مناهضة التمييز وعدم المساواة: فرص وتحدّيات أمام المحكمة الدستورية في مصر


2021-03-21    |   

مناهضة التمييز وعدم المساواة: فرص وتحدّيات أمام المحكمة الدستورية في مصر
المحكمة الدستورية العليا (مصر)

في 16 ديسمبر 2020، قضت إحدى دوائر محكمة جنوب بنها الابتدائية بإحالة المادّتين 274 و276 من قانون العقوبات إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستوريّتهما[1]. تتعلّق هاتان المادّتان بجريمة الزنا، فتنصّ الأولى على عقوبة الحبس للمرأة التي يثبت عليها الزنا، والثانية تذكر على سبيل الحصر الأدلّة التي تُقبَل لإثبات الزنا على الشريك[2]. وذلك لما رأته المحكمة من تمييز غير مُبرر بين الزوج والزوجة، في ما يتعلّق بالعقوبة المُوقَعة، حيث تعاقَب الزوجة بالحبس لمدّة قد تصل إلى سنتين، بينما لا تتعدّى الستّة أشهر في ما خصّ الزوج. أشارت المحكمة أيضاً إلى التمييز بين الزوجة والشريك في جريمة الزنا من ناحية طرق الإثبات، فالمادّة 276 تذكر على سبيل الحصر الأدلّة المقبولة لإثبات الجريمة على الشريك، ممّا يكفل له بعض الضمانات، بينما يمكن إثبات الجريمة على الزوجة بكافّة طرق الإثبات، تطبيقاً للمبدأ العامّ. الأمر الذي اعتبره الحكم وضعاً مخالفاً للدستور كونه يخلّ بمبدأ المساواة، ويستدعي تدخّل المحكمة الدستورية العليا لتصحيحه.

في الوقت نفسه، صرّحت محكمة استئناف القاهرة بالطعن في دستوريّة عدد من الموادّ المنظِّمة لمسائل الإرث وتوزيع الأنصبة الخاصّة بالمسيحيين[3]. وذلك لما تضمّنته هذه الموادّ من إخضاع المسيحيين المصريين لأحكام الشريعة الإسلامية الخاصّة بالميراث، في مخالفة للنصّ الدستوري الذي يضمن إقرار مبادئ الشريعة المسيحية مصدراً رئيسياً للتشريعات المنظِّمة للأحوال الشخصية للمسيحيين دون غيرها[4]. وهو الأمر الذي يولّد واقعاً تمييزياً يقوم على عدم المساواة بين المواطنين في اللجوء إلى شرائعهم السماوية في ما يخصّ الأمور المتعلّقة بمسائل الأحوال الشخصية، عبر تغليب أحكام الشريعة الإسلامية دون غيرها، في مخالفة لأحكام الدستور.

تكتسب هاتان الدعويان وما تثيرانه من نقاط خلافية أهمّيّتهما من تسليط الضوء بصورة أكثر فاعلية على إشكالية الإخلال بمبدأ المساواة، وما يترتّب عليه من تمييز قائم على أساس الجنس أو الدين، الأمر المتجذّر في عقليّة المُشرّع المصري لعقود طويلة وانعكس بالضرورة على عدد من التشريعات والممارسات القانونية في مصر[5]. أيضًا، تضع هاتان الدعويان المحكمة الدستورية العليا أمام اختبار حقيقي لتحديد موقفها الراهن وتفسيرها المعاصر لقيم ومبادئ مثل المساواة والعدالة والمواطنة. وذلك كونهما تتزامنان مع حراك نسوي ملحوظ خلال العامين الماضيين، ساهم في ارتفاع وعي المجتمع بأسره لقضايا النساء، من بينها التمييز القائم على أساس الجنس، بالإضافة إلى الجدل القانوني المستمرّ خلال الأعوام الماضية حول ماهيّة أحكام الإرث الواجب تطبيقها في ما يخصّ أصحاب الديانات السماوية الأخرى. وعليه، تحاول هذه المقالة تسليط الضوء أكثر على تلك الإشكاليّة من خلال تحليل سياق الدعويين الدستوريتين المُشار إليهما، والنصوص القانونية التي تتعرّضان إليها. بالإضافة إلى ذلك، تقدّم المقالة قراءة لبعض النقاط التي يجب أن تأخذها المحكمة الدستورية العليا يعن الاعتبار أثناء النظر في الدعاوى، من واقع فقهها القضائي وأحكامها السابقة.

عندما يكون التمييز مدعوماً برؤى اجتماعية مُحافِظة أو سطوة الأغلبية

لعلّ أبرز ما يميّز الدعويين الدستوريتين محلّ النقاش هو اقتران النصوص القانونية المنطوية على تمييز قائم على أساس الجنس أو الدين، بقبول مجتمعي واسع النطاق ساعد في استمرار تطبيق تلك النصوص لعقود طويلة بدون اعتراضات حقيقية. فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من غياب أيّ إحصائيّات قد تشير إلى تلك النتيجة، ترى فئة كبيرة من المجتمع المصري أنّ الزوجة المُدانة بجريمة الزنا تستحقّ عقوبة أشدّ من الزوج في حال أُدين بنفس الجريمة. يعود هذا الأمر إلى أسباب اجتماعية وثقافية عديدة، أبرزها اعتقاد المجتمع أنّ الوظيفة الرئيسية للمرأة هي الحفاظ على العلاقة الأُسرية ومراعاة الزوج وتربية الأطفال وما شابهها من مفاهيم تقليدية محافظة. بالتالي، تستحقّ الزوجة المُدانة بالزنا العقوبة الأشدّ كونها السبب الأساسي في انهيار مؤسّسة الأسرة. في الوقت نفسه، تسمح ديناميّة السلطة في المجتمعات الذكورية بإعطاء مساحات أكثر حرّيّة للرجال بشكل عامّ. الأمر الذي يترتّب عليه بالضرورة أحكام اجتماعية أخفّ وطأة، ساهمت في إقرار عقوبة جنائية أخفّ حدّة على الزوج المُدان بجريمة الزنا.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الحكم الصادر بإحالة الموادّ المنظِّمة لجريمة الزنا إلى المحكمة الدستورية العليا، تطرّق إلى ذلك الواقع الاجتماعي عندما أشار إلى الآراء القانونية التي تؤيّد فكرة أنّ زنا الزوجة أشدّ خطورة من الناحية الاجتماعية، وبالتالي يستوجب عقاباً أشدّ قسوة. فوفقاً لهذه الآراء، قد يؤدّي زنا الزوجة إلى إدخال طفل غير شرعي إلى العائلة، بالإضافة إلى أنّ “الرأي العامّ” يُلحِق العار بالزوج ويجعله موضعاً للسخرية بين أقرانه. وهي الحجج التي ردّت عليها المحكمة، ونحن نؤيّدها في هذا الردّ، بأنّ “زنا الزوج وإن كان لا يؤدّي لإدخال طفل غير شرعي في عائلته إلّا أنّه قد يؤدّي إلى إدخال طفل غير شرعي في عائلة غيره”[6]. أمّا في ما يتعلّق “بالرأي العامّ”، فقد فسّرت المحكمة توجّهها بأنّ هذه المفاهيم تتطوّر مع تطوّر المجتمعات البشرية، وأنّ المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة أصبحت إحدى سمات المجتمعات المتحضّرة التي لا يجوز التنازل عنها. ولعلّ الحراك النسوي اليوم الذي دفع إلى إقرار بعض التشريعات[7] وتبنّي عدد من الممارسات، التي من شأنها تعزيز أوضاع المرأة في مصر، هو خير دليل على تطوّر المجتمعات البشرية وقبولها مفاهيم كان يستحيل أن تقبلها في الماضي.

تثير الدعوى المتعلّقة بدستوريّة الموادّ المنظِّمة لأحكام الميراث الخاصّة بالمسيحيين إشكاليّة فرض الأغلبيّة المسلمة لأحكام الشريعة الإسلامية على أصحاب الديانات الأخرى. فلا مجال لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية المتعلّقة بالميراث على غير المسلمين، ناهيك عن وجود نصّ دستوري صريح يقرّ الشريعة المسيحية مصدراً رئيسياً للتشريعات المنظِّمة لمسائل الأحول الشخصية الخاصّة بالمسيحيين[8]. وعليه، يشكّل تطبيق هذه الأحكام على غير المسلمين إحدى صور اللامساواة والتمييز بين المواطنين القائمة على تغليب أحكام دين الأغلبيّة في ما يخصّ شؤون الأقلّيّات الدينية الأخرى، في الوقت الذي يُفترَض أن يكون مبدأ المواطَنة أحد أسس الحكم[9]. من ناحية، تكمن المشكلة الأساسية في غياب نصّ تشريعي يفعّل الالتزام الدستوري الخاصّ بإقرار شرائع المسيحيين في ما يخصّ أحوالهم الشخصية ويحوّله إلى واقع ملموس. من ناحية أخرى، تُظهر الممارسات القضائية تعنُّت عدد من القضاة في تطبيق أحكام الشريعة المسيحية حتّى في حالة اتّفاق أصحاب المصلحة على ذلك. ينصّ القانون رقم 25 لسنة 1944 بشأن بيان القانون الواجب التطبيق في مسائل المواريث والوصايا على أنّه “إذا كان المُورِث غير مسلم جاز لورثته في حكم الشريعة الإسلامية وقوانين الميراث والوصيّة أن يتّفقوا على أن يكون التوريث طبقاً لشريعة المتوفّى”[10]. وعلى الرغم من ذلك، يرفض بعض القضاة تطبيق أحكام الشريعة المسيحية الخاصّة بالميراث حتّى عند اتّفاق الورثة[11]. يتبع هذا الأمر قناعات القاضي ورغبته في تطبيق أحكام بعينها دون غيرها، مدعوماً بغياب تشريع شامل ينظّم هذه المسائل، بالإضافة إلى غطاء مجتمعي قوي يتجاهل مشكلات الأقليّات الدينية.

عقوبة الزنا أمام الدستورية العليا: فرصة لترسيخ مبدأ المساواة

تُعدّ الدعوى المتعلّقة بالفصل في مدى دستوريّة عقوبة جريمة الزنا وأدلّة الإثبات المطلوبة فرصة ذهبية للمحكمة الدستورية العليا لإنهاء هذا الوضع الشاذ القائم على التفرقة الواضحة بين الزوج والزوجة على أساس الجنس. فمن واقع تلك النصوص، يتلخّص العوار الدستوري المصاحب لهذه الموادّ في نقطتين رئيسيتين: عدم المساواة بين الزوج والزوجة في مقدار العقوبة المُوقَعة على أحدهما في حال ثبوت الإدانة بجريمة الزنا[12]، بالإضافة إلى قصر نطاق الأدلّة التي تُقبَل لإثبات الجريمة على الشريك على سبيل الحصر دون الزوجة، التي ترك القانون إثباتها بكافّة طرق الإثبات، وفقاً للمبدأ العامّ في القانون الجنائي. لذلك، وفي ظلّ غياب أيّ معيار موضوعي أو غاية مشروعة يهدف إليها القانون من التفرقة بين الزوج والزوجة في ما يتعلّق بالعقوبة، أو بين الشريك والزوجة في ما يخصّ أدلّة الإثبات، يصبح هذا الوضع بمثابة تمييز قائم على أساس الجنس دون غيره.

من ناحية أخرى، ليست هذه الدعوى الأولى من نوعها التي تنظر فيها المحكمة الدستورية للمطالبة بعدم دستوريّة إحدى الموادّ المنظِّمة لعقوبة جريمة الزنا، حيث سبق ونظرت المحكمة في ثلاث دعاوى أخرى انتهت فيها إلى نتائج مختلفة، لاختلاف الظروف والوقائع. ففي أعقاب التعديل الدستوري لعام 1980 الذي نصّ، لأوّل مرّة، على اعتبار مبادئ الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً للتشريع، نظرت المحكمة الدستورية في عدد من الدعاوى التي تطالب بتطبيق الحدود أو العقوبات التي تنصّ عليها الشريعة الإسلامية بدلاً من العقوبات المنصوص عليها في التشريعات الوضعية. تتعلّق إحدى هذه الدعاوى بدستوريّة الموادّ المتعلّقة بجريمة الزنا المنصوص عليها في قانون العقوبات[13]. لكن، كما اعتادت المحكمة في مثل هذه الدعاوى، قضت برفض الدعوى كون النصّ الدستوري المتعلّق بمبادئ الشريعة الإسلامية لا ينصرف تطبيقه إلّا على التشريعات التي صدرت بعد إقراره، ولا يجوز أن يتمّ تفعيله بأثر رجعي على القوانين القائمة. وبالتالي، لم تتطرّق إلى متن النصوص المتعلّقة بجريمة الزنا من قريب أو بعيد. وتتعلّق الدعوى الثانية التي نظرت فيها المحكمة الدستورية بنصّ المادّة (274)، وقضت المحكمة بعدم قبول الدعوى لغياب توفّر شرط المصلحة في المُدّعية مقيمة الدعوى[14]. وبذلك تكون المحكمة قد تجنّبت فحص النص المطعون فيه بشكل موضوعي للمرّة الثانية. أخيراً، حكمت المحكمة بعدم دستوريّة الفقرة الأخيرة من نصّ المادّة (276) المتعلّقة بقصر الدليل الذي يُقبَل ويكون حجّة على المتّهم في جريمة الزنا في حالة وجوده في منزل مسلم، وذلك لما يتضمّنه من تمييز على أساس الدين بدون أيّ مبرّر موضوعي، وبدون التطرّق إلى بقيّة نصّ المادّة لعدم ارتباطها بالواقعة محلّ الدعوى[15].

حقيقةً، يشكّل نهج المحكمة الدستورية في التعامل مع النصوص المنظِّمة لجريمة الزنا نوعاً من أنواع التهرّب أو تأجيل البتّ في دستوريّة هذه الموادّ بشكل أو بآخر. فعلى الرغم من أنّ هذه النصوص قد عُرضت على المحكمة من قبل، كما سبق وأشرنا، اقتصرت المحكمة في أحكامها على فحص هذه الموادّ فقط في حدود وقائع الدعاوى المرتبطة بها، وهو أمر اعتادت عليه المحكمة بقصر فحصها على الموادّ التي يمثّل الفصل فيها مصلحة شخصية مباشِرة للمتقاضين. ولكن في الوقت نفسه، كان في وسع المحكمة إعمال رخصة التصدّي التي كفلها لها القانون والتي تجيز لها أن تقضي بعدم دستوريّة أيّ نصّ في قانون أو لائحة تُعرَض عليها بمناسبة ممارسة اختصاصاتها[16]، وأن تتوسّع في التصدّي لباقي الموادّ المنظِّمة لجريمة الزنا نظرًا إلى العوار الواضح في مخالفة مبدأ المساواة وعدم التمييز، كما فعلت من قبل في أكثر من مناسبة[17].

فعلى سبيل المثال، وبالرجوع إلى الدعوى الثانية من ضمن الدعاوى الثلاث السابق الإشارة إليهم[18]، قضت المحكمة بعدم قبول الدعوى في طلب الحكم بعدم دستوريّة نصّ المادّة 274 من قانون العقوبات، وهي المادّة التي تنصّ على عقوبة الحبس مدّة عامين للزوجة المدانة بالزنا. وذلك لأنّ دفاع المدّعية كان قد أخطأ ونعى على النصّ المشار إليه تفريقه في إثبات الزنا بين المرأة وشريكها. وجاء ردّ المحكمة أنّ “النصّ المطعون عليه قد تناول فقط تجريم زنا الزوجة محدِّداً عقوبته، دون أن يتعرّض للأدلّة المقبولة في إثبات تلك الجريمة سواء بالنسبة للزوجة المتّهمة بالزنا أو بشريكها، ومن ثمّ فإنّ مؤدّى ذلك أنّ المناعي التي توجّهها المدّعية إلى ذلك النصّ لا ينبغي أن توجَّه إليه وإنّما توجّه إلى النصوص الأخرى التي تتناول تلك الأدلّة”[19]. غير أنّه كان بإمكان المحكمة إعمال رخصة التصدّي وأن تتوسّع في دائرة فحصها، وتضمّ المادّة 276 المتعلّقة بأدلّة الإثبات إلى نطاق الدعوى الدستورية وتقضي بدستوريّتها من عدمها. لذلك، كما سبق وأشرنا، تمثّل الدعوى الجديدة اختباراً حقيقياً للمحكمة الدستورية العليا لإظهار انحيازها، وفرصة ثمينة لترسيخ مبادئ معاصِرة تتعلّق بالمساواة بين الجنسين، في ظلّ واقع اجتماعي وثقافي مغاير.

المسيحيون والإرث: تمييز مستمرّ بإمكان المحكمة الدستورية إنهاءه فوراً

أدّى الوضع الحالي المتمثّل بإصرار معظم المحاكم على تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية الخاصّة بمسائل الميراث على أصحاب الديانات السماوية الأخرى، إلى تعريض آلاف المسيحيين المصريين لتمييز واضح ووضع غير عادل يحرمهم من اللجوء إلى شرائعهم السماوية في ما يخصّ الأمور المتعلّقة بأحوالهم الشخصية، أسوةً بالمواطنين المسلمين الذي يتمتّعون بهذا الحقَّ. وهو الواقع الذي تتجاهله المحكمة الدستورية العليا منذ فترة طويلة وترفض التدخّل لإنهائه على الرغم من وجود ثماني دعاوٍ، يُنظَر فيها حالياً أمام المحكمة، تطعن في دستوريّة الموادّ المنظِّمة لتوزيع الإرث الخاصّ بالمسيحيين، تضاف إليها الدعوى محلّ النقاش، ليصبحوا تسع دعاوٍ دستورية.[20] يشكّل هذا الأمر مؤشّراً واضحاً إلى واقع يؤرّق حياة الآلاف ويشعرهم بالتمييز والتفرقة بدون أيّ أسباب موضوعية، تسبّبه النصوص محلّ الطعن.

نصّ الدستور المصري في مادّته الأولى على أنّ مبدأ المواطَنة هو أساس بناء الدولة، كونه من الأسس الدستورية المستقرّة في كافّة الأنظمة المتحضّرة. في الوقت نفسه، يُعتبَر مبدأ المساواة أحد المبادئ القليلة التي تكرّرت في دساتير مصر المتعاقبة منذ دستور 1923 وصولاً إلى دستور 2014. وهو المبدأ الذي يُهدَف منه إلى حماية حقوق المواطنين وحرّيّاتهم من كافّة صور التمييز التي قد تنال من هذه الحقوق. في الواقع، كانت هذه المبادئ هي الأساس الدستوري الذي تبنّته المحكمة الدستورية في أحد أحكامها الصادر في 2017 الذي قضت فيه بعدم دستوريّة قصر تقرير الحقّ في إجازة وجوبية للعامل لأداء فريضة الحجّ، دون زيارة بيت المقدس في ما يخصّ العامل المسيحي[21]. الأمر الذي يؤكّد أنّ المحكمة الدستورية التي تضمّ في عضويّتها قضاة أصحاب خبرة قانونية طويلة، ليست غافلة عن مثل هذه المبادئ الراسخة، بالإضافة إلى وجود نصّ صريح يقرّ حقّ أصحاب الشرائع السماوية الأخرى في اعتبار هذه الشرائع المصدر الرئيسي للتشريع في مسائل الأحوال الشخصية. وهو ما يدفعنا إلى التساؤل عن سبب عدم الفصل في دستوريّة النصوص المنظِّمة لمسائل الإرث الخاصّ بالمسيحيين حتّى الآن. إنّ الحرّيّة المطلقة التي تتمتّع بها المحكمة الدستورية العليا في اختيار توقيت النظر في أيّ من الدعاوى وإغفال النظر في أخرى لمدد قد تصل إلى عقود، يجعل من الصعب التكهّن بمستقبل هذه الدعوى الجديدة. أو ما إذا كانت ستحرّك المياه الراكدة في اتّجاه الفصل في إحدى الدعاوى المنظور فيها بالفعل، ممّا قد ينهي معاناة أصحابها.

  1. القضية رقم 7604 لسنة 2020 جنح مستأنف جنوب بنها طعناً في الحكم الصادر في القضية 21725 لسنة 2019 جنح قسم ثان شبرا الخيمة – صادر في 16 ديسمبر 2020. نُشر نصّ الحكم على موقع “اليوم السابع” في 8 يناير 2021.
  2. تنصّ المادّة 274 من قانون العقوبات على أنّ: “المرأة المتزوّجة التي ثبت زناها يُحكَم عليها بالحبس مدّة لا تزيد على سنتين لكن لزوجها أن يقف تنفيذ هذا الحكم برضائه معاشرتها له كما كانت”؛ وتنصّ المادّة 276 على أنّ: “الأدلّة التي تُقبَل وتكون حجّة على المتّهم بالزنا هي القبض عليه حين تلبّسه بالفعل أو اعترافه أو وجود مكاتيب أو أرواق أخرى مكتوبة منه”.
  3. “استئناف القاهرة” تصرح للمبادرة المصرية باللجوء للدستورية ضد النصوص المعوقة لتطبيق مبادئ الشريعة المسيحية في الإرث، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 14 يناير 2021.
  4. المادّة 3 من الدستور المصري الصادر في يناير 2014.
  5. في ما يتعلّق بالممارسات القانونية القائمة على التمييز على أساس الجنس، على سبيل المثال: الوضع القائم برفض تعيين النساء في وظائف قضائية في مجلس الدولة المصري.
  6. المرجع رقم (1)، ص13-14 من الحكم المُشار إليه.
  7. هشام كامل، “تعديل قانوني لضمان سرّيّة بيانات ضحايا التحرّش والاغتصاب في مصر“، المفكّرة القانونية، 09-09-2020.
  8. المادّة (3) من دستور 2014: “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشؤونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية”.
  9. المادّة الأولى من الدستور المصري.
  10. المادّة الأولى من القانون المشار إليه.
  11. القضية 2793 لسنة 2018: أقرّت محكمة أوّل درجة صدور إشهار الوفاة والوراثة، بتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية مقرّرة مبدأ “للذكر مثل حظّ الأنثيين”. على الرغم من موافقة جميع الورثة على تطبيق أحكام الشريعة المسيحية. وهو الأمر الذي عدلت عنه محكمة الاستئناف وقضت بتوزيع الأنصبة بالتساوي بين جميع الورثة.

    حملة “مسيحيات في البطاقة… مسلمات في الإرث“- موقع المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

  12. المادّة (277) من قانون العقوبات: “كلّ زوج زنى في منزل الزوجية وثبت عليه هذا الأمر بدعوى الزوجة يجازى بالحبس مدّة لا تزيد على ستّة شهور“.
  13. حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 34 لسنة 10 قضائية “دستورية ” – الصادر في تاريخ 3 فبراير 1990، المتعلّق بمدى دستوريّة الموادّ 273 و274 و275 و276 من قانون العقوبات.
  14. حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 110 لسنة 28 قضائية “دستورية ” – الصادر في تاريخ 11 أبريل 2010.
  15. حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 248 لسنة 30 قضائية “دستورية ” – الصادر في تاريخ 6 يونيو 2020.
  16. المادّة (27) من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1979: “يجوز للمحكمة في جميع الحالات أن تقضي بعدم دستوريّة أيّ نصّ في قانون أو لائحة يعرض لها بمناسبة ممارسة اختصاصاتها ويتّصل بالنزاع المطروح عليها وذلك بعد اتّباع الإجراءات المقرّرة لتحضير الدعاوى الدستورية”.
  17. على سبيل المثال، حكم المحكمة الدستورية العليا رقم 162 لسنة 19 دستورية الصادر في 7-3-1998. في هذه الدعوى كان نطاق الدعوى الدستورية متعلّق بالفصل في مدى دستوريّة المادّة (25) من قانون هيئة قضايا الدولة رقم 75 لسنة 1963، ومع ذلك أعملت المحكمة رخصة التصدّي وقضت بعدم دستوريّة المادّة (26) أيضاً من القانون ذاته لما رأته من مخالفة نصّ القانون لأحكام الدستور واتّصاله بموضوع النزاع.
  18. مرجع رقم (13).
  19. المرجع السابق.
  20. يمكن الاطلاع على بيانات كافّة الدعاوى من خلال محرّك بحث الموقع الرسمي للمحكمة الدستورية العليا.
  21. حكم المحكمة الدستورية 153 لسنة 32 قضائية دستورية – الصادر في 15/2/ 2017.

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

البرلمان ، المرصد القضائي ، جندر ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، فئات مهمشة ، قرارات قضائية ، قضاء ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، محاكم دستورية ، مساواة ، مصر



لتعليقاتكم