منهم من رحل ومنهم من انتصر ومنهم من لا يزال ينتظر (1/2): 4 قصص لعالقين في الغيبوبة منذ تفجير 4 آب


2020-12-18    |   

منهم من رحل ومنهم من انتصر ومنهم من لا يزال ينتظر (1/2): 4 قصص لعالقين في الغيبوبة منذ تفجير 4 آب

يكبر الطفل علي الذي أكمل شهره السادس بعيداً عن والدته ليليان شعيتو (26 عاماً) التي لا تزال ترقد في المستشفى في غيبوبة منذ باغتها تفجير المرفأ في الرابع من آب سارقاً منها بهجة أمومتها الحديثة. يعلم علي أنّ روائح كلّ الأحضان التي تغمره لا تشبه رائحتها، وأنّ طعم كلّ الحليب الذي يرضعه لا يرقى لحلاوة حليبها، وفيما ينتظر هو عودتها في منزل جدته لأبيه تأبى ليليان الرحيل توقاً لرؤيته من جديد.

أربعة أشهرٍ مرّت على تفجير مرفأ بيروت ولا يزال هناك أناس عالقون بين الحياة والموت، أجسادهم ممدة على أرائك من هواءٍ أو ماء، يتنفسون، يأكلون طعاماً خاصاً، يفتحون عيونهم على غفلةٍ من أهلهم يتثاءبون أحياناً ثم يعودون للنوم، هم حاضرون غائبون، أما ذووهم فباتت حياتهم مرهونةً باستيقاظهم ينتظرون عودة الأصوات والضحات للأجساد النائمة ولو بعد مئة عام.

لم يكن الوصول إلى المصابين الذين دخلوا أو ما زالوا في “الكوما” يسيراً، فلا تملك أيّ من الجهات الرسمية إحصاءات دقيقةً ومعلومات شاملة عنهم، لذلك لجأت “المفكرة القانونية” إلى إجراء مسحٍ ميدانيٍ خاصٍ تواصلت خلاله مع معظم مستشفيات لبنان بحثاً عنهم. وتمكّنت من الوصول إلى أربع حالاتٍ متواجدة في المستشفيات ودور رعاية اجتماعية نستعرضها في هذا الجزء من التحقيق على أن نعرض في الجزء الثاني مقابلات أجريناها مع شخصين استفاقا من الغيبوبة بعد مرور حوالي الشهر على دخولهما فيها ولكن حياتهما وحالتهما الصحية لم تعد بعد كسابق عهدها، بالإضافة إلى مقابلات مع ذوي شخصين استسلما للموت بعدما صمدا لمدة شهرين وكانا في حالة موتٍ سريري.

ليليان وابنها وحبل سرّةٍ لن يقطعه التفجير

قبل أشهر قليلة من وقوع التفجير، عادت ليليان من أفريقيا إلى وطنها لبنان لوضع مولودها الأول علي، لكن هذا الوطن لم يمنحها وولدها سوى شهرين كي ينعما بالحنان. يوم وقوع التفجير قصدت ليليان منطقة أسواق بيروت لشراء هديةٍ لزوجها العائد لتوّه من السّفر، وفيما كانت تحاول الخروج والهرب من أحد المتاجر عند وقوع التفجير الأول، وقع التفجير الثاني وهبطت واجهة المحال على رأسها.

تقول ملكة شقيقة ليليان إنّهم عبثاً حاولوا التواصل معها عند وقوع التفجير لكن من دون جدوى ولم تعلم العائلة بحال ابنتهم إلّا من خلال صديقتهم في كندا التي كانت تحاول الاتصال بها، فأجاب الشاب الذي كان يحاول إنقاذها وأعلمها “أنّ إصابة صاحبة هذا الرقم خطيرة جداً وهو يحاول نقلها إلى مستشفى الجامعة الأميركية”. وصلت شقيقاتها إلى طوارئ المستشفى حيث بقيت ليليان التي كانت تعاني من نزيفٍ حادٍ في الدماغ حوالي الساعتين قبل أن تنقل إلى غرفة العمليات، خضعت ليليان لعملياتٍ جراحيةٍ عدةٍ ودخلت في غيبوبةٍ تامّةٍ. بعد شهر عاشتها عائلتها وهي تنتظر حركة منها فتحت ليليان عينيها لثوانٍ ثم أغمضتهما. تصف ملكة تلك اللحظة بأنّها: “أسعد لحظة بتمرق من التفجير لهلّق، صرنا نصلّي وندعي”.

وتعتبر ليليان اليوم في حالة تسمّى “كوما نباتية” وهي من أنواع الغيبوبة المربكة للأهل بحسب رئيس قسم العناية الفائقة للجراحة، ورئيس جراحة الحوادث في مستشفى الجامعة الأميركية البروفيسور جورج أبي سعد حيث يعتبر المريض “غير واعٍ وليس ميتاً”، وفي هذه الحالة يكون الجزء المخصّص لأداء الوظائف الدماغية البشرية قد تعرّض لإصابةٍ قوية، في حين أنّ الجزء الخاص بالوظائف الغريزية ما زال سليماً. أما خروج المريض من حالةٍ مماثلة فيعتبر البروفيسور أنه يتوقّف على نسبة الأذى الذي تعرّض له الدماغ وقدرة الخلايا على التكاثر من جديد لترميم الفجوات الدماغية الواقعة. 

وفيما نقل جميع الجرحى الذين كانوا في الغيبوبة جرّاء التفجير من مستشفى الجامعة الاميركية إلى دور رعايةٍ اجتماعيةٍ، وحدها ليليان لا تزال في غرفتها لحاجتها إلى العناية الطبية حيث تعاني من ارتفاعٍ في حرارتها بين الحين والآخر ما يتطلّب مراقبتها بشكلٍ مستمرّ بحسب قول شقيقتها.

اليوم تتفاعل ليليان بشكل بسيط جداً مثل الإيماء برأسها عند محادثتها، أو تفاعلها بشكلٍ بسيطٍ مع الحديث الموجّه إليها، إلاّ أنّ الأطبّاء لا يستطيعون تحديد المدّة الزمنية التي من الممكن أن تبقى فيها ليليان على هذه الحالة، كذلك لا يمكن أن يعلموا كيف سيكون وضعها الصحّي “الجسدي والعقلي” إلاّ بعد مرور أشهرٍ على استيقاظها.

وإضافة إلى تعب انتظار استيقاظ ابنتهم وعودتها إلى حالها الطبيعية، على أهل ليليان التفكير معظم الوقت في كيفية تأمين متطلّباتها ومستلزماتها الطبية التي تصل تكلفتها إلى حوالي مليون ونصف المليون ليرة لبنانية شهرياً. فعلى الرغم من أنّ وزارة الصحة تقوم بتغطية بدل استشفائها في المستشفى، إلّا أنّه يتوجّب على أهلها تأمين بدل طعامٍ خاصٍّ بالإضافة إلى الأدوية وأحياناً الحفاضات، وما يزيد الطين بلّة هو انقطاع بعض الأدوية من السّوق اللبنانية، ما يضطر الأهل إلى السعي لتأمينها من خارج لبنان عبر الأصدقاء والأقارب.

وتأتي كلمات ملكة لتختصر معاناة جميع أهالي المرضى في الغيبوبة “الواحد بيقدر يتحمّل يدفع تكاليف شهر شهرين أو ثلاثة، بس بالأوضاع الاقتصادية السيّئة كيف بدّو يستمر خاصّة وأنه ما حدا بيعرف أيمتى الله بيقوّملنا إيّاهم بالسلامة”.

تنام ليليان في المستشفى فيما يلهو طفلها ويكبر بعيداً عنها، وعلى الرغم من بعد المسافة بينهما إلّا أنّ “حبل السرّة” الروحي الذي لم يقطعه التفجير بينهما يجعلها تتمسّك بالحياة.

متطلّبات المصابين في الغيبوبة تفوق قدرات أهلهم المادية

يحتاج المصابون بالغيبوبة إلى متطلّباتٍ ومستلزماتٍ لا تغطّيها الجهات الضامنة منها الطعام الخاص والأدوية والحفاضات وحتى جلسات العلاج الفيزيائي. وفيما تعذّر الاتّصال بمدير عام الضمان الاجتماعي محمد كركي للوقوف عند أسباب عدم تحمّل الضمان هذه النفقات الإضافية على عاتقه وإلقائها على عاتق  المضمونين، أوضح مدير العناية الطبية في وزارة الصحة الدكتور جوزيف الحلو، أنّ الوزارة لا يمكن لها أن تغطّي تكاليف العلاجات والمستلزمات الإضافية التي يحتاجها مرضى “الكوما”، لأنه لا يوجد نص قانوني يشملها ولا يوجد رموز رسمية يمكن اعتمادها لتصنيف هذه الاحتياجات وصرف الأموال اللازمة لها ولا بدّ من تشريع قانونٍ جديد يفصّل ويشرح المستلزمات الواجب تغطيتها من قبل الوزارة لصرف الميزانية اللازمة لها. وأضافت أنّ التعميم الصادر عن  وزارة الصحة بشأن تغطية نفقات جرحى التفجير كاملة تشمل بدلات الاستشفاء داخل المستشفيات فقط، معوّلاً على المراسيم التطبيقية للقانون رقم 196 الصّادر مؤخراً، بأن يلحظ هذه الأمور، علماً أنّ القانون لم يشمل جرحى التفجير، بل ساوى بين شهداء التفجير وشهداء الجيش.

وبعد مرور فترة من الزّمن تطلب معظم المستشفيات من أهالي المصابين بالكوما، إخراج مرضاهم ونقلهم إلى مراكز للتأهيل الاجتماعي أو ما يسمّى دور الرعاية. وهذه المراكز تعنى بالاهتمام بالأشخاص الذين في حالة كوما وليسوا بحاجة إلى عناية طبّية أو للأشخاص الذين يشارفون على الموت أو للمصابين بأمراض عضال عجزت معه طرق العلاج، ويقوم بالمهام فريق من اختصاصي الرعاية الصحية الذين يسعون إلى إراحة المريض من خلال تقليل الألم والإيفاء بالاحتياجات البدنية والنفسية والاجتماعية والروحية. ومن هذه الدور ما هو متعاقد مع المؤسسة العسكرية كدار السلام في شرحبيل، ومنها ما هو متعاقد مع الضمان الاجتماعي ووزارة الصحة كمؤسسات المفتي حسن خالد الاجتماعية، ومنها غير متعاقد مع وزارة الصحة مثل مركز بحنّس.

وتبرّر المستشفيات الطلب من الأهل نقل مرضاهم إلى دور الرعاية بأنّ هؤلاء يحتاجون إلى الرعاية أكثر منه إلى المتابعة الطبية، غير أنّ الأهالي يعزون السبب إلى أنّ أبناءهم المرضى يتعالجون على حساب وزارة الصحة أو جهاتٍ ضامنة أخرى، وبالتالي لا تستفيد المستشفى مادياً من معالجتهم بشكلٍ فوري بل عليها انتظار إقرار ميزانية وزارة الصحة السنوية كي تقوم من بعدها الوزارة بدفع مستحقات المستشفيات المتأخرة.

ويوضح البروفيسور أبي سعد أنّ لا ضرر على مريض الكوما الذي أنهي جميع عملياته الجراحية ولم يعد بحاجةٍ إلى رعاية صحية عند الانتقال إلى دارٍ للرعاية، فهو شخص نائم لا يحتاج من المستشفى سوى ماكينة الأوكسيجين وهي متوفّرة في دور الرعاية. وبرأيه أنّ في انتقال المريض منفعة إنسانية ومادّية، فمريض الكوما الذي زال عنه الخطر  يقوم بحجزٍ سريرٍ في العناية الفائقة يمكن استعماله لإنقاذ مريضٍ آخر بحالةٍ خطرة محتمل قدومه بحالةٍ طارئة، لذا تسعى المستشفيات إلى إخراج الحالات التي لم تعد بحاجة إلى البقاء في قسم العناية الفائقة للإفساح في المجال أمام استقبالها حالات حرجة قد تصلها. ومن ناحيةٍ أخرى يعتبر البروفيسور أبي سعد أنّ من إيجابيات انتقال مريض الكوما، هو حمايته من الجراثيم والبكتيريا التي تتكاثر في المستشفيات، بخاصة وأنه سيمكث مدةّ زمنية عادة ما تكون طويلة ما يجعل احتمال العدوى كبيراً. أما من الناحية المادية فيعتبر البروفيسور أنّ تكلفة سرير مرضى الكوما تتجاوز 2000 دولار في اليوم الواحد، وهي تكلفة عالية جداً سواء على الأهل أو حتى على الجهات الضامنة.

أبي سعد: يجب إحاطة مريض الكوما بالطاقة الإيجابية المشجّعة

يشرح البروفيسور أنّ حالة “الكوما” أو “الغيبوبة” تختلف من مريضٍ إلى آخر بحسب درجة وطبيعة إصابته وهي على درجات يمكن أن تكون غيبوبة عميقة أو سطحية. لذلك يمكن للمرضى في الكوما أن يستجيبوا للمحفّزات الخارجية والقيام بحركاتٍ تفاعلية مفاجئة، فيحدث مثلاً أن يستجيب المريض لنداء اسمه فيفتح عينيه لكنه لن يستطيع أداء وظائف أخرى لأنّ دماغه غير قادرٍ بعد على الاستجابة بشكلٍ كليّ. ويشدد البروفيسور على أن لكلّ حالة خصوصيتها وما ينطبق على واحدة لا ينطبق على الأخرى.

وبحسب الربوفيسور فإنّ مريض الكوما يحتاج إلى الوقت، ولا يمكن التكهّن بالمدّة الزمنية التي يحتاجها لاستعادة وعيه، ولا يمكن معرفة ما ستؤول إليه حالته الصحية الجسدية والعقلية.

وينصح أبي سعد بأن يبقى أقارب وأهل المريض في الكوما على تواصل دائم معه، فيقومون بزيارته ومحادثته بأمورٍ إيجابية تشجيعية، لأنّه برأيه لا يمكن لأحد التكهّن بردّات فعل الدماغ، لذا يجب أن يبقى المريض محاطاً بالطاقة الإيجابية المشجّعة. كذلك يوصي بإجراء جلسات علاج فيزيائي لمرضى الكوما ومن استيقظ منهم، محذراً من أنّ عدم القيام بذلك قد يعرّضهم إلى مشاكل صحية أخرى تتعلق بتيبّس الأطراف وجفافها، ما سيؤثر سلباً على طبيعة حركتهم.

نوح طفل صغير يكتشف حواسه

نوح (إسم مستعار) متواجد حالياً في مركزٍ للتأهيل الطبي تابع لمؤسّسات المفتي حسن خالد الاجتماعية بعدما طلبت المستشفى نقله لوصول مشوارها الطبي معه إلى النهاية على حد قولهم، وأصبح بحاجةٍ إلى رعاية واهتمام شخصي لحين استيقاظه من الكوما.

قبل أربعة أشهرٍ كان نوح يخطّط لحياته ككلّ شابٍ أنهى دراسته ووجد وظيفة تخوّله الزواج وتأسيس عائلة، في 4 آب كان يهمّ لمغادرة مكان عمله في منطقة القاعدة البحرية والعودة إلى منزله إلّا أن التفجير باغته. حاول شقيقه مازن التواصل معه مراراً، وبعد محاولاتٍ عدّة أجابت إحدى زميلاته، وأعلمته أنّ نوح مصاب في رأسه وقد فقد وعيه. توجّه مازن مباشرةً إلى مكان عمل نوح، في المكتب وجد الجرحى على الأرض بانتظار وصول من ينقذهم. فضّل مازن انتظار وصول المسعفين لرفعه وحمله بالطريقة الطبية السليمة، لكن عندما حضرت سيارة الإسعاف لم يكن هناك متّسع لنوح، فحمله المسعفون ووضعوه على الحمّالة في سيارة مازن الذي أقلّه بنفسه إلى مستشفى رزق حيث بقي ثلاثة أشهر. كان نوح يعاني من نزيفٍ في رأسه، أما وجهه فكان مهشّماً لدرجةٍ أنه لا يمكن تمييز ملامحه، لذا لم يسمح لوالدته بزيارته إلاّ بعد حوالي الشهرين والنصف، حينها كان نوح قد بدأ يستعيد جزءاً من إحساسه وتفاعله، إلى درجة أنّ أسرته شعرت أنّ نوح “فرح” بزيارة والدته “أحسسنا بذلك”.

كطفلٍ صغيرٍ يكتشف حواسه وقدراته للمرّة الأولى تتقدّم حالة نوح، ففي البداية تمكّن من فتح عينيه وإغماضهما، بعدها بدأ يستجيب لنداء اسمه بإيماءةٍ بسيطة. اليوم يستطيع تحريك يده قليلاً. يقول الأطبّاء إنّ “لا ضمور في دماغ نوح إنما هو بحاجة للوقت كي يستعيد وعيه تدريجياً، ولكن لا يمكن تحديد هذا الوقت أو التكهّن به”. وبقدر ما يعتبر طول المدة الزمنية مفيداً لحالة نوح الصحّية، بقدر ما هي مرهقة جداً لعائلته، فنوح المدرج في الضمان الاجتماعي ولديه تأمين صحّي خاص أيضاً، قامت المستشفى بعد أيامٍ قليلة من دخوله بمطالبتهم بدفع النسبة التي لا يغطيها الضمان والتي بلغت خلال عشرة أيام حوالي خمسة ملايين ليرة. في بداية الأمر حاولت شركة التأمين التنصّل من دفع فرق الضمان الاجتماعي، إلّا أنّها أجبرت على فعل ذلك بعد تدخّلات من الشركة التي يعمل فيها نوح، فامتثلت شركة التأمين للطلب ودفعت المبلغ المطلوب منها والذي يدفع لمرة واحدة فقط. بعد عشرة أيامٍ أخرى عادت إدارة المستشفى وطالبتهم بدفع المستحقات الجديدة، عندها تواصل مازن مع وزارة الصحة التي تكفّلت بتغطية الفرق، ولا يعلم مازن ولا عائلته لغاية اليوم لماذا لم يتم تغطية هذه النسبة منذ البداية. وهنا يوضح الدكتور جوزيف الحلو من وزارة الصحة، أنّ الوزارة تكفّلت بجميع الجرحى والمصابين غير المشمولين بجهاتٍ ضامنة أخرى، أماّ من هم على حساب الضمان الاجتماعي فتقوم الوزارة بتغطية النسب المتبقية شرط أن يكون أهل المرضى قد سوّوا أوراقهم في الوزارة، لذا فمن لم يستفد من تقديمات الوزارة منذ لحظة وقوع التفجير من المضمونين فذلك لأنهم لم ينجزوا أوراقهم في الوزارة لتقديمها للمستشفى.

وإذا كانت مستحقّات الاستشفاء قد حلّت عبر تحمّل وزارة الصحة لمسؤوليّاتها تجاه نوح، إلاّ أن تكاليف الأدوية والحفاضات والطعام التي تفوق مليون ليرة في الشهر لا تزال مرميةً على عاتق الأهل. لذلك يطالب مازن الجمعيات والمنظمات بالالتفات إلى أهالي الجرحى والمصابين الذين أتت المساعدات على اسمهم،”بيقولوا وصل مصاري كثير لمساعدة ضحايا التفجير، طب نوح مش من الضحايا؟”.

تنتظر العائلة عودة نوح إليهم، هم لا يعلمون متى سيستيقظ ولا كيف ستكون حالته الصحية، وإلى ذلك الحين يحتاج نوح إلى جلساتٍ عدّة من العلاج الفيزيائي لا بد من تأمينها وإلاّ يكون التفجير قد انتصر عليهم من جديد.  

جولييت محرومة من زيارة أفراد عائلتها

وحيدةً تنام جولييت عودة  في سريرها في مركز دار السّلام للرعاية الاجتماعية في صيدا، لا يتواجد أحد من أحبّائها بقربها، لأنّ قواعد الدار لا تسمح بزيارتها إلّا لمدّة عشر دقائق في الأسبوع، لكن ماذا لو فتحت عينيها فجأةً ووجدت نفسها بين الآلات، ماذا لو همست باسم أحدهم ولم يردّ عليها. يغصّ شقيقها سليم وهو يتحدث عن رفيقة درب طفولته “ما عم يسمحولنا نزورها إلا عشر دقايق بالأسبوع، أنا بسمع أنو المريض بالغيبوبة لازم يضلّوا الناس حده يحكوه كرمال يتحسن”.

لحظة وقوع التفجير كانت جولييت تنتظر عودة أولادها لتناول طعام الغذاء في منزلها في منطقة الكارنتينا، ومع وقوع التفجير تكسّر الزجاج وأصيبت جولييت في رأسها. تعاون شبّان الحي على وضعها على لوحٍ خشبيٍ ونزلوا بها الطبقات الستّ وتم نقلها إلى مستشفى مار يوسف. مكثت في الطوارئ حوالي الساعة والنصف قبل أن تنقل إلى غرفة العمليات حيث دخلت في غيبوبةٍ لم تستفق منها حتى اليوم. ثمانون يوماً قضتها جولييت في المستشفى بعدها طلبت الإدارة من أهلها نقلها إلى مكانٍ آخر ريثما تستيقظ، عندها قام شقيقها بنقلها إلى مركز دار السلام المتعاقد مع الجيش، حيث تتعالج جولييت على نفقة المؤسسة العسكرية بنسبة 100% كونها أرملة عسكري  في الجيش ، ما عدا تكاليف الأدوية والحفاضات والطعام الخاص بها التي تفوق المليون ليرة شهرياً، والتي تشكّل عبئاً إضافياً مرميّاً على عاتق شقيقها المسؤول عن زوجةٍ وأطفالٍ ووالدة، ولا يعلم كيفية الاستمرار في تأمينها.

غاب جميع الأحبّاء عن جولييت منذ انتقالها إلى صيدا. يرتبك ابنها صاموئيل البالغ من العمر 22 عاماً عند سؤاله عن والدته، يقول إنه لم يستطع رؤيتها منذ انتقالها إلى الدار إلاّ أنّه كان يزورها باستمرار عندما كانت في مستشفى مار يوسف. يقول إنّها كانت تشعر بوجوده وشقيقته الصغيرة بقربها، “كنّا نلاحظ من ملامح وجّها إنّها عرفتنا، بتحسّيها عم تضحك”. أما والدة جولييت البالغة من العمر 85 عاماً فقد أخفوا عنها إصابة ابنتها خوفاً عليها من صدمةٍ قد تؤثّر سلباً على صحتها، فأخبروها أنّها مصابة بكورونا وأنّها لا تستطيع المجيء لزيارتها ولكن ماذا لو كانت جولييت تنتظر أمّها تناديها وتداعب شعرها كي تدبّ الروح في قلبها.

يضاف إلى المعاناة التي يعيشها مريض “الكوما”، يأتي الإهمال في المستشفيات ليزيد من أوجاعه، فمع نقل جولييت من مستشفى رزق إلى دار السلام اكتشف الممرضات أنّها مصابة بتقرّحاتٍ في مواضع عدّة من جسمها، وذلك بسبب استلقائها لفترةٍ طويلة على فرشة اسفنج بدلاً من إحضار فرشة ماء خاصّة بحالتها.

ستة ملايين ليرة نفقات لارا الطبّية شهرياً و”الحال من بعضه”

منذ أربعة أشهر تستلقي لارا حايك (43 عاماً) حاضرة بالجسد غائبة في الذهن، في سريرها، أو لعلّها تستمهل الاستيقاظ ريثما ترتّب عودتها الجديدة. قرب سريرها في مركز بحنّس الطبّي تجلس والدتها نجوى (70 عاماً) التي تواظب على زيارتها يومياً بعد انتهائها من عملها، تقول إنّها تحدثها باستمرار كما لو كانا في المنزل، تحدثها عن لحظة ولادتها، تتلو على مسامعها أخباراً ماضية، تخبرها بأحوال الجيران والأقارب والبلاد والعباد، تبكي بحرقةٍ، وعندما يتعب الكلام تمسح دموعها وتعود إلى منزلها بانتظار طلوع شمسٍ جديدةٍ.

دقائق معدودة كانت قد مضت على وصول لارا إلى منزلها عائدة من عملها عندما دوى التفجير، لارا التي لا أحد يعلم ما الذي أصاب رأسها بالتحديد، لم تفقد وعيها مباشرةً بل كانت الدماء تغطي عينها، وتمكّنت من الوصول إلى الباب الخارجي حيث راحت تطلب المساعدة، استجابت جارتها لندائها وعاونتها على نزول الدرج للوصول إلى الشارع. في الطريق وجدت لارا والدتها فراحت تناجيها وقواها تخور تدريجياً “ماما ساعديني، ساعديني”. “بنتي عم تقلّي ساعديني وأنا ما بإيدي شي، صرت نطّ بالشارع، حتى وقّفلي كاميون”. نقلهما السائق إلى مستشفى الجامعة الأميركية حيث مكثت لارا في الطوارئ بدون إجراء أي إسعافاتٍ أوّلية لغاية الساعة العاشرة ليلاً، فقد أوحت الدماء التي تغطّي عينها للأطباء أن إصابتها خارجية وليست طارئة، وعندما بدأت لارا تفقد وعيها راحت عينها السليمة تخفت وبدأ جسمها وأطرافها تبرد. نادت نجوى على الأطباء الذين نقلوها مباشرةً إلى غرفة العمليات، لتدخل لارا منذ ذلك الحين في غيبوبةٍ لم تصح منها بعد.

أكثر من شهرٍ ونصف بقيت لارا في مستشفى الجامعة الأميركية على حساب الضمان الاجتماعي ووزارة الصحة بعد أن قام ذووها بتخليص أوراقها وتجهيز ملفّها في الوزارة وإعادته إلى المستشفى. وكانت والدتها وشقيقها يدفعون يومياً 160 ألف ليرةٍ بدل بقاء إحدى الممرضات في غرفتها، كونهما لا يستطيعان ملازمتها طوال الوقت كما طلبت منهما إدارة المستشفى التي أصرّت بعد انقضاء هذه المهلة على نقل لارا إلى مركزٍ للرعاية، ما اضطر شقيقها الياس إلى نقلها إلى مركز بحنس القريب من المنزل، إلاّ أن وزارة الصحة أبلغته بأنها غير متعاقدة مع هذا المركز وبالتالي عليه تحمّل النسبة الذي لا يتكفّل الضمان الاجتماعي بتغطيتها. اليوم يدفع الياس شهرياً حوالي أربعة ملايين ونصف ليرة بدل بقائها في السرير، عدا عن الأدوية والحفاضات والطعام.

يناشد الياس اليوم المعنيين والجمعيات بضرورة تقديم المساعدات بعدما كان رافضاً في البداية، يخاف من عدم قدرته على الاستمرار، بخاصة أنّ لا مدّة زمنية محددة لاستيقاظها، “ممكن لارا تبقى سنين بهالحالة مين بيقدر يأمّن عالمبلغ بهالأوضاع”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أطراف معنية ، الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، تحقيقات ، حركات اجتماعية ، سياسات عامة ، عدالة انتقالية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مجزرة المرفأ



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *