من يملك المال يحصل على خدمة طبية جيدة: نقص التمويل والأدوية المزورة يفتكان بحياة اللاجئين وصحتهم


2017-06-23    |   

من يملك المال يحصل على خدمة طبية جيدة: نقص التمويل والأدوية المزورة يفتكان بحياة اللاجئين وصحتهم

يقول د. ماك سكيلتون من جامعة جون هوبكنز خلال مؤتمر "طب النزاعات" في الجامعة الأميركية في بيروت، أنه سيتحدث الآن عن "الحالة الرقم أربعة"، في بحثه عن أوضاع مرضى السرطان من اللاجئين في العراق. كان "الرقم أربعة" يتلقى العلاج الكيميائي لسرطان "الكولون" عندما احتل تنظيم "داعش" مدينة الموصل وهجّره مع أكثر من مليون مدني منها. كان يدفع ثمنا مرتفعا لأدويته وعلاجه المهرّب من تركيا خلال أعوام 2015-2017. فباع مصاغ أسرته وسيارته أيضاً.

بعد تحرير شرق الموصل عاد مع عائلته إلى منزله وتم تحويله لمتابعة علاجه في أربيل، عاصمة إقليم كردستان. هناك ونظرا لمخاطر التنقل عبر الحدود وصعوباته، قرر البقاء في فندق خلال فترة علاجه كلها، وتحمُل مزيداً من الأعباء. ليس "الرقم أربعة" سوى واحد من آلاف مرضى السرطان في العراق وسوريا والمنطقة الذين ضربت الحروب البنى التحتية الصحية في بلدانهم، وحمّلتهم أعباء لا قدرة لهم على تحملها، والأهم إلى إعاقة تلقيهم العلاج المناسب.

لا أحد يملك رقما دقيقا عن عديد اللاجئين المرضى الذين يموتون بسبب صعوبة الوصول الى العلاج جغرافيا وماديا والقدرة على متابعته. تقول أرقام مفوضية اللاجئين أن 37 في المئة من اللاجئين المسجلين في الأردن ولبنان لا يصلون إلى الرعاية الطبية في الأمراض المزمنة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى 39 في المئة من لاجئي العراق و24 في المئة في مصر. ويبرز جدول تغطية أمراض اللاجئين في المفوضية ان 60 في المئة من موازنتها تذهب لتغطية الولادات ومرحلة ما قبل الولادة وبعدها. ويتوزّع ما تبقّى على أمراض الجهاز الهضمي والإلتهابات والجرحى وأمراض الجهاز الهضمي وغيرها. لا خانة هنا تتحدث عن مرضى السرطان أو غسيل الكلى. تفضّل بعض المنظمات الدولية صرف المال على مرضى يمكن شفاؤهم، فيما يترك مرضى السرطان وغسيل الكلى لمصيرهم المحتوم. فيتحمل هؤلاء أكلاف علاجاتهم بأنفسهم في غالبية الأحيان.

لاجئون فقراء في بلدان فقيرة

يشهد العالم أكبر موجة لجوء منذ الحرب العالمية الثانية. وقد أكدت الأمم المتحدة في العام 2016 أنها المرة الأولى التي يقفز فيها عدد اللاجئين عن الستين مليون لاجئ مع تخطي عديدهم عتبة ال 65 مليون نهاية العام 2015. وتشير الأرقام إلى أن نصف هؤلاء، أي نحو 37 مليون لاجئ هم من أسيا، وربعهم من القارة الأفريقية. وتؤكد مفوضية اللاجئين أن "واحداً من كل 113 شخصا في العالم مشرد، وهو إما طالب لجوء وإما نازح أو لاجئ".   

 وبرغم الضجة المثارة حول اللاجئين في أوروبا، إلاّ أن إحصائيات المفوضية تشير إلى وجود خمسة ملايين و29 ألف و562 لاجئ سوري مسجل في المفوضية في تركيا (3 مليون) ولبنان (مليون مسجل) والأردن (660 ألف) والعراق (240 ألف) والقاهرة (120 ألف). ونزح داخل سوريا ستة ملايين و500 ألف سوري. وتدلل هذه الأرقام على استمرار معاناة المرضى من اللاجئين بسبب وجودهم في بلدان محدودة الدخل، وتنتمي إلى العالم النامي الغارق في مشاكله في القطاعات كافة، ومنها الصحية والمعيشية بالطبع.

في المقابل، يوجد 884 ألف و461 لاجئ سوري في أوروبا لغاية نهاية 2016 بينهم 64 في المئة في ألمانيا والسويد وحدهما. زادت وتيرة لجوئهم إلى أوروبا بعد 2014 حيث لم يكن حتى نهاية 2014 أكثر من 137 ألف و798 لاجئ سوري في أوروبا. وصل 361 ألف و682 لاجئ، إلى أوروبا عبر البحر (من اليونان وإيطاليا) في العام 2016 ومات خمسة آلاف و22 ساع للجوء في البحر.

وفي الفصل الأول من 2017، وصل 43 ألف لاجئ إلى أوروبا عبر البحر بينهم 20 في المئة لاجئين سوريين. وغرق في البحر 905 ساعٍ لطلب اللجوء في الفصل الأول من 2017، وفق أرقام المفوضية التي قدمها المفوض السامي للاجئين في لبنان د. مايكل وودمان في مؤتمر "طب النزاعات".

عندما يترك الجريح اللاجئ وحيداً

يقول جراح العظم والفقرات في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور سعيد صاغية أن مشكلة تلقي اللاجئين في المنطقة "ليست في المناهج الطبية والإختصاصات وإنما في متابعة الجريح اللاجئ واحتضانه وخصوصا في تأمين التمويل لمتابعة علاجه". ويؤكد أنه ليس المطلوب تخريج مختصين جدد بجراحة الحروب وأمراضها وتركهم عاطلين عن العمل بعد الحرب، "إذ يؤدي تشارك المختصين اليوم من جراحي عظم وترميم وتجميل فشرايين للإيفاء باحتياجات المصابين". ويفضل صاغية التوقف عند حالات المرضى "الذين يخضعون لعلاجات وعمليات جراحية ومن ثم ينفذ التمويل لاستكمال علاجهم". وعليه تكمن المشكلة، وفق ما يقول، في الجهة التي تتكفل بعلاج اللاجئ ومتابعته طبيا واجتماعيا ونفسيا. "هناك مريض، على سبيل المثال، تلقى علاجه الطبي الجسدي ولكنه توفي بجرعة مخدرات زائدة".

من هنا، يدخل صاغية إلى أهمية طروحات طب النزاعات "حيث يتحدث عن مقاربة مختلفة تتناول جميع النواحي المرتبطة باللاجئين طبيا ونفسيا واجتماعيا، من طريقة التعاطي مع النساء والأطفال وصحتهم، وصولاً إلى أسوأ أنواع الإصابات، من دون أن نسقط أي ناحية من نواحي المعالجة لكل حالة (جراحة، أدوية، علاج فيزيائي، نفسي وأيضاً الاحتضان الاجتماعي وضرورات الحياة). وهنا تبرز الحاجة، وفق صاغية إلى أنظمة صحية جديدة شاملة على مستوى الدولة". 

ويختصر صاغية الوضع الحالي بالتأكيد أن "إصابات اللاجئين اليوم لا تعالج وفق نوع الإصابة وإنما تبقى وقفاً على توفر التغطية المادية والكلفة التي تحدد مستوى الخدمة الطبية التي يتلقاها اللاجئ". 

الأدوية المزورة تقتل عشرات الآلاف سنوياً

لا تقتصر معاناة اللاجئين بإعاقة علاجاتهم وتعريض حياتهم للخطر، بل تتخطاها إلى تجارة الأدوية المزورة التي تنتشر في العالم عامة وتستفحل في دول النزاعات والجوار صناعة وتسويقاً. وتراوح التقديرات لنتائج تعاطي الأدوية المزورة حول تسببها بوفاة مائة ألف إلى 700 ألف انسان في العالم سنويا. ويعتبر اللاجئون ونظراً لهشاشة أوضاعهم هدفا سهلاً لمافيات المزورين.

يقول رئيس الهيئة الأهلية الصحية الدكتور إسماعيل سكرية أنه "كثيرا ما تصنّع هذه الادوية في مناطق فقيرة تفتقد البيئة الصحية المناسبة وملوثة بالبكتيريا وغيرها من مناطق التوتر الاجتماعي والنظام الصحي الضعيف وعدم تطبيق القانون والمحاسبة ونموذجها لبنان، حيث تشكل الأرضية الخصبة لوجود الأدوية المغشوشة وتناميها".

وتصنف منظمة الصحة العالمية، ووفق ما أكده سكرية خلال المؤتمر، الأدوية المغشوشة ب "مجتزأ الفاعلية، ويحتوي ملوثات، ومزور الشكل والتسمية، ومغشوش ( تركيب وهمي). وقد تتضمن هذه الأدوية "صفر مكون دوائي، أو مكون دوائي خطأ، أو مكون دوائي صحيح بمعيار خطأ".

ويعتبر لبنان، وانطلاقاً من تصنيفه في المرتبة 136 من أصل 176 دولة من حيث مستوى الفساد، مصدراً لتصدير الأدوية المغشوشة التي يعاني منها مواطنوه أيضاً إلى المنطقة (سوريا العراق السعودية). ووفق محاضرة سكرية، هذا الدور ليس جديداً، بل يعود أيضاً إلى المرحلة التي سيطرت فيها المليشيات المتحاربة في السبعينيات والثمانينيات على جميع المرافئ البحرية. وبمعزل عن مؤثرات الحرب الأهلية في لبنان، "استمرت أعمال القرصنة الدوائية وبغطاء شرعي شلّ دور أجهزة الرقابة" وفق سكرية الذي قدم 55 سؤالا إلى المجلس النيابي حول فساد الدواء عندما كان نائبا ولم يتلق أجوبة على 35 منها.

ويقول سكرية أنه ومنذ تفجر الأحداث في سوريا، "تحرّك لاعبو تجارة الدواء في لبنان للتعبير عن مشاعرهم الإنسانية، بضخ أشكال الادوية المغشوشة كافة إلى سوريا الجريحة بالحرب عبر الحدود الفالتة، وبمساعدة سماسرة سوريين. وأهم هذه الادوية الكابتغون الشهير، حيث 90% من إنتاجه اللبناني كان يصدر إلى سوريا في أول 3 سنوات من الحرب، لتصبح السوق السورية مكتفية بعدها، ويهبط التصدير اللبناني إلى 10 % يذهب بالدرجة الأولى إلى المملكة العربية السعودية".

لاجئون قتلهم الدواء المزور

وعلى خط معاناة اللاجئين ومعهم سكان الدول المضيفة، توثق شبكة الصحفيين العراقيين للصحافة الإستقصائية (نيريج)، أن الطب المزيف "يمثل 18٪ من العقاقير الصيدلانية المستخدمة في كردستان العراق في السنوات الأخيرة"، وفقا لأحد وزراء  الصحة السابقين (طاهر حورامي) الذي يرى أن هذه الظاهرة تحولت إلى "وحش" ​​يدمر الآلاف من سكان كردستان.

ومن بين القصص الحقيقية التي وثقتها الشبكة، قصة بيخال، الشابة الكردية التي تعرف أنها قد لا تعيش لرؤية ربيع آخر بسبب اللوكيميا التي اجتاحت جسدها منذ أن عولجت بأدوية علاج كيميائي مزورة في مستشفى في كردستان العراق. 

وقد بذل والد بيخال قصارى جهده للحصول على الإنتصاف، حتى الذهاب إلى المحاكم لتقديم المجرمين إلى العدالة. لكنه خلص إلى أنه لا جدوى من محاربة "الديناصورات"، والمصالح السياسية والمالية القوية التي تحمي تجارة الأدوية المزيفة في كردستان العراق. وهو يخطط الآن لبيع منزله الصغير حتى يتمكن من مرافقة بيخال إلى الهند في نهاية العام بحثا عن فرصة أخيرة لإنقاذ حياة ابنته الوحيدة.

بيخال هي واحدة من آلاف لم تحمِهم الأنظمة الصحية في دولهم ولا في دول اللجوء من تجار الموت الذين أشارت شبكة "سي إن إن" في تحقيق على موقعها الإلكتروني إلى تفشي تزوير الدواء في الولايات المتحدة نفسها. وليست فضيحة تلويث أكياس الدم والأمصال بفيروس "السيدا والتهاب الكبد الوبائي B" من قبل شركة أدوية فرنسية ببعيدة، حيث اهتزت فرنسا بمحاكمة رئيس وزرائها ووزير صحتها في أواخر العام 1998 وأوائل العام 1999. والشركة الملوثة هي أهم شركة يستورد منها لبنان.

 

71% من اللاجئين يعيشون تحت خط الفقر

كان 49 في المئة من السوريين يعيشون بأقل من 3.8 دولار في اليوم وهو خط الفقر العالمي في ال 2014 بينما كان 29 في المئة منهم يعيشون بأقل من 2.9 دولار في اليوم وهو خط الفقر المدقع.

في 2016 عاش 71 في المئة من بينهم بأقل من 3.8 دولار في اليوم و53 في المئة من بينهم بأقل من 2.9 دولار في اليوم.. وأكد مفوض اللاجئين في لبنان مايكل وودمان خلال المؤتمر أن تسعين في المئة من الأسر اللاجئة إلى لبنان هي في حالة ديون، بمتوسط يصل إلى 857 دولارا.

وتؤدي الأوضاع السيئة للاجئين، وفق المفوضية إلى ارتفاع "استراتيجيات التكيف السلبية" من ازدياد عمالة لأطفال، إلى الزواج المبكر. وهي معاناة تضاف إلى انتشار العنف المبني على النوع الاجتماعي وتعرضهم لأنواع مختلفة من العنصرية والاستغلال في العمل.

يعيش 59 في المئة من اللاجئين في شقق، و24 في المئة في بنايات غير منتهية البناء و17 في المئة في خيم غير رسمية. ويتوزع البقية على أبنية غير مكتملة البناء، أو غير صالحة للسكن البشري، كالذين يستأجرون غرفا كانت حظائر للحيوانات.

وتسجل المفوضيّة وجود شخص على الأقل يعاني من "ملامح سيئة في صحته النفسية" في ثلاثة في المئة من العائلات المسجلة مع المفوضية لديها شخص على الأقل يعاني من ملامح سيئة في الصحة النفسية: 40 في المئة من هؤلاء لديهم اضطراب نفسي قاسي قد يصل إلى الإنهيار العصبي، و26 في المئة لديهم سرعة كهرباء "ايبي ليبسي" مع نوبات، و18 في المئة يعانون من إضطراب نفسي، و10 في المئة من إعاقة ذهنية، وخمسة في المئة من اضطرابات مختلفة.

أمام احتياجات للاجئين، لم تستجب الدول المانحة مع نهاية الفصل الأول من العام 2017 ومن مجمل نداء المفوضية البالغ أربع مليارات و633 مليون و255 ألف و733 دولار أميركي للعام الحالي، إلا لتأمين 433 مليون دولار (9% من الأموال المطلوبة).

 

نشر هذا المقال في العدد 50 من مجلة المفكرة القانونية

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، لا مساواة وتمييز وتهميش



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية