من يوغا الرينغ إلى “كرنفال” ساحة الشهداء: عندما قلبت الألعاب طاولة نمطية الثورات


2019-11-06    |   


تفاجئ زوار موقع Airbnb المخصص لعرض منازل وشقق للإيجار بإحدى الخيارات المعروضة تحت إسم “بيت الشعب”. يتمتع المنزل هذا بمساحات شاسعة وحتى بملعب كرة قدم، ومجهّز بأثاث متكامل من السجاد إلى الأرائك إلى الثلاجة. والأهم أن الإقامة في البيت كانت مجانية، ويقع على جسر الرينغ. البيت نفسه استقبل مئات الشبان والصبايا خلال أيام طويلة من الثورة.

“بيت الشعب” على موقع Airbnb  كان إحدى مبادرات وألعاب ثوار لبنان للتعبير عن عزمهن بإقفال جسر الرينغ من جهة، وترسيخ  علاقتهم المستجدة مع المساحات العامة من جهة. فمع اندلاع ثورة 17 تشرين الأول 2019، وجد الناشطون  في الفضاء العام  مساحة  لـ”تفجير مواهبهم” حيث تجلّى حسّ الفكاهة والإبداع واللعب الذي كان ينحصر غالباً في المجال الخاص. عمدت “المفكرة” إلى  تسليط الضوء على أهميّة اللعب والألعاب التي تسلّح بها الثوار لخدمة قضيتهم، من  ابتداع الأغاني إلى اليوغا على الرينغ، بالتوازي مع الإنتقادات التي عبّرت عنها جهات من خارج وحتى من داخل صفوف المتظاهرين. فهذا المقال يأتي كمحاولة متواضعة لتوضيح كيف يمكن لألعاب الثورة أن لا تتنافى مع جديّة معاناة  الشعب وأحقيّة مطالبه وثورته التي نجم عنها شهداء شرفاء وموقوفين. فالحراكات والثورات ليست ناتجة فقط عن الشعور باليأس، فهي غالباً ما تنتج عن مجموعة أحاسيس تجمع اليأس مع الحب مع الغضب والأمل وكذلك  الرغبة في المشاركة بـ”الحدث”.

  تصوير نادين القدسي

شكّلت ألعاب الثورة أولاً وسيلة تجلّي لفورة  حريّة عبّر عنها الشبان والشابات بعد كبت طويل لمشاعر استياء وغليان آراء سياسية معارضة للسلطة. ولا يجب الإستخفاف ب”فشّة الخلق” هذه لأنها فرضت  جوّاً ثورياً يراعي حريّة تعبير متحررة  من قيود المحرّمات والمقدّسات السياسية والطائفية. فأصبحت جميع الهتافات الموسيقية “تحت الزنار” والمليئة بالشتائم العلاج لتخطي الرقابة الذاتية التي فرضها الخوف. لم يعد هتف “هيلا هيلا هو…” و”ببسي مرندا…” تعبير عن رأي سياسي معارض لزعيم معين أكثر ما أصبح جزأ من طقوس الثورة للإنعتاق من قيود الزعامات والتصالح مع واقع جديد خالي من المحرمات. وقدّمت الثورة نفسها كمسرح حيّ للتعبير عن المواقف السياسية بإبداع طالما انحصر تجلّيه قبل 17 تشرين بمنشورات ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي. تُرجم الإبداع والسخرية إلى تعبير حيّ مثل تحويل جسر الرينغ إلى “بيت الشعب”. كما تحولت جدران وأرصفة وحتى أسفلت وسط المدينة (الذي بتنا ننسى مظهره المتألق المعتاد) إلى لوحة فنيّة نتيجة الرسوم والجرافيتي التي تصور وتعبر عن مختلف المطالب والشعارات. انطلاقاً من هنا، صارت الثورة عبر أدواتها، ومنها الألعاب، فرصة، وكما تشير لوحة في رياض الصلح،  لعلاج جماعي للتحرر من الكبت على أنواعه، من السياسي إلى الإقتصادي إلى الإجتماعي وطبعاً التعبيري، ومعه تعززت  المثابرة  على الثورة والحفاظ على الفضاء الحرّ.

من أقوى مقوّمات الثورة هو  تمسكها بالسلميّة، مما فرض شرعيتها على الرأي العام اللبناني والدولي. وتبقى السلميّة السلاح الأقوى بوجه القوى الأمنية من قوى مكافحة الشغب إلى الجيش اللبناني كونها  تجرّدهم من أي ذريعة  قانونية أو مسلكية تسمح لهم بالتعدي على المتظاهرين. وتأتي ألعاب الثورة لدعم شرعيّة سلميتها أمام أعين القوى الأمنية، الطبقة السياسية، والرأي العام. فمن الصعب على عنصر أمني  تبرير أي هجوم أو أي تعدي على معتصمين أقفلوا طريقاً  عبر الجلوس للعب ال “ليخا” أو ورق الـ”UNO“. وأوحى جلب بعض المتظاهرين كتبهم للقراءة على جسر الرينغ بنوع من الدوام واستمرارية  المعتصمين. وفي الأيام الأولى للإنتفاضة عندما كان التوتر لا يزال  يسود  بين المعتصمين وقوى الأمن في ساحة رياض الصلح، كانت الموسيقى والأغاني دوراً أساسياً في الحفاظ على سلمية التظاهر وتخفيف الإحتقان بين الطرفين. ،فقد تحولت المركبة التي تحمل مكبرات الصوت، إلى مسرح راقص خطف أنظار واهتمام المعتصمين عن المواجهة المباشرة والإحتكاك بالعناصر الأمنية.

تصوير تانيا أبو غزالي

ووسط محاولات وسائل إعلامية محزّبة تشويه صورة الثورة وقيام الناشطين بقطع الطرقات عبر نشر إشاعات واستخدام مصطلحات كـ”حواجز” و”قطّاع طرق”، ساهمت الألعاب بمواجهة محاولات التشويه هذه، وتسويق صورة سلمية و”وراقية” للمتظاهرين. انتقد البعض صف اليوغا على الرينغ، واعتبروه نشاطاً برجوازياً ولا يليق بالثورة. ولكن، بغض النظر عن هذه الاتهامات، ساهمت اليوغا، وغيرها من النشاطات والألعاب، في استكمال مشهدية السلمية المستمرة على الرينغ، وإن لقطعه كطريق أساسية في بيروت.

كثرت التساؤلات عن تحول الإعتصام اليومي في ساحة الشهداء إلى “كرنفال” مع منصات وموسيقى صاخبة وعربات طعام، وقيام بعض المتظاهرين بنشاطات ترفيهية مثل لعب كرة القدم على الرينغ أو عرض الأفلام في مبنى البيضة. لا يسعى المقال إلى دعم أو نفي هذه التساؤلات أو مناقشتها، بل  إلى تسليط الضوء على الجانب الإيجابي الذي نتج عن هذا الواقع. من جهة، توفُر وسائل الترفيه وعربات الطعام هو من الأمور اللوجستية التي تضمن استمرارية توافد الحشود للتظاهر يومياً. شئنا  أم أبينا، يحتاج العديد من المعتصمين إلى تسهيلات لوجستية وترفيه لكي يبقوا في الساحات لساعات طويلة يومياً، مما يساهم بتعزيز انسحاب الثورة على الحياة “العادية” والإنقلاب على الروتين لكي تصبح الثورة هي الواقع اليومي الجديد. أما وسائل الترفيه بشكل خاص فكانت نوعاً من الضمانة لتجنب ملل المعتصمين مع مرور الأيام. فـ”كرنفلة” الثورة يلعب دور في ضمان استمراريتها  وجذب الحشود إليها. كما ساهمت نشاطات كلعب كرة القدم و صف اليوغا إلى تسهيل تمضية المعتصمين ساعات طويلة على جسر الرينغ مما ضمن استمرارية إقفاله. ومع انخراط المتظاهرين عبر نشاطات ترفيهية، من الحفلات في ساحة الشهداء إلى بطولات كرة القدم على الرينغ، خُلقت الروابط بين ناشطي الإنتفاضة وتعززت روح الوحدة بين مختلف المجموعات كمجموعة تسكير الرينغ.

تصوير نادين القدسي

على المدى الطويل، ساهم “اللعب” خلال الثورة أيضاً إلى خلق رؤية بديلة للمساحات وعلاقة الأفراد بها. باستثناء شراء الكعك والأعلام، استشعر اللبنانيون متعة الخروج الهادف إلى المدينة خارج نطاق الاستهلاك اليومي المعتاد ، واختبروا استعمال   المساحات عامة وكأنهم استعادوها فعلاً. فبعد أسابيع من عيش “كرنفال” ساحة الشهداء سيكون من الصعب على المواطنين الانسحاب كلياً من الساحة والتخلي عن تجربتهم فيها في ما لو انتهت الثورة. كما سيستصعب بعض الشبان التخلي عن الرينغ كمنتزه للـskateboarding (لوح التزلج) أو كملعب شاسع للعب الـfrisbee (الطبق الطائر). تجارب اللعب هذه تخلق الإرتباط بهذه المساحات والوعي على أهميتها مما قد يؤدي إلى استبدال العلاقات المختلة السابقة بعلاقات بديلة بعد الثورة.

انشر المقال

متوفر خلال:

حراكات اجتماعية ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *