منتقدون لرئيس الجمهورية يسلّمون أنفسهم رمزياً للقضاء: ليركّز القضاة على متابعة قضايا الفساد


2020-06-18    |   

منتقدون لرئيس الجمهورية يسلّمون أنفسهم رمزياً للقضاء: ليركّز القضاة على متابعة قضايا الفساد

تداعى عدد من ناشطي وناشطات مجموعات الثورة ومحامون أمس الأربعاء في 17 حزيران 2020 إلى تجمع  أمام قصر العدل وبالقرب من مركز المباحث الجنائيّة في بيروت في  محاولة لوضع الأمور في نصابها الصحيح  ردّا على كتاب النائب العامّ التمييزيّ القاضي غسّان عويدات إلى المباحث الجنائيّة في 15 حزيران مكلّفا إيّاها بملاحقة ناشري التعليقات والتدوينات التي تطال مقام رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة ميشال عون.إذ قال المعتصمون عبر حراكهم أن أولوية القضاء ومشاغله يجب أن يتركزا على متابعة قضايا الفساد التي يطرحها المنتفضون. وتوفيراً لوقت الأجهزة المعنية، ربطوا أياديهم بحبال تجسّد نيتهم بتلسيم أنفسهم إلى السلطات المعنية كونهم انتقدوا رئيس الجمهورية، في تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعيّ.

وقال المحامي أيمن رعد للمفكرة القانونية أن مجموعات الثورة تناقلت الدعوة للتحرّك العفويّ، دون أن تنحصر بمجموعة واضحة ودون وضع شعار أيّ من المجموعات على الدعوة.ويأتي هذا التحرّك، وفق رعد، في وقت يطالب فيه المنتفضون القضاء التحرّك لملاحقة ملفّات الفساد، في حين أنّ ما يفعله (أي القضاء) هو ملاحقة الناس بقضايا حريّة تعبير.

حمل  التحرّك شعارات حريّة التعبير، وأعاد البعض  إحياء شعارات انتفاضة 17 تشرين 2019، كما عوّل الناشطون على دور القضاء في ملاحقة الفاسدين، ورفعت بعض اللافتات المطالبة باستقلاليّة القضاء. وتقول إيلفيا إحدى الناشطات المشاركة في التحرّك للمفكّرة إنّه من غير المقبول أن ينغمس القضاء في تنفيذ أوامر المنظومة الفاسدة ويقمع الثائرين الذين يطالبون بحقوقهم، متغاضيا عن إهانة شعب وبلد بأكمله. وتابعت أنّه من المرجّح أنّ ثقتها بالقضاء، والذي كان أملها الوحيد، ستنعدم.

يعتبر سامر خوري أحد المشاركين  في  التحرك أنّ التصريح  سخيف لأنّ المشاكل التي يعاني منها الناس هي التي تدفعهم لكتابة تعليقات نقديّة للسلطة، مؤكّدا على أنّ المقصود يكون السلطة بجميع أشخاصها الذين “أوصلونا إلى هنا بعد 30 سنة من الفساد والظلم”.

يتمنّى سامر على السلطة والأجهزة أن تعرف صلاحيّاتها وتطبّق القوانين، لأنّ ذلك من شأنه أن يردع الناس عن التهجّم عليها . أمّا طارق، فيعتبر أنّ كل الوقفات السابقة التي قام بها الناشطون أمام قصر العدل ووزارة العدل للمطالبة بملاحقة الفاسدين لم تحرّك ساكنا في القضاء، في حين حرّكه امتعاض الرئيس من تدوينات تعبّر عن غضب الناس، معربا عن تخوّفه من الملاحقة في حال عبّر عن غضبه هو أيضا. وأكّد حسين أنّ مشاركته في هذا التحرّك هي للتأكيد على تشبّثه بحريّة التعبير وعلى الإستمرار في متابعة كشف مكامن الفساد في الدولة.

وبعد أكثر من ساعة على بدء التحرّك، صودف مرور نقيب المحامين ملحم خلف  فتجمهر حوله المتظاهرون وسالوه  عن رأيه في كتاب عويدات، فأكّد على حريّة التعبير والإنتقاد ولكن ضمن أصول احترام الآخر دون قدح وذمّ، واستنكر بعض الناشطين التحدّث عن الأصول، في حين أنّ السلطة تخطّت جميع الأصول في تعاملها مع الشعب.

وذهب المحامي رعد إلى اعتبار أنّ المادّة 384 من قانون العقوبات التي تجرّم الإساءة إلى رئيس الجمهوريّة (من حقّر رئيس الدولة عوقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين)، تتعارض مع شرعة حقوق الإنسان والمعاهدات الدوليّة ومع حريّة التعبير المنصوص عليها في الدستور، متسائلا عمّا إذا كانت تعليقات الناس على وسائل التواصل الاجتماعيّ تعدّ تحقيرا للرئيس. ولا يرى رعد، بحسب تصريحه للمفكّرة، أنّ كتاب عويدات منفصل عن بيانات وتصاريح تابعة للسلطة. وعليه ربط الكتاب  ببيان للمجلس الأعلى للدفاع يتحدث فيه عن الشغب الذي يحصل في الشارع، وبتصريح رئيس الحكومة حسّان دياب الذي قال إنّه يتعرّض لانقلاب، والإنقلاب بالمعنى القانوني يواجه بالقوّة العسكريّة. وكذلك ربطه بتصريح لوزير الداخليّة محمّد فهمي هدّد فيه بقمع المتظاهرين والزعران، دون تفرقة بين الاثنين ودون تحديد من هم “الزعران”.

إعادة تكريس خطاب الزعامات والمقامات

القضيّة ليست قضيّة حريّة تعبير فقط، وفقا للمدير التنفيذيّ للمفكّرة القانونيّة المحامي نزار صاغية، فكتاب عويدات يؤكّد اهتمام النيابة العامّة ب”الحفاظ على كرامة المقامات وليس كرامة المواطن”، وإعادة تأكيد أنّ القيم العليا هي المقامات وأيّ مسّ فيها يعرّض الناس للعقاب. يرى صاغية أنّ في الكتاب خطابا يعزّز دولة المقامات لا دولة الديمقراطيّة. ومن الجدير ذكره، أنّ توقيفات واستدعاءات عديدة حصلت، قبل صدور كتاب النيابة العامة، في مناطق عدّة في لبنان كالبقاع والشمال وجبل لبنان، ومن قبل أجهزة أمنيّة ومديريّة المخابرات، على خلفيّة منشورات وتدوينات على مواقع التواصل الاجتماعيّ طالت رئيس الجمهوريّة، وكانت التهم فيها تحقير رئيس الجمهوريّة و”النيل من مقامات الرئاسة”. كان آخرها، وبحسب ما تمّ تناقله على مواقع التواصل الاجتماعيّ، توقيف الشاب ميشال شمعون، وهو كان قد خسر إصبعه بسبب الرصاص المطاطيّ في إحدى المظاهرات في بداية سنة 2020. أوقف شمعون من قبل جهاز أمن الدولة في جونية على خلفيّة فيديو انتقد فيه عهد الرئيس عون واصفا إيّاه ب”عهد الذلّ” بسبب المشاكل المعيشيّة التي أصبح الناس يعانون منها.

لذلك، من المتوقع الاستمرار في هذا النوع من الإستدعاءات خاصّة بعد تكليف المباحث الجنائيّة القيام بذلك. ويؤكّد صاغية هنا، أنّ الكلام عن كتاب النيابة العامّة في وقت تخفّ فيه مشروعيّة نظام الزعمات ووهجه، هو إعادة لخطاب السلطة و”نوع من الثورة المضادّة”، وكأنّ السلطة أفسحت مجالا للناس للاعتراض، والآن جاء دورها لتعيد بسط سيطرتها.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، حراكات اجتماعية ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *