منظمات حقوقية مصرية تعرّي “أذرع الظلم”


2014-01-20    |   

منظمات حقوقية مصرية تعرّي “أذرع الظلم”

عقدت مجموعة من منظمات المجتمع المدني[1] في 4/1/2014 مؤتمراً صحافياً تحت عنوان "أذرع الظلم"، عارضة فيه كلمات حول مظالم السلطات العامة: وتحديداً السلطة التشريعية (قانون التظاهر) ووزارة الداخلية الى جانب النيابة العامة والقضاء. وخلال هذا المؤتمر، تم توزيع تقرير تحت عنوان "أذرع الظلم"، بالإضافة الى عرض "فيديو" مصوّر عن شهادات مواطنين عن انتهاكات تعرّضوا لها من قبل وزارة الداخلية والنيابة العامة. ويلحظ أن هذه المنظمات درجت منذ 25 يناير 2011 على تنسيق مواقفها وتعزيز الأعمال والبيانات المشتركة في ما بينها.
 
أذرع الظلم: المفهوم.
أولاً، علينا مناقشة من المقصود بـ"أذرع الظلم"، ففيما يتحدث الفيديو المصوّر على الداخلية، النيابة والقضاء كثلاث أذرع للظلم، تتحدث الورقة عن السلطة التشريعية ممثلة في قانون التظاهر، السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة الداخلية والسلطة القضائية ممثلة في النيابة والقضاء. ولذلك لا يتضح عند الاطلاع على أعمال المؤتمر من تقرير و"فيديو" تحديد المقصود من أذرع الظلم الثلاث. وإن كنا نميل الى التعريف الثاني الخاص بالتقرير المكتوب، لعدة أسباب. أولاً لا يجوز استبعاد السلطة التشريعية من كونها، في أحيان كثيرة، الخطوة الأولى للظلم، فإصدار تشريعات مقيدة للحريات وتتنافى مع معايير حقوق الإنسان، بالإضافة الى التقاعس عن القيام بواجبها الرقابي على الحكومة من تقديم استجوابات لكل الأفعال التي تتنافى مع القانون وحقوق الإنسان، مثلما حدث أثناء وجود البرلمان السابق، يعدّ أولى الخطوات لتنفيذ الظلم دون أي محاسبة.
الى جانب ذلك، يجب النظر الى السلطة القضائية نظرة شاملة. فالنيابة العامة هي جزء من السلطة القضائية وهي المراقبة مباشرة على عمل وزارة الداخلية. وعمل النيابة العامة هو إحدى الوسائل الأساسية لتكوين عقيدة القاضي وسير المحاكمة. الى جانب ذلك، أعضاء النيابة العامة هم قضاة المستقبل، فإذا وجد خطأ في أعمال النيابة العامة الى حد يصل الى محاباتها للداخلية، يجب دق ناقوس الخطر على السلطة القضائية ككل والتفكير في مستقبل القضاء عامة.
 
قانون التظاهر: عندما يصدر الرئيس "القاضي" قانوناً يخالف معايير حقوق الإنسان:
يتحدث التقرير عن قانون التظاهر، موضحاً أن قانون التظاهر كان من أول المشاريع التشريعية التي حاول الإخوان تمريرها في البرلمان السابق، ولكن الفرق بين القانون الذي فشل الإخوان في تمريره والقانون الذي تم إصداره هو تناول الأول لحق التظاهر السلمي، بينما الثاني تناول الحق في التجمع السلمي عموماً، بما يتضمنه من حق في التظاهر، وهو بذلك يذكرّنا، كما يشير التقرير، بالقانون الذي صدر عام 1923 أي وقت الاحتلال الإنكليزي لمصر. فهل تقوم الحكومة الحالية فعلاً بالعمل على تحقيق أهداف ثورتي 25 يناير و30 يونيو أم أنها تسعى الى إعادة مصر الى ما قبل 25 يناير؟

ولعل الملاحظة الأخرى التي يجب الوقوف عندها، والتي لم يذكرها التقرير، أن من صدق على هذا القانون هو "قاض" في المحكمة الدستورية العليا أي في أعلى محكمة في مصر، والتي من المفترض أن تحافظ على حقوق وحريات المواطنين وتراقب السلطة التشريعية إذا ما قامت بإصدار تشريعات تقيد ذلك.

يفند التقرير بعد ذلك الاعتراضات القانونية على القانون. فحين نص القانون على "الإخطار" كوسيلة لتنظيم التظاهرة، قام عند تفصيل هذا البند بتحويل الإخطار الى إذن مسبق، فيجب على المنظمين تقديم الإخطار قبل ثلاثة أيام عمل على الأقل من يوم التظاهرة، مع إمكانية صدور قرار من وزارة الداخلية بمنع التظاهرة دون أي سند قضائي، وعلى "المتضرر" من هذا القرار الطعن عليه أمام القضاء.

ويتناول كذلك التقرير توسع المشرّع في الأعمال المحظور القيام بها أثناء التظاهرة، وهو ما ربطه التقرير بالنظرة الى التظاهر كجريمة "وشيكة الوقوع"، وهو ما يجب عليه التعامل معها بأقصى درجات الحذر أو منعها إذا لزم الأمر. ويشير التقرير الى مشكلة العبارات غير المفسرة في القانون، فعلى سبيل المثال أعطى القانون الحق لقوات الأمن بفض التظاهرة إذا خرجت عن "حدود الطابع السلمي" دون أي تعريف لهذا المصطلح، تاركاً الأمر للسلطة التقديرية لقوات الأمن. ويعكس ذلك الأمر إطلاق السلطة التشريعية السلطة التقديرية للسلطة التنفيذية في أحيان كثيرة، وهو الأمر الذي ينال من حقوق المواطنين وحرياتهم في معظم الحالات. وتنعكس سلبيات إطلاق يد السلطة التنفيذية في هذا المجال من خلال الأمثلة التي يسردها التقرير من فض تظاهرات واعتصامات من وقت صدور القانون حتى الوقت الحالي.

وبتفصيل القانون، يكون التقرير قد أعطى مثالاً واضحاً عن تحول السلطة التشريعية من سلطة تقوم بصياغة تشريعات تحافظ بها على حقوق المواطنين وحرياتهم، وتحسن بها الوضع الاقتصادي والاجتماعي في الدولة الى سلطة تتواطأ مع السلطة التنفيذية لقمع المواطنين.
 
وزارة الداخية: إعادة هيكلة ورقابة ضرورية
يشير التقرير الى وزارة الداخلية واصفاً إياها بـ"ذراع الظلم الأول". فهي لم تغير أسلوبها ولم تقلل انتهاكاتها عما كانت عليه قبل ثورة 25 يناير، على الرغم من أن الثورة قامت في المقام الأول ضد ممارسات وزارة الداخلية.

يتناول هذا الجزء من التقرير "نبذة" عن انتهاكات وزارة الداخلية منذ قيام الثورة في 25 يناير حتى الوقت الحالي، سواء عن طريق انتهاكات مباشرة منها، أو تقاعس عن حماية المواطنين من الانتهاكات مثل الحوادث الطائفية التي تحدث من دون أي تدخل من قوات الأمن، مستنداً الى تقارير أخرى أكثر تفصيلاً صدرت عن المنظمات المشتركة في هذا التقرير. ومثال على ذلك اعتداء عناصر الداخلية على النساء والدخول في مواجهات مباشرة مع طلاب الجامعات في الأسابيع الأخيرة، كما يشير التقرير.

بالإضافة الى ذلك، يتساءل التقرير عن مدى خضوع موظفي الداخلية لسلطة القانون. فبالرغم من قيام أفراد الشرطة بانتهاكات قبل ثورة 25 يناير، وخلال ثلاث سنوات ابتداءً من 2011 حتى 2013، فإنهم لم يعاقبوا على أفعالهم. ولعل ذلك يرجع، كما يشير التقرير، الى غياب الإرادة لدى النيابة العامة والقضاء، ولكنه يرجع أيضاً الى غياب سلطة تشريعية حقيقية تقوم بمراقبة ومحاسبة سياسية لأفعال الحكومة. ولعلنا نذكر هنا، قيام أحد أعضاء البرلمان في فبراير/شباط 2012 برفع "خرطوش" أمام نواب البرلمان للدلالة على استخدام الداخلية العنف ضد المتظاهرين، فما كان من نواب البرلمان ورئيسه إلا الاعتراض والتأكيد أن وزارة الداخلية أكدت عدم اللجوء للعنف في التعامل مع المتظاهرين، من دون القيام بأي تحقيق أو استجواب[2]. كما يرجع، بشكل رئيسي، الى غياب الرغبة الحقيقية لدى وزارة الداخلية لتغيير مقاربتها في التعامل مع المواطنين، ورغبة السلطة التنفيذية في الإبقاء على وزارة الداخلية على حالها كأداة تفيد، كل من يصل الى الحكم ضد معارضيه.

إعادة هيكلة وزارة الداخلية مع مراقبة مستقلة على عمل الشرطة يصاحبها إصلاح حقيقي في مؤسسات القضاء هو الأمر الحتمي والحل الأمثل، كما يشير التقرير.
 
السلطة القضائية: عندما تتحول سلطة العدل الى ذراع من أذرع الظلم
يتناول التقرير في الجزء الأخير منه السلطة القضائية ممثلة في النيابة العامة والقضاء بصفتها ذراعاً من أذرع الظلم. وهو أمر يعكس تحولاً على صعيد النظرة الى السلطة القضائية المصرية، والتي غالباً ما صُوّرت على أنها متمسكة باستقلالها ووقوفها في وجه دولة مبارك من خلال الأحكام الصادرة من مجلس الدولة، أو وقوفها في وجه الرئيس السابق محمد مرسي في واقعة تعيين النائب العام بالمخالفة لقانون السلطة القضائية. ومن يقرأ التقرير، يخرج باعتقاد أن نضال أعضاء السلطة القضائية ضد من يقوم بانتهاك حقوقهم واستقلالهم، لا يفيد بالضرورة نضالاً ضد من يقوم بانتهاك حقوق المواطنين وحرياتهم!

وتتناول هذه الورقة أوجه العوار في أعمال النيابة والقضاء ممثلاً في المحاكم، ويتناول التقرير هذه النقاط في عجالة، مشيراً الى دراسة قادمة في المستقبل تقوم بنظرة شاملة حول الموضوع.

يميز الورقة تناولها كل أوجه العوار في أعمال النيابة والقضاء غير مقتصرة فقط على الأحداث الأخيرة أو الانتهاكات التي تتم أثناء التحقيقات. فالنيابة العامة تحوّلت من السلطة التي تحمي المواطن من الداخلية، كما كان متعارفاً عليه في المجتمع المصري، الى سلطة تنحاز وتتواطأ أحياناً مع وزارة الداخلية. فقد تخلت النيابة العامة عن تمسكها بالمبدأ الدستوري "المتهم بريء حتى تثبت إدانته" مغلّبة الطابع الاتهامي على التحقيقات التي تقوم بها، وهو ما يفسر قيامها باستئناف أحكام البراءة وندرة الطعن لمصلحة المتهم. كما يشير التقرير، الى أن النيابة العامة تخلت عن تحقيق العدالة، وتقاعست عن مراقبة جهاز الشرطة من خلال عدم قيامها بمراقبة أماكن الاحتجاز التي تشهد انتهاكات كثيرة.

كما يشير التقرير الى قبول النيابة العامة والقضاء إجراء التحقيقات والمحاكمات في غير الأماكن المخصصة لذلك، بل وأماكن تتبع وزارة الداخلية، وهو الأمر الذي يعصف بسرية التحقيقات وحماية حقوق المتهم.

بالإضافة الى ذلك، يسلّط التقرير الضوء على إعراض النيابة العامة والقضاء عن مراجعة التشريعات بناءّ على الدستور الجديد، وإهمال الطلبات المقدمة أمام المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانون ما، بالإضافة الى الاستهانة بالدستور من قبل القضاء. وهو الأمر الذي يطرح إشكالية أكبر وهي مواكبة أعضاء السلطة القضائية في النيابة العامة والقضاء للتشريعات وتطوير معارفهم، كما تطرح ضرورة وجود آلية لضمان التعليم المستمر والتدريب لأعضاء النيابة العامة والقضاء.
  
الإعلام: ذراع الظلم الغائبة.
يقبل التقرير الانتقاد لجهة إغفال دور الإعلام كذراع من أذرع الظلام. فقد شهدنا على مدار الثلاث سنوات استخدام الدولة للإعلام لتحقيق أهدافها وللتجييش ضد فئة معينة من المجتمع للحصول على مباركة الرأي العام على ممارسة الظلم ضد هذه الفئة.
ف
من إطلاق "أن المسيحيين يقومون بالاعتداء على الجيش" في أحداث ماسبيرو أثناء حكم المجلس العسكري، الى إطلاق لقب "بلطجية" على المتظاهرين أو إطلاق لقب "متبرجات وطالبين للتحرش" على المشتركات في التظاهرات أثناء حكم الرئيس السابق، الى إطلاق لقب "إرهابيين" على المؤيدين لجماعة الإخوان المسلمين، أو "ممولين وعملاء وخونة" على النشطاء الذين يعارضون سياسة الدولة في الوقت الحالي، يقوم الإعلام بدور "المحلل" الذي تستخدمه السلطة لإضفاء صفة الشرعية على الانتهاكات التي تقوم بها. فمن خلال الإعلام، يصبح "الشعب" هو المطالب ببطش الداخلية في مواجهة هؤلاء الخونة والعملاء، وتحرر باسمه الأحكام القضائية الظالمة في مواجهة هؤلاء المخربين. وهي بذلك تصبح الذراع الأهم من أذرع الظلم.



[1] 13 منظمة هي: الجماعة الوطنية لحقوق الانسان، الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، جبهة الدفاع عن متظاهري مصر، مركز الحقانية للمحاماة والقانون، مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، مركز عقل للقانون والحريات وحقوق الانسان، مركز هشام مبارك للقانون، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين، نظرة للدراسات النسوية.
[2] راجع "ابو حامد يرفع الخرطوش بالبرلمان للرد على وزير الداخلية وسط احتجاج من الأعضاء"، نشر على موقع جريدة المصري اليوم بتاريخ 6 فبراير/شباط 2012. 
انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية