من التطبيع إلى قابلية التطبيع في العالم العربي


2023-11-21    |   

من التطبيع إلى قابلية التطبيع في العالم العربي

أعاد العدوان على غزّة موضوع التطبيع بقوة إلى الواجهة، فعطّل أو أجّل مسارات التطبيع الجارية مع دول الخليج، وأثار نقاشات حول محاولات تجريم التطبيع في دول مثل تونس. كما أعطى زخما كبيرا لحملات المقاطعة ولرفض التطبيع، في مواجهة الاستراتيجية الإسرائيلية الحيوية والقوية لفرضه على محيطها. تصنع هذه الاستراتيجية التطبيع وتستغل كل ظرف مناسب لتحقيقه. لكن ذلك لا يُخلي مسؤولية الطرف المقابل. إذ أنّ قابلية التطبيع لا تغيب عن ذهن صانعي الاستراتيجية الإسرائيلية المبنية على “خطة كبرى” محورها الأيديولوجيا الصهيونية. لكنها تتّبع سياسة واقعية تأخذ بعين الاعتبار الداخل العربيّ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وأيديولوجيا الأنظمة والمعارضة وتعمل على توظيفها بالقدر الذي يُحقق مصالحها.

ويقدم الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية هاركابي إضاءة على السياسة المعتمدة من قبل إسرائيل في هذا الخصوص: “ليس بمقدورنا طرد الأفكار الشريرة في أذهان أعدائنا لكن نستطيع إقناعهم بضرورة وضع هذه الأحلام جانبا واتباع سياسات أكثر اعتدالا”.[1] بذلك تجرّ “إسرائيل” المحيط العربي إلى منطق “السياسة الواقعية” بعيدا عن أية “خطة كبرى”، كانت القضية الفلسطينية رمزا لها، كآخر قضايا التحرّر الوطني من الاستعمار. وما أسهم في ذلك هو استبداد الأنظمة العربية الذي عرقل روافع القوة وامتلاك ناصية المواقف العادلة داخليا وخارجيا.

استراتيجية التطبيع الإسرائيلية: التمدّد خارج الاعتراف القانوني

مفهوم التطبيع هو، كما يشير إلى ذلك الدبلوماسي الاسرائيلي شمعون شامير، من ابتكارات الصراع العربي-الإسرائيلي. فهو مفهوم معقّد جاء نتيجة لما يتوقّعه الكيان من العرب، أي الاعتراف والقبول بوجود إسرائيل، وما يحققه من منافع ومصالح في هذا الاتّجاه. إذ أن التطبيع على هذا الأساس مسار معقد بمضامين متعددة بين السياسي والأمني والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، حسب الظرف والسياق، يسمح بتحقيق تغيير إيجابي في المحيط العربي القريب والبعيد. يحيل ذلك على ما يؤكده ياهوشافات هاركابي، مسؤول الاستخبارات العسكرية خلال الخمسينات، من أنّ الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية يجب أن تكون واقعية وتفصل بين “الخطة الكبرى” (Grand design) والسياسة (Policy)، فتجعل من مسار التطبيع مسارا يُحقق الممكن، ولو كان قليلا أو مرحليا، للوصول إلى السلام كما يراه الكيان كـ”تحقيق نهائي للرؤية الصهيونية”. فالتطبيع بذلك هو مسارٌ فرض وجود إسرائيل كما هي في محيط يتغيّر لأجلها. مرة أخرى يشير هاركابي إلى أن تغيير الموقف العربي ليس عملية بسيطة، بل يتطلّب قدرا من الواقعية يتجاوز مسألة الاعتراف القانوني بالكيان.

عمليا، لا يبدو الاعتراف القانوني للدول العربية بإسرائيل مهما جدا في الرؤية الإستراتيجية بتحولاتها العديدة. بل إنّ الإعتراف بها نفسه كان نتيجة لرؤية مرحلية اعتبرته ضرورة لا تحدّ من خطتها الكبرى. فالاعتراف بها لم يخضع للشروط المتوافق عليها في مؤتمر مونتيفيديو 1933. عندما قام الكيان الإسرائيلي لم يتوفر على الشرط المادي الجغرافي المتعلق بالحدود الواضحة والمحددة. وقد حصل أول تحديد قانوني للحدود الإسرائيلية كان سنة 1947 بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لتقسيم فلسطين، والذي تجاوزت فيه الجمعية صلاحياتها معتدية على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.[2] في الآن نفسه، لم يحترمْ الاحتلال الإسرائيلي هذا القرار محافظا على خطّته الكبرى عبر سياسات احتلال متعددة تقضم التراب الفلسطيني تدريجيا في الوقت الذي تندفع فيه إلى احتلال ما أمكن كما في جنوب لبنان ومزارع شبعا والجولان وسيناء. فكان لهذه السياسات الاحتلالية وظيفة نقل الصراع إلى الفضاء العربي. ولا تخرج منه إلا بالقوة بشروط تتحكم في الجغرافيا المجاورة لها. فمن شروط اتفاق السلام مع مصر كان الحدّ من الحضور العسكري ودرجته في سيناء. كما أنها تراقب بعين مفتوحة كل تحوّل يمكن أن يخلق توازنا استراتيجيا مع محيطها. فكما احتلت فضاءات أخرى خارج حدودها، تبادر استباقيا إلى ضرب دول كسوريا والعراق، كلما استشعرت خطرا يمكن أن يهددها. وفي المنظور إيران واليمن. ما يعني أنّ الحدود بالنسبة لهذا الكيان هي حدود متحركة حسب “الخطة الكبرى” لتحقيق الدولة الإسرائيلية كما تراها الأيديولوجيا المؤسسة لها. من هنا يؤكد موشي دايان أن الحدود ليست شيئا مقدسا بل هي دائمة التغيير والتعديل حسب الظرف والسياق المُتغيّر.[3] وسبقه للتأكيد بن غوريون عندما رفض اعتماد خط وقف إطلاق النار بعد حرب 48 كحدود لإسرائيل، رغم أنها تجاوزت ما منحه إياها قرار التقسيم. يبدو لذلك أن الاعتراف القانوني، كما يحدده القانون الدولي، ليس إلا جزءا من التطبيع كمفهوم مُتغيّر ومتحرك يُغطي القانوني ويتجاوزه إلى الأمني والعسكري والسياسي والثقافي والإجتماعي.

تتجاوز الاستراتيجية الإسرائيلية للتطبيع مشكل الاعتراف القانوني. فالتعامل مع “إسرائيل” مكسب لها حتى وإن كان مفروضا واقعا، كما هو الحال مع الأردن عبر سياسة “الجسور المفتوحة” (1967-1994) مرورا إلى التطبيع الجبري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وصولا إلى التطبيع عبر الاتفاقيات والدبلوماسية المكشوفة أو السرية. بالتوازي تعمل هذه الاستراتيجية على إحداث اختراقات كلما أمكن سواء من الناحية الاقتصادية عبر خلق منافذ إلى أسواق المنطقة العربية غالبا من دون الكشف عنها، أو ثقافية عبر محاولة استيعاب النخب الثقافية والتأثير عليها. ما يجعل الحديث عن استراتيجية صناعة وعي مادي ومعنوي جزءا مهما من فرض الوجود الإسرائيلي. فهي شبكة موضوعية من المنافع والمصالح التي تعمل كبنية تحتية لتغيير فوقي في التصوّرات والقيم لتغيير السلوك والموقف العربي.[4]

 يمكن القول أنّ صفقة القرن والاتفاقيات الإبراهيمية أبرز الأدلة عليها. فهي جعلت من العلاقة مع الكيان “سياسة واقعية” مع الدول العربية، اشتركت الأخيرة في الترويج لها ودعمها عبر النخب الثقافية والدينية خاصة في دول الخليج. وانبنتْ على “تغيير ثقافي” تم تأسيسه على فكرة “السلام بين الديانات الإبراهيمية”.[5] لكن السؤال الذي يُطرح، إذا كان العقل الإسرائيلي بهذا التعقيد والحيوية والقدرة على التكيّف بحيث جعل التطبيع ممكنا ومبررا ومكشوفا مع الدول العربية، رغم أنّ المواقف الشعبية رافضة له كما يؤكد ذلك الباروميتر العربي،[6] فأين هي حدود مسؤولية الدول والأنظمة الرسمية؟  فـ”قابلية التطبيع” بحجة الظروف الموضوعية (الواقعية أو المصنوعة) لا تلغي الظرف الذاتي الداخلي. لعل الإجابة معقدة لكن من الممكن تناولها تحت عنوان “الاستبداد العربي”. فغياب الديمقراطية في العالم العربي حاجز أمام تبلور مواقف شعبية في أطر رسمية تُمثله.

الإستبداد العربي: تشكّل قابلية التطبيع

عند حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي  بينيامين نتنياهو عن مرحلة ما بعد حماس، أشار إلى تغيير ثقافي في البرامج التعليمية كما حدث في ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية.[7] بعيدا عن تقييم حجم الجرأة والغرور وراء تصريح مماثل، فهو يعكس ماهية الرؤية الاستراتيجية لخلق التطبيع مع الكيان.[8] فخلق قابلية الوجود تبدأ بالتطبيع مع فكرة وجود إسرائيل في الفرد العربي. ولا يمثل حاجزا أمام فكرة مماثلة إلاّ وعي عربيّ فردي وجمعي حرّ، هو يبدو عمليا غير متحقق أو يواجه عوائق جمّة تختزلها معضلة المسألة الديمقراطية في العالم العربي. وفي صلبها يتربع الزعيم العربي كمحدد رئيسي فيما يتعلق بالتطبيع مع إسرائيل. فتوجه الرئيس المصري الأسبق أنور السادات نحو التطبيع مع إسرائيل كان معاكسا للزخم الشعبي المصري الرافض لإسرائيل، والذي تعزز بعد تحرير سيناء. فما جاءت به الحرب من انتصار ذهبت به السياسة المتبعة من قبله عبر تنازلات أقدم عليها السادات بقرارات شخصية منه. وهو ما يؤكّده اسماعيل فهمي في مذكراته عن فترة توليه وزارة الخارجية المصرية. فالسادات لم يستشر أحدا من الحكومة أو مؤسسات الدولة.[9] أنكر اسماعيل فهمي رواية الرئيس السادات في كتابه “البحث عن الذات” عن قراره الذهاب للكيان وإلقاء خطاب أمام الكنيست.[10] فقد ادّعى السادات أن قراره تبادر إلى ذهنه “بطريقة روحانية”[11] عندما كان في الطائرة في طريقه إلى طهران، رواية قدّمت قرارا استراتيجيا للتطبيع كنتيجة وجدان زعاماتي يبحث له عن مكانة في التاريخ السياسي. رغم أنّ وزير الخارجية المصرية يؤكد على أن هذا القرار جاء نتيجة لجهود اسرائيلية للتواصل مع الرئيس المصري مباشرة، وكان هو قد استجاب لها. لكن ذلك لا ينفي أنّ العامل النفسي لدى الزعيم وأنصاره لعب دورا محوريا.[12]

إنّ ما يُستفاد من هذه التفاصيل أنّ الكيان الإسرائيلي كان يتفاوض مع شخص الرئيس السادات، لا مع مصر دولة وشعبا. وتاليا، يكفي التأثير عليه لتحقيق مكاسب معينة في عملية التفاوض، لتُزاح جانبا أسس العمل الدبلوماسي المؤسساتي القائم على عمل وتقدير موقف شامل واستراتيجي تتولاه مؤسسات الدولة والمستشارون والمختصون لتحقيق مصلحة الشعب والدولة. ومنهم وزراء الخارجية أنفسهم، الذين لم يكونوا مؤثرين في التوجه الذي يحدده الرئيس وحده. إذ يعتبر السادات أنه في “مهمة مقدسة حقا وصدقا”،[13] هي نتيجة لتقدير موقف شخصي وذاتي أرجعه إلى ذاته التي عثر عليها وقد تحررت داخل زنزانته رقم 54 خلال فترة سجنه، عندما أدرك أن الطريق إلى تغيير الواقع هو تغيير ذاته.[14] ما جعل الشعب والقوات المسلحة والدولة يُشار إليها في كتابه بياء النسبة: “شعبي” و”قواتي المسلحة”. فمصر في نهاية الأمر التي سالمت الكيان الإسرائيلي هي مصر السادات ومصر النظام بقيادته.

هذا المثال المصري عن التطبيع عبر الاتفاقيات الثنائية لا يكاد يختلف عن التطبيع العربي الذي استشرى تدريجيا من دول الطوق العربي إلى دول الخليج وصولا إلى المغرب الأقصى. وقد مرّ بتونس خلال التسعينات بعد فتح مكاتب رعاية مصالح سنة 1996 وأُغلقت سنة 2000 بعد الانتفاضة الثانية.[15] لعلّ الموقع الجغرافي لتونس لم يجبرها أن تكون أمام ضغط خارجي للتطبيع. لكنه يبقى خيارا مدروسا من النظام حسب السياق والظرف، خاصة أنه جاء أواسط التسعينات والنظام بصدد تكريس هيمنته. يدخل التطبيع عموما في حسابات الأنظمة العربية لضمان استقرارها بدعم خارجي من المعسكر الغربي الذي يحمل معه ملف التطبيع مع إسرائيل مرفقا بملفات علاقاته مع الدول العربية. فهو ضمن استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية في إطار “حلف دائم وراسخ وغير قابل للفصم مع دولة إسرائيل”،[16] لضمان ولوجها إلى الموارد الحيوية للشرق الأوسط.[17] وعليه، تلتقي الحاجة الداخلية لأنظمة منفصلة عن شعوبها مع حاجة خارجية.[18] عندما تحدث يهوشافات هاركابي عن تحقيق السلام عبر تثمين المتغيرات الداخلية في الدول العربية كالتنمية والمجتمع الصناعي أي عندما تصل المجتمعات إلى حالة من الرفاه والرضا (Peace by satisfaction) أو بعد نمو أجيال جديدة بعيدة عن القضية الفلسطينية، وضع في تصوره أن الدول العربية تفكر نظريا عبر “خطة كبرى” تنطلق من الشعوب.[19] لكنّ الواقع أنّ الأنظمة أوجدت بفعل استبدادها فردا عربيا عاجزا عن مناصرة القضايا العادلة لأنه عاجز عن تحقيق العدالة لنفسه، بحيث تبقى ردوده مرتبطة بحالة فوران وجداني تمتزج فيه نصرة القضية الفلسطينية ومعاداة إسرائيل مع غضبه وحنقه على دولته، التي تشترك في تعميم الظلم الذي يمثل الفلسطيني ضحيته الرمزية والحقيقية في أقصى وأقسى أشكاله.

قوانين تجريم التطبيع: نصوص خطابية من دون إرادة

القوانين والمواقف الرسمية التي تجرم التطبيع أو لا تعترف بإسرائيل في العالم العربي ليست بالقليلة منذ 1948. من أوّلها قانون مقاطعة “إسرائيل” اللبناني رقم 0 بتاريخ 23/06/1955، والقانون القطري لحظر التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي اقتصاديّاً لقانون رقم (13) لسنة 1963، والقانون الاتحادي الإماراتي رقم (15) لسنة 1972 في شأن مقاطعة الكيان الإسرائيلي والمرسوم العماني لسنة 1972، بالإضافة إلى القانون الكويتي رقم 21 لسنة 1964 بشأن القانون الموحد لمقاطعة ««إسرائيل» وصولا إلى القانون العراقي لتجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني رقم (1) لسنة 2022. كما شددت الكويت العقوبات المنجرة عن التطبيع مع الكيان الإسرائيلي. فيما تاريخيا لم تخلُ المواقف الرسمية من مواقف رافضة له.

لكنّ ظاهر ذلك يخفي ما عبّر عنه وزير الخارجية الأمريكي سايروس فانس بالاستعداد السهل لدى الزعماء العرب لاتخاذ خيارات بعيدة عن مصلحة القضية الفلسطينية. وهو في ذلك قد أشار، ضمن سياقه التاريخي، إلى الرئيس السوري حافظ الأسد وأنور السادات.[20] وهو ما يبدو حقيقيا وقابلا للتعميم على جميع الأنظمة السياسية العربية طوال تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، بسبب حسابات هذه الأنظمة الخاصة، إلى اليوم. وتمثل موجة التطبيع الأخيرة مؤشرا لحالة التراكم الطويل للاختراق الإسرائيلي للموقف العربي الموحد. ما يجعل تجريم التطبيع القانوني غير ذي جدوى سياسية واستراتيجية ما لم يتم تركيز أطر عمل مشترك لتغيير التوازنات وضمان المصالح العربية في أفق حل عادل للقضية الفلسطينية. غير أنّ الأخيرة قد أُسقطت من حسابات الأنظمة العربية التي اختارت أن تتعامل مع إسرائيل بشكل منفرد. في هذا الاتّجاه تم التراجع عن النصوص التجريمية للتطبيع في الإمارات والسعودية فيما النصوص الأخرى لا تمثل إلاّ حاجزا رمزيا، وجدت اسرائيل منافذ للالتفاف عليه تدريجيا بخلق دوائر تتعامل معها في كل بلد.

في تونس، كان خيار تجريم التطبيع منذ البداية، محل مزايدات وجدل غطى على النقاش الحقيقي حول قيمته وأداوته وتأثيره. وفي النهاية، ارتأى رئيس الجمهورية أن يتم التراجع عنه في إطار “التآمر على أمن الدولة الخارجي”، لتبرير عدم تمرير مشروع القانون مستعيضا عنه بترديد خطاب “الخيانة العظمى” المعهود مع ترديد سردية المؤامرة الصهيونية العالمية سواء عند حديثه عن تسمية إعصار دانيال في درنة الليبية أو خلال زيارته لولاية نابل.[21] ما جعل قضية تجريم التطبيع كالعادة محل توظيف، لكن يتسم هذه المرة بطابع شعبوي.

إنّ تمرير المشروع لا يحقق مكسبا حقيقيا خاصة أنّ من أبرز هناته توسعه في نطاق الجريمة، ما يجعله تهديدا للمواطن التونسي أكثر منه ردعا لجريمة التطبيع في أخطر أشكالها، الأمني والعسكري والسياسي والاقتصادي. ليبقى مجرد محاولة إرضاء لرغبة شعبية عميقة لم تُستنفر عندما لم يمرّ. وهو ما يعود بنا إلى سؤال قدرة الشعوب على التماهي مع مبادئها ورغباتها العادلة وتطلعاتها للتحرر. فالشعب التونسي يجد نفسه أمام موقف رسمي يتماهى معه لكنه يُبلوره كما يشاء، سواء عبر خطاب شعبوي أو نصوص قانونية ضعيفة وخطيرة في آن واحد. فالمشروع نتاج “وظيفة تشريعية” ضعيفة أنتجت بيانا سياسيا-لا نصّا قانونيا- بلغة عامة وغير دقيقة. ليبقى الشعب التونسي يواجه أزمته الداخلية المركبة وقمّتها نظام سياسي يدّعي تمثيله. فيما الزخم الشعبي لم يجد منفذا له إلا الإحتجاج والتظاهر أو الإعتداء الخطير وغير المبرر على أماكن العبادة اليهودية في الحامة-من ولاية قابس،[22] في إنتاج لمعادلة الانتقام من الذات على حساب تكوين المواطنة العادلة للجميع. وكأن دائرة التاريخ تتكرر بنفس الطريقة في نماذج مختلفة، تُهدر فيها قيم العدالة والتحرر لصالح الشعوب في الفضاء العربي في الداخل والخارج.

يبدو أنّ “إسرائيل” لا تحتاج أن تعمل على خلق التطبيع بكل القوة والجهد والحيوية التي عليها، فنحن سنطبع معها لوحدنا بفضل التطبيع مع الظلم والفساد والاستبداد في الدول العربية. فكما نجحت في شق الصف العربي، نجح الصف العربي في تقسيم نفسه حسب حسابات الأنظمة السياسية، فيما الشعوب لا تجد منفذا ديمقراطيا يُعلي منها في أفق عدالة إنسانية  تسمح لها بالالتحام مع الشعب الفلسطيني وشعوب العالم. لتبقى جزرا لمجموعات بشرية يُكتب تاريخها ومصيرها بدمها وحياتها ومستقبلها.


[1] محسن عوض، الإستراتيجية الإسرائيلية لتطبيع العلاقات مع البلاد العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1988، ص19,

[2] حمديس مقبولة، القضية الفلسطينية بين الشرعية الدولية وسياسة التطبيع الإسرائيلية العربية، مجلة العلوم القانونية والإجتماعية، كلية الحقوق والعلوم السياسية، الجزائر، 2021، ص 756.

[3] محسن عوض، الإستراتيجية الإسرائيلية لتطبيع العلاقات مع البلاد العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1988، ص26.

[4] المرجع السابق، ص ص 28-30.

[5] ما هى أبرز بنود “اتفاقيات إبراهيم” العربية مع إسرائيل؟، 16/09/2020. انظر الرابط التالي: https://bit.ly/49EiVbT

[6] قياس نبض العرب حول تطبيع العلاقات مع اسرائيل، 11/12/2020. انظر الرابط التالي: https://bit.ly/3G7NusU

[7] NPR’s Interview with Benjamin Netanyahu on the Israel-Hamas War | NPR, 17/11/2023. link: https://bit.ly/47ipsr1

[8] محسن عوض، الإستراتيجية الإسرائيلية لتطبيع العلاقات مع البلاد العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1988، ص 15.

[9] إسماعيل فهمي، التفاوض من أجل السلام، مكبة مدبولي، القاهرة، 1985، ص 10.

[10] أنور السادات، البحث عن الذات، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1979، ص 322. للإشارة هنا يتحدث الرئيس السادات عن صراع النفسي والوجداني في بلورة موقف السلام مشيرا إلى رحلته. أما عن “الطريقة الروحانية” فترد في مذكرات وزير الخارجية اسماعيل فهمي عن لقاء السادات بدايان.

[11] اإسماعيل فهمي، التفاوض من أجل السلام، مكبة مدبولي، القاهرة، 1985، ص 384.

[12] محمد ابراهيم كامل، السلام الضائع في اتفاقيات كامب ديفيد، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 2002، ص 260، ص 264.

[13] أأنور السادات، البحث عن الذات، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1979، ص 324.

[14]  المرجع السابق، ص 54.

[15] Samuel Ghiles-Meilhac, « Tunisia’s relations with Israel in a comparative approach », Bulletin du Centre de recherche français à Jérusalem [En ligne], 25 | 2014, mis en ligne le 30 octobre 2014, consulté le 20 novembre 2023. URL : http://journals.openedition.org/bcrfj/7352

[16] محسن عوض، الإستراتيجية الإسرائيلية لتطبيع العلاقات مع البلاد العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1988، ص77.

[17] Roth, A. I., Reassurance: A Strategic Basis of U.S. Support for Israel, International Studies Perspectives, 2009, 10(4), 378–393.

[18] حليم بركات، الإغتراب في الثقافة العربية: متاهات الإنسان بين الحلم والواقع، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، ص7-8.

[19] Yehoshafat Harkabi, Arab Attitudes to Israel, Routledge, 2017, pp45-47,

[20] مذكرات فانس سايروس: خيارات صعبة، المركز العربي للمعلومات، بيروت، 1984، ص ص 12-13.

[21] الرئيس التونسي قيس سعيد يربط اسم العاصفة دانيال “بالنفوذ الصهيوني”، اذاعة مونتي كارلو، 20 سبتمبر 2023. انظر الرابط التالي: https://bit.ly/47j98q7 . انظر أيضا: زيارة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى ولاية نابل، تونس الرقمية، 02 نوفمبر 2023. انظر الرابط التالي: https://bit.ly/3T7NVLB

[22] الحامة.. حرق كنيس يهودي ورفع علم فلسطين فوق سطحه، الصباح نيوز، 18 أكتوبر 2023. انظر الرابط التالي: https://bit.ly/3MRQWf4

انشر المقال

متوفر من خلال:

تشريعات وقوانين ، مقالات ، تونس ، فلسطين



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية