منال ضو ونقولا فتوش: سياسة “الكف” الفاصل


2014-10-22    |   

منال ضو ونقولا فتوش: سياسة “الكف” الفاصل

كثيرة هي العبارات التي لجأ اليها اللبنانيون للتعبير عن سخطهم من الحرب ورغبتهم في التخلص من الحياة اليومية التي فرضتها عليهم. من هذه العبارات ما يتعلق مباشرة بالزعماء السياسيين وقادة الميليشيات ورجالهم فقيل فيهم مثلاً “بكرا ابتجي الدولة وبتلمن كلن سوا”. كما قيل ايضاً في بعض السياسيين ممن لم يلجأ الى العنف كوسيلة لممارسة السياسة والوصول الى السلطة، “هيدا ما بحياتو ضارب ضربة كف

عقدين على الاعلان الرسمي لانتهاء الحرب الاهلية، وما زالت هاتان العبارتان صالحتين للتعبير عن رأي العديد من اللبنانيين في طبقتهم السياسية. وما برح الحنين والتوق الى الدولة قائماً، بالرغم من مرور سنين على ما سمي بمسار اعادة اعمار الدولة ومؤسساتها

في الواقع، فان ركيزة هذا المسار اعتمدت على محورين اساسيين:

الأول، تأمين استمرارية منظمومة الحرب السياسية والاقتصادية، انما ضمن اطار المؤسسات العامة. اختصر هذا المحور على تحويل قادة الميليشيات الى وزراء ونواب، مستفيدين من قانون العفو عن جرائم الحرب، اضيف اليهم الطبقة الوافدة من “المقاولين-البرجوازين” والتي تألفت ممن حصل على الثروة في الخليج منها رفيق الحريري، نجيب ميقاتي، عصام فارس وآخرين. فهاتان الفئتان شكلتا معا الطبقة الحاكمة بعد الحرب فمنها من استلم الاعمار، ومنها من استثمر المقاومة، ومنها من احتكر مسار اعادة المهجرين…

الثاني، السيطرة من قبل النخب الحاكمة على المؤسسات العامة وترسيخها لمصالحهم الخاصة. فأصبح كل ما هو عام خاصاً، وكل ما هو خاص عاماً. اولى ارهاصات هذه السياسة تمثلت بتقديم رفيق الحريري منزله الخاص في الرملة البيضاء وسياراته، قبل ان يصبح رئيساً للوزاراء العام ١٩٩٢، الى رئيس الجمهورية المنتخب الياس الهراوي ليصبح المقر الرسمي لرئاسة الجمهورية لأعوام عدة قبل الانتقال الى قصر بعبدا بعد اعادة ترميمه. فأصبحت الاملاك الخاصة للحريري، مقراً عاماً لرئاسة الجمهورية.  في المقابل، تحول “العام” وما زال الى يومنا هذا يتحول الى خاص، بحيث اصبح الوسط التجاري لبيروت ملكاً خاصاً لشركة “سوليدير”، والاملاك العامة سلعة يشتريها اصحاب النفوذ والاموال. و بذللك تحول كل ما هو عام الى خاص.

فهذا المسار الذي رافق مرحلة بناء الدولة قد ادى الى الاعتقاد لدى غالب المواطنين بأن لا وجود للدولة في لبنان. بينما، في الحقيقة، الدولة ومؤسساتها موجودة وفعالة لكن لخدمة المصالح الخاصة للسياسيين. فجاءت جميع القوانين، او اغلبيتها، اما لتدعيم محور شرعنة نخب الحرب، من خلال قوانين الانتخابات، أو السيطرة على المؤسسات العامة من خلال التشريع لمصلحة الشركات الخاصة (كقطاع الخليوي…).

ما شأن هذا العرض والحادثة “العرضية” التي حدثت منذ أيام حين تعدى النائب نقولا فتوش على موظفة في قصر عدل بعبدا؟

في الواقع، ان يضرب نائب لبناني موظفاً حكومياً في قصر العدل، فهو حدث يتخطى برمزيته التصرف غير اللائق من نائب تجاه موظف معين، انما هو في صميم مسار بناء الدولة واعادة اعمار المؤسسات في مرحلة ما بعد الطائف

تبلغ اهمية هذه الحادثة على انها تلخص مبدأ السيطرة على مؤسسات الدولة وخطفها من قبل حفنة من السياسيين، وذلك للأسباب التالية:

١‫- حين توجه فتوش الى قصر العدل في بعبدا، لم يتوجه بصفته محامياً كسائر المحامين. انما توجه بصفته نائباً لبنانياً يعتقد بأنه يملك قصر العدل وموظفيه. فمنال ضو بنظره ليست موظفة حكومية، انما هي موظفة خاصة تعمل لديه، على شاكلة المؤسسات العامة التي تعامله على هذا الصعيد وترسخ لمصالحه الشخصية.  خصوصاً الكسارات التي يملكها ويشرع المجلس بقانونيتها بالرغم من خطرها على البيئة، ويفتي مجلس شورى الدولة لآل فتوش بتعويضات مالية أيضاً. إسم فتوش ارتبط مؤخراً بالتمديد للمجلس, فهو من يأخذ المبادرة ويشرع التمديد للمجلس على انه قرار خاص يبادر اليه النواب انفسهم من دون الرجوع الى الشعب، ويحول نفسه ولياً ليس فقط على الشعب انما ايضاً على سعادته، فهو الذي (صرح يوماً، تيمناً بالجنرال ديغول بأنه سيصنع “سعادة الشعب الفرنسي برغم أنفه[1]…).
 ذاً، اخطأت منال من المرة الاولى، بنظر النائب، حين لم تتصرف على اساس انها تعمل لديه بصفتها سكريترته الخاصة, فعاقبها على ذلك.

2- لقد اشارت الصحافة بأن منال لم تتعرف الى النائب وسألته “من يكون” بعد ان توجه اليها بالسؤال:
“ما بتعرفي مين انا؟”. وهذه المقولة من منتوج ثقافة “القبضايات” والحرب ممن لهم نفوذ يتخطى الآخرين فلا داعي لمقارعة هؤلاء. فان سؤال منال ضو ربما استفز النائب اذ يعد شخصه حالة عامة على الجميع معرفة وجهه تلقائياً. لا شك في ذلك، فإن مقولة “بتعرف مع مين عما تحكي”  قد لجأ اليها وزير الداخلية نهاد المشنوق حين حاول بعض المواطنين الاحتجاج على إحدى قراراته.
اخطأت منال مرة ثانية، بنظر النائب، حين جهلت الصفة العامة لفتوش وجعلته محامياً على نفس المستوى من زملائه المفترضين, فعاقبها على جهلها بشخصه.

3- لقد قيل أيضاً أن منال ضو، طلبت من النائب الانتظار الى حين يأتي دوره. وهي بالتالي قد لجأت الى تنفيذ صلاحياتها وسلطتها القانونية على النائب الذي يعتبر نفسه فوق القانون. بعبارات اخرى، بقصد او عن غير قصد، لقد اعادت منال الاعتبار الى مؤسسات الدولة، ولو رمزياً، حين طلبت من النائب الامتثال الى القوانين والاعراف المرعية والتي تقول ببساطة باحترام الدور. اخطأت منال، مرة ثالثة ايضاً، لانها فضلت مبدأ الدولة على المصالح الخاصة والتي لا تتفق مع مصالح النائب الآنية

الاخطاء التي ارتكبتها الموظفة هي على تناقض تام مع مفهوم الدولة الذي خطط له في مرحلة ما بعد الحرب. وبالتالي فردة فعل النائب، مع استحالة الدفاع عن حقه قانوناً، اقتصرت وبكل بساطة على اللجوء الى العنف الجسدي. وهذا العنف، تمثل بالضرب المباشر، والتعدي على الجسد. وهذا ايضاً، يشكل احد تجليات مقومات التهكم على المجتمع التي اعتمدتها الميليشيات في زمن الحرب. اما عامل السيطرة الثاني، فهو السيطرة على الاقتصاد، وهو متمثل بالترهيب – غير المباشر – بلقمة العيش. لقد أشارت الصحافة بأن منال لا تعتزم تقديم شكوى لان “لديها اطفال ثلاث[2]

وبالتالي فان امكانية التحرك ضد النخب السياسية مرتبطبة مباشرة بلقمة العيش ما يزيد من سيطرة النخب على المجتمع التي اعتمدت سياسيات “خصخصة” الخدمات الاجتماعية مع تهميش المؤسسات العامة فاضعف الضمان الاجتماعي لمصلحة شركات التأمين، والخدمات الصحية الخاصة. وهمشت الجامعة اللبنانية والمدارس الرسمية لمصلحة الجامعات الخاصة التي تقدم منحاً يستفاد منها سياسياً ودعماً غير مشروط والمدارس الخاصة المجانية والدينية فكل ذلك، على حساب العام.

فأن يستبيح فتوش رقبة منال جسدياً، ويهدد لقمة عيشها في مرحلة ثانية، هو بالواقع مجرد انعكاس مباشر لاستباحة الميليشيات لأمن الناس في زمن الحرب الغابرة، وتهديد لقمة عيشهم بعد الحرب، مكللين هذا المسار بمصالحات ما بعد الحرب التي اتت لمجرد شرعنة رؤساء الميليشيات على حساب متضرري الحرب من اهالي مفقودين ومهجرين…

فهل تُعتبر ال “لا” التي قالتها منال للنائب فعل “مقاومة” للواقع العام؟ لا نجزم، بذلك. انما ملاحقة فتوش قانوناً، بما لا شك فيه هو عمل مقاوم بإمتياز لا يعيد الاعتبار المعنوي لمنال فقط انما يسلط الضوء وبشكل أساسي على ضرورة كسر هيمنة السياسيين “الخاصة” على القطاعات العامة. ومن هنا يبدأ مسار استعادة الدولة اي استعادة القطاع العام، بكافة مؤسساته، وترسيخها لخدمة المواطنين علـى حد سواء.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، مجلة لبنان ، لبنان



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية