من سكن التفجير أجسادهم يبقون بلا تعويض


2021-02-26    |   

من سكن التفجير أجسادهم يبقون بلا تعويض

بعد حوالي أربعة أشهر من تفجير بيروت في 4 آب 2020، صدر القانون رقم 196- 2020 بتاريخ 3 كانون الأول 2020 ويرمي إلى إعطاء تعويضات ومعاشات لذوي الضحايا في تفجير مرفأ بيروت وتمكين الذي أصيبوا بإعاقة منهم من الاستفادة من التقديمات الصحية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الواردة في القانون الصادر بالمرسوم رقم 13955- 1963 وفي القانون المتعلّق بحقوق ذوي الاحتياجات الإضافية رقم 220 تاريخ 29-5-2000. كما هو واضح من عنوان هذا القانون، فإنه ميّز بين ذوي الضحايا الذين استشهدوا في الانفجار والضحايا الذين أصيبوا بإعاقات دائمة أو مؤقّتة: وفيما أخضع الفئة الأولى لنظام التعويضات المنصوص عنه في قانون الدفاع الوطني معتبراً الذين استشهدوا منهم شهداء بالجيش اللبناني، اقتصر على منح الفئة الثانية التقديمات الصحية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مدى الحياة كما وأخضعهم للقانون المتعلق بذوي الاحتياجات الإضافية (القانون رقم 220-2000).

وعليه، يظهر أنّ الدولة قد قرّرت، بعد أربعة أشهر من التفجير، منح المتضرّرين جسدياً تعويضات شبه معدومة. هذا ما سنحاول تفصيله في هذه المقالة.

استثناء الجرحى من أحكام القانون رقم 196-2020

قد تجعلنا القراءة المنطقية الأولى لنص قانونيّ صدر إثر كارثة وطنية، نعتقد بأنّ المشرّع أراد حماية جرحى الانفجار كافّة من خلال إخضاعهم للنظام الصحّي للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. إلاّ أنّ تفحّص مضمون النص القانوني تجعلنا ندرك سريعاً بأنّ المشرّع قد قصد بصورة حصرية: “الأشخاص الذين أصيبوا بإعاقات دائمة أو مؤقّتة” دون سائر الجرحى. وهذا يعني بأنّ المشرّع قد تخلّى عن حماية الجرحى الذين لم تتحوّل إصابتهم إلى إعاقة مؤقّتة أو دائمة، ولم يضع لهؤلاء الضحايا أيّ نظام قانوني خاص يهدف إلى حمايتهم على المدى الطويل من تداعيات ممكنة لهذه الإصابة. وعليه، لا يزال هؤلاء الجرحى يخضعون لكلّ من التعميمَين الصادرين بتاريخ 4 آب و 4 أيلول 2020 عن وزارة الصحة العامّة بُعيد التفجير واللذين أكّدا التزامها بتغطية النفقات الطبية والاستشفائية التي قد تنتج عن متابعة الحالة الصحية لضحايا التفجير. وفي هذا السياق، لا بدّ أن نلحظ أمرين:

  • الأوّل، إنّ تكفّل وزارة الصحة بعلاج جرحى التفجير ارتبط بعدم وجود جهة ضامنة أخرى، كشركات التأمين أو الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو الصناديق الأخرى، كصناديق الجيش والأمن العام وقوى الأمن الداخلي وصناديق التعاضد. وهي تالياً أخذت الطابع الإغاثي النابع من نوع الكارثة التي خلّفت أكثر من مئتي شهيد وسبعة آلاف جريح، من دون أن تشكّل نظاماً صحياً متكاملاً لحماية ضحايا التفجير.
  • أما الأمر الثاني الذي تجدر الإشارة إليه فهو أنّ التطبيق العملي لهذه التعاميم أثبت بأنّ وزارة الصحة لا تتكفّل بكافّة أنواع العلاجات كالجراحات التجميلية للتشوّهات الناجمة عن التفجير على سبيل المثال. وقد أدّى هذا الأمر إلى حرمان الجرحى من حقّهم في أن تتكفّل الدولة بجميع علاجاتهم ودفعهم إلى تسديد العديد من الفواتير الاستشفائية والصحية من جيوبهم الخاصّة[1]. وما فاقم من ذلك هو عدم تحديد معايير وآليات واضحة لتغطية كافّة الأضرار الجسدية الناتجة عن التفجير.

إخضاع التقديمات الصحية لنظام الضمان الاجتماعي من دون آليات واضحة

بالرّغم من أهمية حماية الأشخاص الذين أصيبوا بإعاقات دائمة أو جزئية من التفجير من خلال إخضاعهم في أنظمة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إلّا أنّ المشرّع حصر حقوق هؤلاء بالتقديمات الصحية للصندوق (كالاستشفاء والفحوصات الطبية والتصوير بالأشعة وفحوص المختبر والتحاليل والعناية والطبابة العامّة والأدوية والمستحضرات الصيدلية) من دون سائر التقديمات كتلك العائلية والتعليمية أو تقديمات نهاية الخدمة.

يضاف إلى ذلك أنّ صدور هذا القانون لا يعني بأنّ هؤلاء الضحايا قد أصبحوا خاضعين تلقائياً لأحكام الصندوق ولا يعني بأنّ النفقات الصحية للمضمون قد أصبحت مشمولة بالتغطية بصورة كاملة. فمن البيّن أنّ القانون لم يتضمّن الآليات الواجب اعتمادها لإخضاع المضمونين الجدد لأحكام الصندوق، مع العلم بأنّ الأضرار الجسدية والنفسية التي أصيب بها هؤلاء الضحايا تحتّم اتخاذ إجراءات سريعة لتأمين تغطية النفقات الصحية والاستشفائية بصورة كاملة. كما أنّ القانون لم يلحظ كيف يمكن تغطية الحالات الصحية والاستشفائية التي تخرج عن نطاق تغطية الصندوق، ولم يحدّد الجهة المولجة بدفع فروقات التغطية، لا سيما وأنّ الصندوق لا يغطّي النفقات كافّة بل نسبة مئوية منها فقط.

بالإضافة إلى ذلك، لم يحدّد القانون الوضع القانوني للمتضرّر الذي أصيب بإعاقة كاملة أو جزئية بسبب التفجير والذي كان يستفيد قبل حصول الانفجار من تقديمات الصندوق. وهذا التساؤل يثار على ضوء القانون رقم 27/2017 المرتبط بإفادة المضمونين المتقاعدين من تقديمات فرع ضمان المرض والأمومة في الصندوق والذي يشترط على من أصيب بعجز أن تكون له مدة اشتراك فعلي في فرع ضمان المرض والأمومة لا تقلّ عن عشرين سنة من أجل الاستمرار في الاستفادة منه. وهنا يطرح تساؤل حول الوضع القانوني لمن أصيب بالعجز الدائم أو المؤقت والذي لم تتعدَّ مدّة اشتراكاته الفعلية عشرين عاماً.

ماذا تعني استفادة الأشخاص المعوّقين بفعل التفجير من القانون رقم 220-2000؟

بالإضافة إلى إخضاع المشرّع الأشخاص الذين أصيبوا بإعاقات مؤقتة أو دائمة للنظام الصحّي للصندوق، منح المشرّع هؤلاء حق الاستفادة من المعينات (أجهزة المساعدة) والحقوق والإعفاءات التي يستفيد منها “أصحاب الاحتياجات الإضافية” عملاً بأحكام القانون رقم 220-2000. في الواقع، لا يحتاج الخضوع لهذا القانون والاستفادة من تقديماته، إلى قانون خاص بل إنّ مجرّد توفّر الشروط المنصوص عنها في هذا القانون تمنح الشخص المعوّق حق الاستفادة من أحكامه. وعليه، يبدو القانون من هذه الناحية بمثابة لزوم ما لا يلزم.

يُمنح الشخص المعوّق من خلال هذا القانون مجموعة من الحقوق المرتبطة بالخدمات الصحية وإعادة التأهيل، والحق في بيئة مؤهّلة والحق في التنقّل والسكن والتعليم والرياضة والحق في العمل والتوظيف والتقديمات الاجتماعية. كما يمنحه هذا القانون الحق في المعينات التقنية والتجهيزات من أجهزة تعويضية متحرّكة وثابتة (أطراف وسمّاعات، وعين اصطناعية وغيرها)، أشكال تقويمية، ومعينات للتنقّل (كراسي نقّالة وعصي وعكازات) ومعينات للسلس المزدوج وللوقاية من القروح، كافة المزدرعات (implants) المستخدمة في العمليات الجراحية.

وعلى أهمية هذه الحقوق المكرّسة بموجب قانون 220-2000، يبقى من الواجب التذكير بأنّ العديد منها لا يزال غير مضمون.

فلناحية الخدمات الصحية، يعاني الشخص المعوّق من عدم تغطية كافة النفقات الصحية المرتبطة بإعاقته (كالعلاجات الخارجية المرتبطة بالفحوصات وصور الأشعة والعلاج الفيزيائي)، كما أنّ المعينات التي تقدّمها الوزارة المختصّة لا تكفي احتياجات الشخص المعوّق وقد أتت الأزمة الاقتصادية الحادّة لتزيد من حرمان الشخص المعوّق من حقوقه وتعمّق العوامل التي تحدّ من إنفاذها وحمايتها. بالإضافة إلى ذلك، إنّ الحقوق الأخرى المكرّسة بموجب هذا القانون ليست مفعّلة [2]، لا سيّما فيما يتعلّق بتعويض البطالة الناجم عن التوقّف عن العمل بسبب الإعاقة[3].

حماية حق المتضرّرين في السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية من خلال التعويض الكامل المعادل للضرر

بالرغم من وعي المشرّع للعقبات المرتبطة بتطبيق النظام الصحي للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، كما للقانون 220-2000، اقتصر دور الدولة على “مساعدة” الذين أصيبوا بإعاقات جزئية أو كاملة من خلال هذه الأحكام القانونية. وهذه الخطوة التشريعية، إن دلّت على شيء فعلى تخلّي الدولة عن القيام بواجباتها تجاه هؤلاء في ضمان حقوقهم في التعويض الكامل المعادل للضرر المكرّس بموجب المادة 134 من قانون الموجبات والعقود[4]. ولكن كان حريّاً بالدولة إقرار نظام قانوني خاصّ يهدف من ناحية أولى، إلى حماية الضحايا الذين أصيبوا بأضرار جسدية أو نفسية من دون إعاقة جزئية أو كاملة، ويهدف من ناحية ثانية إلى حماية الضحايا الذين أصيبوا بإعاقة جزئية أو كاملة.

ومن أهمّ التعويضات التي يقتضي أن يراعيها النظام القانوني الخاص، التعويضات عن الأضرار الآتية على سبيل المثال لا الحصر:

  • فقدان من أصيب بإعاقة كاملة أو جزئية لعمله ومدخوله بصورة مؤقتة أو نهائية، وذلك في ظل سوء تطبيق القانون رقم 220-2000.
  • فقدان من أصيب بإعاقة كاملة أو جزئية لقدرته على العمل والإنتاج.
  • فقدان من أصيب بإعاقة كاملة أو جزئية لقدرته على تدبّر مسؤولياته الشخصية والعائلية والمهنية.
  • فقدان من أصيب بإعاقة دائمة أو مؤقتة لمكان سكنه أو عمله.
  • فقدان من أصيب بإعاقة دائمة أو مؤقتة للسلام الداخلي، والقدرة على الاستمرار في ممارسة الحياة الطبيعية بسبب الصدمات النفسية الناتجة عن التفجير والإصابة.

كما لا بدّ أن يأخذ بعين الاعتبار على سبيل المثال لا الحصر:

  • وجوب حماية من أصيب بأضرار جسدية عن طريق التعويض الكامل المعادل للضرر الذي لا بدّ أن يشمل كافة النفقات الطبية والاستشفائية سواء تلك المرتبطة بالأمراض الجسدية التي نتجت عن التفجير أو الآلام الجسدية أو النفسية المنبثقة عنه بالإضافة إلى الأضرار الجسدية التي تتخذ الطابع المادي كالخسائر الناتجة عن التوقف عن العمل والإنتاج …
  • وجوب حماية كافة المتضرّرين (سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة) عن طريق تأمين العلاج النفسي لهم ولعائلاتهم.

وبما أنّه بات واضحاً بأنّ القانون رقم 196-2020 لا يشكّل الحماية الكافية لهؤلاء الضحايا، لا بدّ من العمل على إقرار نظام قانوني خاص يضمن لهؤلاء التقديمات والإعفاءات والتعويضات الكاملة المعادلة لكافة الأضرار المادية والجسدية والنفسية، وذلك بالاستناد إلى الحق في التعويض الكامل والحق في حماية السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية والحق في العدالة الاجتماعية وسائر الحقوق الأساسية المكرّسة بموجب مقدمة الدستور اللبناني والاتفاقيات الدولية.

  1. لطفاً مراجعة: نبيلة غصين، استفاقوا من انفجار بيروت بأجساد لا يعرفونها: عن المعوقين الجدد المتروكين من دون أي عناية، المفكرة القانونية 26-11-2020
  2. تشكر “المفكرة” سيلفانا اللقيس، رئيسة الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركياً، على تبادل وجهات النظر والنقاش فيما خصّ العقبات المرتبطة بتطبيق القانون 220-2000.
  3. القرار الصادر عن الغرفة الأولى لمجلس شورى الدولة بتاريخ 6-12-2017 والذي ألزم الدولة بموجبه بتسديد التعويض لكفيفة عملاً بالقانون 220-2000: المفكرة القانونية، تكريس حق ذوي الإعاقة بتعويض البطالة، 18-4-2017.
  4. تنصّ المادة 134 من قانون الموجبات والعقود على أنّ: “العوض الذي يجب للمتضرّر من جرم أو شبه جرم يجب أن يكون في الأساس معادلاً للضرر الذي حلّ به. والضرر الأدبي يعتدّ به كما يعتدّ بالضرر المادي. والقاضي يمكنه أن ينظر بعين الاعتبار إلى شأن المحبة إذا كان هناك ما يبررها من صلة القربى الشرعية أو صلة الرحم. وكذلك الأضرار غير المباشرة يجب أن ينظر اليها بعين الاعتبار على شرط أن تكون متّصلة اتصالاً واضحاً بالجرم وشبه الجرم. وفي الأصل أن الأضرار الحالية الواقعة تدخل وحدها في حساب العوض، غير أنه يجوز للقاضي بوجه الاستثناء أن ينظر بعين الاعتبار إلى الأضرار المستقبلية إذا كان وقوعها مؤكداً من جهة، وكان لديه من جهة أخرى الوسائل اللازمة لتقدير قيمتها الحقيقية مقدماً”
انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، تشريعات وقوانين ، حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة ، عدالة انتقالية ، فئات مهمشة ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مجزرة المرفأ



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *