“مناطق الموت” عنوان لمشاريع القتل الجماعي: هذا المرفأ الذي قتل جيرانه


2020-08-17    |   

“مناطق الموت” عنوان لمشاريع القتل الجماعي: هذا المرفأ الذي قتل جيرانه
رسم رائد شرف

أن تنشأ مناطق موت عدة في لبنان، يعني أن أخطاء الحكم لم تعُدْ محصورة بالإرتجال أو سوء الإدارة أو التقدير في ملف معين، ولا حتى بممارسات تهدف إلى وضع اليد على جزء من موارد الدولة، بل وصلت حدّ مستوى القتل الجماعي. وما يزيد من خطورة هذا القتل، هو أن التدقيق في كيفية تحول هذه المناطق إلى مناطق موت، يظهر أنها ليست نتاج حدث يمكن تجاوزه أو إهمال يمكن التحسّب له مستقبلا، أو أنها نشأت بفعل عوامل معزولة، بل أنها نشأت بفعل نظام متماسك يعِد في حال استمراره، بامتداد هذه المناطق إلى ما لا نهاية. فأليس طبيعيا أن يتلوّث التراب والهواء والماء في بلد تهيمن فيه الحصانات واعتبارات المحسوبية والزبونية والمجاملة، وتضعف فيه يوما بعد يوم مؤسسات المراقبة والمحاسبة وفي مقدمتها القضاء الذي يفترض أن يكون مستقلا وفاعلا؟ بل أليس طبيعيا أن تزيد الحصانة هيمنة والمحاسبة ضعفا، كلما ضعف الوعي العامّ بأهمية القيمة المستباحة التي هي “البيئة”، أو بالآثار المدمرة التي تنتج عن هذه الإستباحة، وبالأخص كلما خضع الوعي العام لأفيونات الشعبوية والعصبية والتجزئة وما إلى ذلك من مؤثرات أو هواجس متصلة بالهوية؟”

بهذه العبارات، قدمت “المفكرة القانونية” لعدد خاص أصدرته في حزيران 2018 تحت عنوان “مناطق الموت“، أي المناطق التي بات سكانها عرضة للخطر بفعل عامل أو آخر، غالبا ما يكون متّصلا بعدم الإلتزام بالقوانين البيئية وشروط السلامة العامة، تبعاً للفساد وسوء الإدارة. وقد خلصنا في خاتمة المقدمة إلى القول بأن “مناطق الموت تصبح من زاوية النظام الحاكم، ليس فقط عوارض نموّ اقتصادي يهدف إلى جذب الإستثمارات وخلق فرص عمل جديدة على حساب البيئة، إنما عملا سياسيا مؤداه تمكين الأزلام والأتباع والزبائن بالقيام بكل ما يرغبون به، مهما كان ضارا، من دون عقاب أو ملاحقة، حفاظا على ولاءاتهم (وأصواتهم). من هذا المنطلق، تصبح مناطق الموت علامة استفهام كبرى في مواجهة الأحزاب الحاكمة، ونظام الفوضى والفساد والإفلات من العقاب”.

آنذاك، المناطق التي فكرنا بها وكتبنا عنها كانت المناطق المحيطة بمعمل الذوق ومعامل الإسمنت والمقالع التي تفجر الجبال وتعيث الغبار على مدار كليمترات منها. كنّا نفكر بالأنهار التي تمّ قتلها بسموم المعامل قبلما تتحوّل بدورها إلى أدوات قتل للقاطنين على أضفتها، من دون أن ننسى مخلفات حروب الأشقاء والأعداء من براميل سامة وألغام تنتشر على مساحات كبيرة من الوطن أو أيضا أسلاك الكهرباء التي تقتل في أزقة المخيمات الضيقة. وعلى خلاف عشرات المسؤولين، لم نكن نعلم أن هذه المناطق كانت اتسعت بفعل نظام اللامسؤولية، على الأقل منذ 2014، لتشمل مرفأ بيروت بل لتحوّله ربما إلى المنطقة الأكثر خطورة وقدرة على القتل. وهو المرفأ الذي انفجر في وجوهنا جميعا ليحصد مئات القتلى وآلاف الجرحى، فضلا عن تدمير أحياء واسعة من العاصمة.

أمام فداحة الأخطاء المرتكبة في مرفأ بيروت وحوله، لا يسعنا إلا أن نعيد طرح سؤال ختمنا به مقدمة عدد “مناطق الموت” في حزيران 2018، ليس فقط في وجه السلطة الحاكمة، بل بوجه أي طرف يسعى لترميمها: “باسم أي نظام، باسم أي سلطة، تستبيحون حيوات الأبرياء؟” السؤال الآخر الذي لا يقل إلحاحا: ماذا بشأن سائر مناطق الموت التي ما برحت تقتل كل يوم أو ينتظر انفجارها في أي لحظة؟

انشر المقال

متوفر خلال:

بيئة وتنظيم مدني وسكن ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مقالات