مهندسو تونس يهدّدون بهجرة جماعية


2021-05-06    |   

مهندسو تونس يهدّدون بهجرة جماعية
(الصورة: جريدة حقائق أون لاين)

تتواصل احتجاجات مهندسي القطاع العام التي انطلقت في شهر مارس الماضي إلى حين تجسيد الاتفاقات الموقّعة في شهر فيفري من سنة 2021 على أرض الواقع. ورغم تعهد الحكومة بتلبية هذه الاتفاقات، فإنّ عمادة المهندسين قرّرت مواصلة التحرّكات الاحتجاجية إلى حين تنفيذ التعهّدات المتعلّقة بسحب المنحة الخصوصية من مهندسي المنشآت العمومية ومساواتهم بنظرائهم المنتمين للوظيفة العمومية. 

وما تحرّكات المهندسين الحكوميين من مختلف الأسلاك التي تطالب بتحسين دخلهم إلّا تكرار لمسار خاضه من قبلهم القضاة والأطباء والأساتذة الجامعيون بحثاً عن تحسين أوضاعهم المعيشية فيما يفضّل كثيرون منهم الهجرة لتوفير حياة أفضل. 

 

صراع المهندسين من أجل تعميم الزيادات في الأجور: رحلة مفاوضات طويلة وشاقة 

تعود تحرّكات المهندسين العموميين إلى سنة 2017، بعد مسار طويل من الاحتجاجات أمام البرلمان والحكومة. ومثّلت إضرابات المهندسين واحتجاجاتهم بالتزامن مع تلك التي خاضها الأطباء والأساتذة الجامعيون الاستشفائيون والأساتذة الجامعيون الباحثون دافعاً لانعقاد مجلس الأمن القومي في شهر أكتوبر من سنة 2018 للنظر في سُبل الحدّ من هجرة الكفاءات المنقطعة النظير. وعقبت انعقاد مجلس الأمن القومي اتفاقات قطاعية وقرارات وزارية متعلّقة بتطبيق قراراته وتوصياته تمحور أغلبها في الزيادة في الأجور.

لم توافق حكومة يوسف الشاهد على الزيادات المقرّرة لفائدة المهندسين وإنّما تمّ إدراجها في إطار المفاوضات الاجتماعية مع الشريك الاجتماعي الاتحاد العام التونسي للشغل في 6 سبتمبر 2019. وانطلقت عقب ذلك تحرّكات المهندسين رفضاَ لتمتيع الفئة العاملة في الوظيفة العمومية بترفيع في المنح فيما استثني نظراؤهم العاملون في المنشآت العمومية (المؤسسات الحكومية الربحية ذات النشاط التجاري أو الصناعي). 

وأبرم على إثر ذلك اتفاق مع رئاسة الحكومة في فيفري 2021 يقضي بزيادة خصوصية في أجور المهندسين العموميين، في إطار قرار من مجلس الأمن القومي لوقف نزيف هجرة الكفاءات وشملت قطاعات أخرى على غرار الأساتذة الجامعيين والأطباء. ويقدّر عدد المهندسين الذين يهاجرون سنوياَ وفق تصريح عميد المهندسين كمال سحنون بـ3500 مهندس انتقلوا نحو دول المهجر وهو ما يعني خسارة البلاد لمليارات الملّيمات التي تمثّل كلفة تعليمهم وتكوينهم. 

بيد أنّ هذا الاتفاق طُبّق لشهر واحد لتتراجع الحكومة في بداية شهر مارس عن تنفيذ كامل بنوده بعد أن قرّرت تمتيع المهندسين العموميين بهذه المنحة فيما استثنيَ مهندسو المؤسسات والمنشآت العمومية والمهندسون المعماريون من هذه الزيادة. وعلّلت الحكومة بأنّ هذه الفئة تحصل على أجر عالٍ ولا داعٍ لصرف منح إضافية لفائدتها. 

ووفق دراسة أعدّتها عمادة المهندسين وقدّمت نسخة منها لرئاسة الحكومة إبّان التفاوض حول الملف، فإنّ مرتّبات مهندسي المنشآت العمومية على العكس تماماً منخفضة مقارنة بنظرائهم في الوزارات ولكن منح المخاطر والتنقل والعمل الميداني هي التي تجعل المرتب يبدو أعلى، وهو ما أكّده عميد المهندسين في تصريح سابق. 

وأعلنت عمادة المهندسين في 29 أفريل 2021 عن اعتزامها وقف الإضرابات التي بدأها المهندسون في مختلف جهات البلاد بشرط تنفيذ الاتفاق المبرم في شهر فيفري وصرف هذه المنحة معمّمة. ويؤكّد ذلك فقدان هذا القطاع لأي ثقة في الحكومة سيما بعد مسار من الاتفاقات التي تمّ التراجع عنها والمماطلة في تنفيذها. وقال عميد المهندسين كمال سحنون لـ”المفكرة القانونية” إنّه تمّت دعوة العمادة للقاء رئيس الحكومة هشام المشيشي بعد ضغط برلماني وراء هذه القضية التي جمعت كل الأطراف السياسية في البرلمان في جلسة تعتبر الأهدأ والأكثر توافقاً وفق تعبيره، وتمّ الاتفاق خلال اللقاء مع المشيشي على تطبيق اتفاق فيفري 2021 من دون تمييز بين الأسلاك التي ينتمي إليها المهندسون، بيد أنّ وقف الإضراب لن يتم قبل المرور إلى التطبيق الفعلي. 

 

إضراب الترفيع في الأجور: الشجرة التي تخفي الغابة

في حركة رمزية، رفع المهندسون خلال إضرابهم جوازات سفرهم ومطلب هجرة جماعية، في حركة تحذيرية للدولة بأنّ استمرار تهميش قطاعهم ستنتهي بتضاعف عدد المهاجرين منهم. ولا يبدو أنّ الدولة التونسية غير منتبهة لهذا النزيف، بل هي غير مكترثة لنتائجه. ففي هذا السياق سبق وأن أعلن وزير الدفاع الوطني إبراهيم برتاجي أنّ عدد المغادرين من الكفاءات منذ 2011 بلغ 95 ألف كفاءة علمية من مختلف الاختصاصات، على غرار الطب والهندسة وتكنولوجيا المعلومات، وتستأثر أوروبا بـ 60% منهم تليها الولايات المتحدة وكندا بنسبة 25% ودول الخليج وإفريقيا بنسبة 15%، وفي تقدير البرتاجي فإنّ هذا النزيف يعدّ مؤشراً خطيراً له تداعيات سلبية على الأمن القومي. 

وكانت دراسة أجراها باحثون في علم الاجتماع صلب معهد الدراسات الاستراتيجية حول الظاهرة سنة 2019، أثبتت بدورها أنّ البلاد تعاني خسارة استثمارية فادحة في التعليم من حيث كلفة التعليم على الدولة مقارنة بالنتائج. فبدل حفظ الطاقات والمواهب داخل حدودها من أجل التنمية، ينتهي بها المطاف في بلدان أخرى لتساهم في بناء اقتصادات أخرى، أو ما يعرف بـ”الفاقد الاستثماري والمهاري”، ما يفهم منه أنّ البلاد تحوّلت إلى مصنع لإنتاج كفاءات تستفيد منها دول أخرى وتفقد بذلك الأدمغة وكلفة التعليم في آن واحد. وتتفاقم خطورة الظاهرة، إذا ما تمّت إضافة المعطى المتعلّق بانتقاء أوروبا والولايات المتحدة للطلبة المتفوّقين أو الناجحين بامتياز في امتحان البكالوريا في الشعب العلمية من أجل مواصلة تكوينهم صلب جامعاتها و”توطينهم” هناك. 

ووفق الدراسة ذاتها، يحتلّ القطاع البحثي المركز الأوّل في عدد المهاجرين (28%) بما يعني أنّ ورشة بناء الذكاء والمعرفة في استنزاف نتيجة مسارات المغادرة، تعقبها ورشة الإنتاج والعلوم أي قطاع الهندسة بـ26%  ثم الأطباء. 

وبينما تنظر الدول من باب “المصلحة الوطنية والقومية” إلى هذه القطاعات كرأس مال بشري أساسي للتقدّم والتنمية، لا تزال تونس ترتجل فيما يتعلّق بالسياسات الممكّنة لخلق بيئة حاضنة ومحفّزة على إبقاء هذه المهارات داخل حدودها.

وتعود أسباب الهجرة أساساً إلى “فجوة الدخل” بين ما يدرّه عمل المهندس أو الباحث أو الطبيب في دول المصدر وما يدرّه العمل نفسه في دول المهجر مع امتيازات أخرى وظروف عمل مريحة، وهي فجوة أخذت في الارتفاع منذ سبعينيات القرن الماضي لتتضاعف بأربع مرات وأكثر في الوقت الحالي. وتبيّن الدراسة المذكورة سابقاً أنّ أجور هذه الكفاءات استمرّت في التطوّر في الخارج، بينما بقيت جامدة في تونس باستثناء زيادات ببضع الدينارات، يتمّ إقرارها إثر المفاوضات الاجتماعية ولإخماد التحرّكات والاحتجاجات. ويتقاضى العاملون في هذه القطاعات محلياً أجوراً تمّ إقرارها وفقاً للقوانين الأساسية لمهنهم والتي وضعت في سبعينيّات القرن الماضي ولم تعد كافية أو ملائمة لتوفير متطلبات الحياة. 

ويمثّل المناخ العام أيضاً عاملاً دافعاً لهجرة الأدمغة، ما يفسّر ارتفاعها بنسق سريع منذ سنة 2011. فالجوّ السياسي غير المستقرّ المتشنّج والعنيف علاوة على الاحتقان الاجتماعي والأزمات الاقتصادية المتتالية، كلّها عوامل تدفع هذه الكفاءات للبحث عن مناخ أكثر هدوءاً ووضوحاً في رسم الخيارات الحياتية. وتعدّ ضبابية سوق الشغل التي عمّقتها منافسة خرّيجي الجامعات الخاصّة من بين العوامل الطاردة لهذه الكفاءات نحو دول المهجر. 

 

الإصلاح أعمق من مجرّد الترفيع في الأجور

رغم التقدّم في هذا الملف وحلّه جزئياً، فإنّ العقبات التي قد تدفع عدداً كبيراً من المهندسين إلى الهجرة لا تزال موجودة ويبقى خطر فقدان البلاد لهذه الكفاءات العلمية قائماً وبشدّة. ولا تقتصر رغبة الهجرة على الخرّيجين الجدد أو العاملين في القطاع الخاص نظراً لهشاشة التشغيل وانخفاض الأجور، وإنّما تراود الفكرة حتى العاملين في القطاع الحكومي لعدة أسباب. 

وفسّر المهندس بالمجمع الكيميائي والنقابي خليل الخزمي لـ”المفكرة” أنّ دوافع المغادرة كثيرة لكن الأغلبية تؤمن في دورها في إصلاح الاقتصاد الوطني وتطويره والحيلولة من دون التفويت في المنشآت والمؤسسات العمومية. ويتضح وفق حديث الخزمي أنّ هذا التمشي نحو تفقير المنشآت العمومية من كفاءاتها بتعريضها لمظلمة الأجور المنخفضة في ظلّ التضخّم الحالي وانهيار المقدرة الشرائية بما يحرمهم من أساسيات الحياة اللائقة هو عملية دفع ممنهجة نحو الهجرة والمغادرة، حتى تستمر وضعية هذه المنشآت في التدهور ويسهل فيما بعد التفويت فيها بأثمان بخسة لصالح لوبيات مختلفة أو خصخصتها بعلّة ضعف الإنتاجية والمردود. 

ووفق محدّثنا خليل الخزمي، فإنّ الإسهام في بناء الاقتصاد الوطني هو الدافع الأول لمعارك ونضالات المهندسين، ولا يقتصر تحرّكهم على المطالبة بتحسين أوضاعهم المادية فحسب، بل يسعى المحتجّون إلى تحقيق هدف أشمل وهو إتاحة بيئة مشجّعة تحتضن الأجيال المقبلة من المهندسين وتحول دون تفكيرهم في الهجرة وتبقي مهنة المهندس إحدى المهن التي تؤدّي دور المصعد الاجتماعي الضامنة للاستقرار. 

من جانبه، يعتبر عميد المهندسين كمال سحنون في حديثه لـ”المفكرة” أنّ الإصلاح لا يمكن اختزاله بمجرّد زيادة في الأجر، بل يستوجب رؤية تقوم على إدراك الخطر الذي يتهدّد البلاد بإفراغها من كفاءاتها. وفسّر سحنون أنّ عماد الإصلاح هو ردّ الاعتبار لمهنة المهندس كركيزة للتنمية ومحوراً للاقتصاد. ويتطلّب ذلك، وفق العميد، مراجعة سلّم الأجور وتوفير ظروف معيشية أفضل وتحيين المنظومة القانونية للمهنة في القطاع العام ووضع إطار قانوني للعمل في القطاع الخاص بما ينهي وضع الهشاشة والاستغلال، فضلاً عن مراجعة التكوين الهندسي. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، تونس ، حراكات اجتماعية ، حقوق العمال والنقابات ، سياسات عامة ، عمل ونقابات ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر



لتعليقاتكم