوات استمرّت معاناة محمد الباي مع كهرباء الرأس، وكان يحتاج مجدّداً إلى “تخطيط للرأس” تأجّل مرّات عدّة بسبب الوضع المادي الصعب للعائلة قبل أن تهتدي إلى المستشفى الحكومي، تقول الوالدة “يحتاج الطبيب إلى مئة دولار، من أين لنا بهذا المبلغ؟”. 

وجد الباي ضالّته في الثورة، فهو كسائر أبناء الحي الفقير المُعدم، نزل إلى الساحة للمطالبة بالحد الأدنى من حقوقه. تؤكّد الوالدة أنّ ابنها لا ينتمي إلى حزب أو تنظيم، بل “ينتمي إلى الجوع فقط”. بين الفينة والأخرى، تكفكف أمل دموعها، تأخذ استراحة لتتنفّس بعمق، وشغلها الشاغل، هل وصل الدواء إلى محمد؟ وهل تناوله؟

تنفي عن ابنها تهم “الإرهاب” و”إحراق البلدية”، لأنّه لم يكن هناك عندما تعرّضت لإضرام النيران فيها. وتُطالب القاضي النظر بعين الرأفة إلى “الشاب المريض”، وتأمل بأن يخرج إلى الحرية عاجلاً غير آجل. 

تتواصل الوالدة باستمرار هاتفياً مع ابنها الذي يتمنّى توقيفه في مكان قريب من والدته لرؤيتها باستمرار، لأنّها فقيرة ولا تمتلك بدل نقل إلى رومية. وتتحدّث أمل عن “خوفها على مصير ابنها وسلامته”، لأنّ “مكان مريض الصرع  في المصحّة، وليس في سجن رومية”، لافتةً إلى أنّه “كان موضع سخرية بسبب مرضه خلال عملية توقيفه لأنه يعاني من الكهرباء”. وتؤكّد أنّه “تعرّض للضرب داخل مركز التوقيف، كما حُرم من الدواء بالرغم من تأمينه من قبل المحامية، وتقديمها لتقرير طبي يثبت حالته الصحية”. 

تتحسّر أمل على الوضع الذي بلغه لبنان، لذلك تطالب بـ “الإفراج عن الشعب اللبناني بأكمله، لأنّه وصل إلى مرحلة من القهر والذلّ غير مسبوقة، يموتون على أبواب المستشفيات، ولا يملكون الطعام والدواء”. 

من أجل التأكيد على الحالة الصعبة التي تعيشها عائلة الباي، تصحبنا أمل إلى منزلها حيث تُربّي أحفادها وحفيداتها. في داخل منزل الباي، غُرف شبه فارغة، لأنّ الأسرة تُضطر لبيع فرشها من أجل شراء المتطلّبات الأساسية للمعيشة، ولا تجد ما تأكله غير “البطاطا مع بصل”.

موسى الحسامي: الثائر الدائم حتى بعد إخلاء سبيله

يشترك موسى الحسامي (23 عاماً) مع محمد الباي في كثير من التفاصيل الصغيرة، ففي جذور القصة “كان محمد وموسى رفيقان في دار الأيتام في باب الرمل”، كذلك في الواقع الاجتماعي وضيق الحال. يُدافع موسى عن محمد الذي “نزل إلى الثورة ليطالب بحقّه في العلاج”.

بعد بلوغهما وخروجهما من الميتم، لم يقنع موسى بحياة الحاجة التي يعيشها الكثير من أهالي منطقة محرم، فحاول قدر الإمكان تحقيق استقلاليته، حيث عمل في مجال طلاء المنازل، وبعض الأعمال البسيطة المؤقتة. ويتذكّر أنّ “آخر أجر حصل عليه هو 200 ألف لقاء دهان شقة مؤلفة من غرفتين، ومطبخ، وحمام. وقد تقاسم المبلغ مناصفة هو والعامل”. 

حصل موسى على فرصة للعمل في المستودعات بمرفأ طرابلس، إلّا أنّ فرحته لم تكتمل فأثناء دخوله إلى حرم المرفأ “أظهرت النشرة أنّه مطلوب بموجب بلاغ بحث وتحرّي بتهمة مشاركته بأعمال الشغب في ساحة الثورة”. تبدّدت بعض أحلام موسى، فقد بنى مخطّطات لتأسيس أسرة والدخول في علاقة بناءً على العمل كمياوم. 

يؤكّد موسى أنه مشارك دائم في التحرّكات الثورية “السلمية”، مؤكّداً أنّه بريء من التهمة الجماعية التي وجهت للثوار بـ”إحراق البلدية والسرايا”، موجّهاً أصابع الاتهام إلى “أتباع النوّاب” في المسؤولية عن الشغب. 

بعد توقيفه لدى فرع المعلومات، نُقل موسى إلى مخفر دوما البترون بسبب إجراءات التباعد في ظلّ أزمة كورونا، حيث قضى 20 يوماً إلى حين إخلاء سبيله. يصف معاملة قوى الأمن الداخلي بالحسنة، حيث تواصل مع عائلته، وتأمّن له الطعام، وتمّت مراعاة وضعه الصحي أي “الإصابة بالربو” لذلك لم يكن في مكان مكتظ كما حصل مع آخرين. 

مَثل موسى أمام قاضي التحقيق العسكري مارسيل باسيل، التقى في المحكمة العسكرية رفيقه “محمد الباي” الذي “أخبره أنّه تعرض للضرب لدى المخابرات أثناء التحقيق معه”. يقول موسى أنّ التحقيق في المحكمة تمحور حول “معرفته بـ ربيع الزين، خالد الديك، وسيف الدين حسامي (والده)”، ساخراً من تهمة “تقاضي المال مقابل النزول إلى الشارع”. ويتساءل “مين رح يقبّضنا ونحنا عم نتظاهر تحت بيوت النواب الأغنياء عم نبهدلهم ونطالبهم بالاستقالة بسبب سرقتهم البلد؟” 

بعد خروجه، شارك موسى في التحرّكات الاحتجاجية عند “جسر البالما”، للمطالبة مع الثّوار هناك بحقوق في التعليم، والعمل، والطاقة، والطبابة و”عدم الموت على أبواب المستشفيات”. يطمح اليوم بمباشرة عمله كمياوم في مرفأ طرابلس، لأنّ لا سبيل للقضاء على الفقر، والجوع، والحاجة إلّا بالدخل الدائم لأنّ “أبناء الأحياء الشعبية، يعيشون كل يوم بيومو، يعني إذا اشتغلوا بياكلوا، وإذا ما اشتغلوا بيموتوا من الجوع”. ويأسف كيف أنّ “الناس يأكلون الخبز الحاف”، بعد تحوّل المال إلى مقياس للقيمة والحياة، قائلاً: “إذا معك مصاري بتعمل كل شي، أما إذا كنت فقير لا أحد يلتفت إليك.  

محمد معرباني: الأب والعاطفة المفرطة 

في منزل متواضع جداً في حي الراهبات بمنطقة القبّة، يستقبلنا المُخلى سبيله محمد معرباني، بعد أن عاد من عمله في بيع الدجاج. يبادر في الحديث عن خسارة لحقت به اليوم بفعل التفاوت في سعر صرف الدولار، وكذلك لاضطراره إلى تحديد أسعار مبيع تتناسب مع الأوضاع الاقتصادية لأهالي المنطقة. لذلك يشعر بهم ويبيع بسعر “شبه الكلفة” لأنّ “كيلو الفخاد 13 ألف، وكيلو الصدر 24 ألف وهذا يتجاوز قدرة العائلات الفقيرة”. ينطلق من تجربته ليقول “كنا نأكل ثلاث وجبات، أما حالياً بدأنا تأخير الغداء إلى الساعة الخامسة، لأنّ الوضع المعيشي أصبح صعباً جداً”.

تلمع عينا محمد معرباني في كلّ مرّة يتحدّث فيها عن غيابه عن بناته الثلاث حسنة، ومنى، وزينب. أمضى معرباني 31 يوماً في التوقيف. يقول إنّه شعر كما لو أنّها 31 عاماً، فهو طوال تلك الأيام كان “أسير المخيلة” و”النفسية المدمرة” بسبب “الاتهام في ملف إرهاب”، ويساوره هاجس التوقيف لسنوات طويلة تُبعده عن بناته، والمولود الجديد الذي اقترب قدومه، واحتمال أن يكبروا بعيداً عن عينيه. وحفرت كلمات إبنته زيزو (الصغيرة) في نفسه عميقاً “عندما كنت أتصل بها كل نهار سبت، كانت تقول بابا لماذا تأخرت؟ ومتى ستعود لتُحضر لي كيس الحليب الذي وعدتني به؟” وهو في كل يوم بعد إخلاء سبيل، يدخل يتأمّل البنات وهنّ نائمات، ويبكي. يخاف عليهنّ لأنّ “البنات مظلومات في المجتمع”، ويخشى على مستقبلهنّ لأنّه “لا يمكنهنّ الاستمرار في التعليم أونلاين لأنّه لا يوجد سوى هاتف واحد يحتاجه هو في العمل”.  

لم يتثنّ لمحمد الحصول على فرصة تعليم لاضطراره للخروج إلى سوق العمل في سنّ مبكرة لمساعدة والده الفقير وأخواته الست. كان يحصل على أجر 2500 ليرة كان يشتري بها خبزاً ولبنة، ويخبئ 500 إلى اليوم التالي، مؤكداً أن “الحياة كانت فقيرة، ولكن الجار كان يشعر بجاره، ويمنع سقوطه في الجوع”. 

على غرار أبناء الأحياء الشعبية، كبر محمد باكراً، وعندما “ارتقى” إلى أجر السبعة آلاف ليرة كانت “عُزوة له”، ويقول: “كان آخر شيء نتوقّعه أن نفكّر بلقمة الأكل، أو حرمان أولادنا الطعام والحاجيات الأساسية، فقد كنّا كلّ يوم نخرج في كزدورة ونذهب إلى كورنيش الميناء، أو إلى البحيرة، أما الآن بتنا في مرحلة صعبة”.

يفتخر محمد بأنّه من أوّل الناس الذين نزلوا إلى الشارع في 17 تشرين وتحديداً إلى ساحة النور للمطالبة بحقوقه في الرعاية الصحية وتفادي الموت على أبواب المستشفيات، وكذلك الكهرباء والعمل المستقر. لم يلتحق معرباني بأيّ تنظيم لأنّه “يعارض قطع الطريق على الفقراء أو إحراق الدواليب بسبب ضررها”، ويعتقد أنّ الثورة يجب أن تكون على السياسيين الذين وعدوا أهل طرابلس بتحويلها إلى خلية إنتاجية بعد الانتخابات النيابية في 2018، “تلك الوعود جعلتنا نعتقد أنه لن يبقى فقير في طرابلس بعد الانتخابات، إلّا أنّ الواقع ازداد سوءاً لأنّ الزعامات بُنيت على إفقار الناس وكرتونة الإعاشة”. لذلك يُطالب بالنزول إلى بيوت السياسيين والتخييم تحتها ومنعهم من التحرّك لإلزام النواب الثمانية على الاستقالة لأنّه “لا يجوز أن يسكن النائب في قصر والناس في بيوت دجاج”.

لا يجيد محمد القراءة والكتابة فهو “أُمّي بالكامل”، وبالرغم من ذلك أجبر على توقيع إفادته لدى مخابرات الجيش في طرابلس بدون تلاوتها عليه، وقد “أمسك العنصر بيده ووقّع عنه”. كما يتحدّث عن تعرّضه للضرب أثناء التحقيق، ولم يتمّ اتهامه بإحراق المقار الرسمية بل “بتمويل شبان الثورة وإعطائهم 25 ألف للنزول إلى الساحة”، على ما يقول. ويتحسّر محمد حتى الآن لأنّه تمّ توقيفه من محلّه في القبّة.  

يشير محمد إلى أنّه “كان يعرف بيروت بالاسم فقط، فقد كان يعمل أثناء شبابه المبكر مع عمّه نجّار الباطون في جسر المديرج، يذهب نائماً ويعود نائماً إلى طرابلس”، ولكنّه زارها حالياً في طريقه إلى وزارة الدفاع. ويلفت إلى أنّ التعامل تحسّن معهم في وزارة الدفاع، حيث تمّ إجراء فحوص كورونا لهم، وحظي بفرصة الاستحمام، وتبديل الملابس، والاتّصال بوالدته. يفيد معرباني أنّ المحقق كان لائقاً، وأحضر له الماء، ويقول “أقفل المحقق في الوزارة الملف بثلاثة سطور، أما لدى المخابرات في طرابلس فكان ثلاث صفحات، حيث أكدت له أنني مناصر للثورة، ولكن  لم أشارك في الشغب أو إلقاء المولوتوف، ولم أعترف بشيء لم أفعله رغم تعرّضي للضرب”. 

كانت آخر أربع ساعات في التوقيف هي الأطول في حياة محمد معرباني، عندما تلقى خبر قرار إخلاء سبيله من ثكنة زغيب في صيدا الجنوب، حيث كان موقوفاً في زنزانة مع الشابين حسين عبيد ومهدي البحري. كان يتوق للعودة إلى عائلته، ولكنه في الوقت نفسه كان يخشى على الشاب مهدي (21 عاماً) الذي يعاني وضعاً صحّياً خاصّاً، من الضغط النفسي والملل “لأنّ النهار في الحبس كسنة”، كما أنّه أصبح وحيداً بعد خروج حسين عبيد. ويشير إلى أنّه “كان يحيط مهدي برعاية أبوية، وشاركه نفس السُفرة، والبكاء بسبب البُعد عن الأمهات والأهل”.    

يأمل معرباني بفرج قريب على الشعب اللبناني، لأنّهم (أي السلطة) “مهما تجرّأوا لن يتمكّنوا من كسر إرادة الشعب اللبناني”، مختصراً تجربته بـ”نزلنا للمطالبة برغيف الخبز فكانت تهمتنا الإرهاب”.  

مهدي البحري “سند عائلته والمدلّل لدى أمه”

في غرفة صغيرة تعيش أسرة مهدي البحري المؤلّفة من 13 فرداً هم الأب والأم، وست بنات وثلاثة شباب أصغرهم مهدي، وحفيدان تربّيهما العائلة بسبب انفصال الابن الأكبر عن زوجته. يستقبلنا والده بالترحاب، إلّا أنّه يعتذر منّا لأنّه سيضطر لاستقبالنا أمام باب المسكن لأنّه لا يوجد مكان في الداخل. 

أرخى توقيف مهدي بظلاله على العائلة والأمّ لينا خوجة التي تُعلّق بأنّ “الواحدة منّا إذا سخن ابنها لا تنام، فكيف الحال إذا كان بعيداً عنها منذ أربعين يوماً، ولا تعرف عن مصيره شيئاً”، ولا تعتبر أنّ ابنها ارتكب شيئاً يسبّب العار فهو “نزل إلى الثورة ليطالب بحقّه ولقمة عيشه”.

تتخوّف الوالدة على حالة ابنها الصحية، فالشاب البالغ 21 عاماً يُعاني من تضخّم في الكبد، وعلمت أنّه بصق الدم بعد أنْ تعرّض للضرب لدى مركز المخابرات في طرابلس، وأنّه حسبما أخبرها المخلى سبيلهم، انتفخ جسده بسبب الخوف، كما أنّه يُعاني من كسر في أحد ضلوعه. 

خلال الأسبوعين الأوّلين من توقيفه، لم تكن العائلة تعرف شيئاً عن ولدها الموقوف، إلى أن تواصلت الأم مع نقابة المحامين في طرابلس. عجزت الوالدة عن التوجّه إلى ثكنة زغيب في صيدا، لأنّها تحتاج إلى 120 ألف كلفة المشوار، وكذلك تحتاج لترك مبلغ مالي لابنها بالأمانات، وليس هناك قدرة مادية لأن الأم تعمل مستخدمة بصورة يومية في إحدى المدارس الرسمية، وانقطع أجرها بسبب الإقفال المستمر.  

تأمل العائلة بأن يُشفى القاضي فادي عقيقي من كورونا من أجل إطلاق سراح الموقوفين (علماً أنّ هناك من ينوب عن عقيقي في غيابه). تجهل التهم المنسوبة إلى الشباب “الثوار الجياع”، إلّا أنّها تعلم بأنّ “الجوع، الظلم، عدم القدرة على شراء الحاجات الأساسية، والبطالة يولّد النقمة لدى أبناء الأحياء الشعبية على الدولة”. لذلك تناشد القاضي بأن يُنصف الجياع، ويحقّق العدالة.    

يتضاعف منسوب القلق عند الأم عندما يتمّ تأجيل البت في طلب إخلاء السبيل، وتقول “إنهم يلعبون معنا لعبة اللوتو بين الإثنين والخميس”، مردّدةً أنّ ابنها هو دواء الحالة العصبية التي تعيشها: “كلّ التعصيب بيروح عند رؤيته”، فهي تعتبر مهدي بمثابة صغيرها، وهو شديد التعلّق بها لدرجة أنّه يفرش وينام في جانب والدته، وفي غيابه تمنع الوالدة أحداً من النوم على فرشته، وهي تنام عليها لأنّه بعينها ما زال طفلاً.  

تنتظر العائلة عودة مهدي فهو السند لها، وتشير الوالدة أنّ ابنها نزل إلى سوق العمل في سن السادسة حين بدأ العمل بذبح الدجاج، وتضيف أنّه “من البيت إلى الشغل، ولا يخرج إلّا ليلعب الفوتبول أو البابجي، شاب محبوب وصاحب أخلاق، ليس لديه مشاكل مع أحد”. 

يتشارك مهدي والأم لينا في تحمّل أعباء المنزل، لأنّ الوالد نادر يُعاني مشكلة في مفصل قدمه اليمنى، ويقول إنه “غير قادر حتى على شراء حبة البنادول، فكيف حال إجراء عملية جراحية؟”. في نهاية اليوم، يعطي مهدي لأمه 20 ألفاً لتأمين حاجيات شقيقاته.   

لا يجيد مهدي القراءة والكتابة بسبب الظروف التي فرضها الفقر على الأهل، وبعد التحاقه بالثورة، انضمّ إلى صفوف محو الأمية في ساحة النور. شعر مهدي بفرح عظيم بعد تعلّمه الحروف الأولى، وتهجئة اسمه. لذلك يحرص مع أمه على تعليم اثنتين من شقيقاته، إحداهما في الصف السادس، والثانية في الصف التاسع.  

تنتظر العائلة “الفرج القريب” وإلى ذلك الحين “تُضطر الوالدة لأخذ بعض المهدّئات لتسكين آلام البُعد عن الولد”، وهي تُحضّر لاستقباله أفضل استقبال لأنّه “لم يرتكب أمراً معيباً”.

علاء كمّون القاصر الفنان

ليل السادس من آذار 2021، احتفل علاء كمّون بعيد ميلاده السادس عشر وراء جدران زنزانة “ثكنة فخر الدين” الرملة البيضاء، كان العيد هذه المرة بارداً بسبب بعده عن عائلته. يؤكد علاء الذي التقيناه بعد إخلاء سبيله أنّ “صورة أمه لم تفارقه طوال فترة توقيفه التي استمرّت 36 يوماً، لأنها تعتل همّه، ورفيقته في أكثر أوقاته”. 

تبلّغت العائلة توقيف علاء من خلال السوشيل ميديا، ففي ذلك اليوم (الجمعة) الذي أعقب إحراق البلدية أعطته أمه “خمسة آلاف خرجية” من أجل شراء طعام أو لعب البابجي. تقول الوالدة إنّه “أوقف من أجل ألف ليرة، لأنّه تم اعتقاله من أمام محطة مكية بعد أن ملأ الموتير ببنزين بألف ليرة”، ووجّهت له “تهمة رمي مولوتوف”. 

أوقف علاء لدى المخابرات في طرابلس ليوم واحد، وتدّعي والدته أنّه تعرّض للضرب، وشعر الفتى بالخوف لأنهم استقبلوه بمقولة “هون لا في لا بابا ولا ماما”. 

بعدها انتقل إلى وزارة الدفاع حيث أعيد استجوابه، وتضيف أنّ “العسكري نعته بابن الحرام، فأجابه أنت ابن الحرام، فتعرّض ابنها علاء للضرب، ودعس عليه”، وعصبت عيناه وقام أحد العناصر بتمرير شريط على جسده “ليتوهّم بأنّه سيتمّ صعقه بالكهرباء، وبعد فتح عينيه وجد أنّه شارجير”. 

واجهه المحققون بتهم “محاولة قتل عناصر أمنية، سرقة باب السرايا، وتخريب الأملاك العامة”، وقيل له: “قل إنّ أحدهم أعطاك خمسين ألف من أجل إطلاق سراحك”. ويؤكّد علاء أنّ مندوبة الأحداث لم تحضر التحقيق معه، بل جاءت بعد الانتهاء من استجوابه، و”ما كان إله عين يقول لها إنّه تعرّض للضرب”. قضى في الوزارة مدة سبعة أيام مع أربعة أشخاص، من بينهم “الموقوف من التبانة محمود قاسم” بعد ذلك، انتقل علاء إلى الشرطة العسكرية في ثكنة فخر الدين.   

عند زيارتها له لدى الشرطة العسكرية في بيروت، حملت الوالدة “شوكولا وماء”، كما وضعت له المال في الأمانات. وتقول إنّ الشباب هناك تلقّوا معاملة أفضل، وتراجع مستوى الضغط النفسي عليهم. 

أصيب علاء بفيروس كورونا داخل السجن، حيث قضى أيام الحجر الأربعة عشر برفقة شاب آخر مصاب، راح يتناول “بنادول نايت” وليمون، كما يقول، وكان ينام أكثر الوقت، فيما قضى أوقات أخرى في “شك عجو الزيتون”.

أمضى علاء فترة توقيفه مع تسعة أشخاص راشدين يكبرونه سناً، في مخالفة للقانون، شاركهم حماماً واحداً. يصف أنّ البعض منهم غطى الشيب رأسه، فيما تحدث آخرون عن توقيفهم بجرائم مخدرات. 

بلغ العائلة خبر إخلاء سبيله من أقارب لها في أستراليا بعد أن علموا بذلك من “غروبات” على واتساب. عاد علاء وحيداً بالتاكسي بعد إخلاء سبيله أمام الثكنة، بعد أن تعذّر وصول أمّه إلى مكان توقيفه بسبب قطع الطرقات، وما لبثت أن استقبلته الوالدة عند ساحة النور.

يشير علاء إلى أنّه شارك في ثورة 17 تشرين من خلال المطبخ الذي كان يقدم الطعام للفقراء، ويقول إنه يشعر بالضّيق لرؤية الناس بحالة عوز فأكثرية أهالي الحارة البرانية “عمال مياومين”. 

يساعد علاء أمه في محلّ الزينة الذي تملكه، ويتابع في الوقت نفسه دراسة الفندقية في المرحلة المهنية. وتتحدث الوالدة عن جانب فني في شخصية ولدها، كما تصفه بالذكي الذي يحب أن “يجرّب كل شيء”، وتلفت إلى أنّها تلاحقه باستمرار وتقدّم له النصح لأنّه ما زال صغيراً. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات



لتعليقاتكم