مناسبة إحراز الرباعي الراعي للحوار في تونس على جائزة نوبل للسلام : كيف تستفيد تونس من هذا التتويج؟


2015-10-16    |   

مناسبة إحراز الرباعي الراعي للحوار في تونس على جائزة نوبل للسلام : كيف تستفيد تونس من هذا التتويج؟

إن الطريقة التي جرى فيها اختيار الحائز على جائزة نوبل هذه السنة وهو الرباعي الراعي للحوار في تونس (الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والرابطة التونسية  لحقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين) تكشف بشكل جلي عن  فهم القيمين على هذه الجائزة من أن المحدد في عملية حسم الصراع في البلاد التي  تعيش انتقالا ديمقراطيا مثل تونس هو الاحتكام إلى العقل والحوار والرجوع إلى القاسم المشترك. ولا شك أن إسناد هذه الجائزة للرباعي له قيمة خاصة إذ انه يثمن في الواقع الحالة الوحيدة في العالم العربي التي استطاعت إيجاد ضرب من التعايش بين حكم الإسلاميين ما قبل اغتيال  النائب محمد البراهمي في 25 جويلية 2013  وحماسهم الدعوي ورغباتهم الظاهرة والخفية لسلامة البلاد وإخضاع الضمائر والسلوكات إلى مصفاة الفرز الأيديولوجيّ والعقدي الدينيّ وبين نزوع بعض العلمانيين إلى استئصال الظاهرة الإسلاميّة ومحاصرتها وحتى إلى فتح أبواب السجون من جديد أمام الإسلاميين المغادرين لها على التوّ.

لقد شكّل اغتيال النائب محمد البراهمي  يوم 25 جويلية 2013 انطلاقا للحراك الشعبي العارم في كامل أنحاء البلاد،  وما تبعه من   إدانة  الترويكا، وعلى رأسها حركة "النهضة" وتحميلها مسؤولية انتشار العنف والتحريض عليه وما صاحب ذلك من انسحاب نواب المعارضة من المجلس التأسيسي ومن احتجاجات واعتصامات وأشهرها الاعتصام الذي سمي باعتصام الرحيل بل من تحريض على الانقلاب على  المجلس التأسيسي وعلى الهيئات القائمة. وقد دعت مجموعة من الأحزاب المعارضة بعد الإغتيال إلى العصيان المدني. كما أُعلن عن بعث جبهة للإنقاذ الوطنيّ لإنجاز مهام كانت مؤشرا على مخاطر نشوب حرب أهلية مثل استكمال صياغة الدستور في بحر شهرين من خلال مجموعة من الخبراء يعرض على الاستفتاء الشعبي. وجرى الحديث عن تشكيل حكومة إنقاذ وطني محدودة العدد لا تترشح في الانتخابات القادمة متطوعة برئاسة شخصية وطنية مستقلة يستبعد منها الإسلاميون. كما جرى الحديث أيضا عن احتلال مراكز السلطة الجهوبة والمحلية. وكان اتّحاد الشغل أوّل من رفض هذا الخطّة، إذ رأى فيها  انقلابا على الشرعية وتهديدا لأمن البلاد. فتكوّن الرباعي من أجل مساعدة كل الأحزاب السياسية على الخروج من المأزق استنادا على المحافظة على المجلس التأسيسي باعتباره الشرعية الوحيدة القائمة والمؤسسة على انتخابات صحيحة لم يشكك في نزاهتها احد من الفرقاء  السياسيين. وهو ما حصل فعلا من خلال التوافق على اختيار رئيس حكومة  جديد تخلف حكومة علي العريض المستقيلة وهو المهدي جمعة، وتحديد خارطة طريق لاستكمال كتابة الدستور وتنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية. محطات وصلت اليها  البلاد من خلال المصادقة على مشروع الدستور يوم 27 جانفي 2014 ومن  خلال انتظام الانتخابات التشريعية في أكتوبر 2014 والرئاسية في نوفمبر 2014. لقد تمكنت  البلاد من الخروج من أزمتها بفعل قوة  المجتمع المدني ممثلا في الرباعي  وخاصة في اتحاد الشغل قاطرة الرباعي.  فليس لهذا المجتمع الأهلي في تونس قوة اقتراح أو مراقبة أو معبر عن مصالح قطاعية فحسب بل هو في صلب مواجهة المحن السياسية والمساعدة في تجاوزها. لقد كانت صورة الاتحاد خاصة في ذلك الوقت في الميزان. أنقذ الاتحاد البلاد من المجهول الذي كان يخشاه الجميع ووفرت شجاعة الرباعي فرصة أخرى للجميع للعودة إلى الحوار. كما استطاع الرباعي أيضا ضمن دائرة الحوار نفسه من احتواء الأصوات الغاضبة، بما له من  وزن معنوي وسلطة اعتبارية تجعل من الصعب على المعارضة في ذلك الوقت أن ترفض ما آل إليه اجتماع الخصوم.  
 
من أجل الاستفادة من هذا التتويج؟

لقد عرفت تونس بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية أكتوبر ونوفمبر 2014 ووصولها إلى مرحلة  المؤسسات الدائمة  أياما صعبة من عمليات إرهابية دامية كادت تشوّه صورة البلاد وتنعتها بالعنف والدموية مثل عملتي باردو وسوسة. كما تزال تونس تشكو أوضاعا اقتصادية سيئة إذ لا تزال كثير من المناطق  ترزح تحت تبعات التهميش والخصاصة. ولذلك، يكاد  كثير من التونسيين بسبب المعاناة الاقتصادية اليومية ينسون ما لهذا التتويج من بريق. بل يكاد يتسرب إلى الكثيرين منهم الشك في قدرة تونس على تجاوز المرحلة الانتقالية الثانية بسلام
.
إذن، ما ينتظر تونس وقد خطت طريقاً آخر غير طريق التقاتل الأهلي، ليس فقط فرحة الاحتفال بل ترسيخ ما تشير إليه هذه الجائزة. ليس ترسيخ قيم السلم فحسب، وإنمّا أيضا مجابهة كل مظاهر  الفقر  والظلم  والتخلّف الإقتصادي. فتونس اليوم مطالبة بإرساء قواعد الحكم الرشيد ومحاربة كل أنواع  الفساد المالي والسياسي الذي يهدد أمن البلاد الاقتصادي ويزرع  اليأس في النفوس. وهو طموح لا يتحقّق دون مزيد العمل لترسيخ أسس دولة  الحق والقانون. كما أن تونس مطالبة أيضا بأن تحصن كل قيم حقوق الإنسان. فلا سبيل إلى عودة الممارسات القديمة الماسة بالحرمة الجسدية للإنسان أو الماسة بقيم حقوق الإنسان عامة ومنها بالأساس حقوق المرأة والفئات الضعيفة بحجة  مقاومة  الإرهاب أو شحّ الموارد أو الوفاء لتراثنا الحضاري وقيم أصالتنا ومن أجل أن يصبح خيار الدولة المدنية الخيار النهائي.

فجائزة نوبل هي من بعض الوجوه  تحمّل البلاد مسؤولية المحافطة على ما تعنيه هذه الجائزة من قيم.فالحصول عليها كان لحظة بلا شك فارقة في تاريخها. ولكن الجائزة الحقيقية أن تكون البلاد وفية لعمل الرباعي الراعي للحوار الذي رسم بذكائه خطا أحمر أمام كل دعوات العنف. ولعل هذه الجائزة تخبر أولا بأن تونس تظل وفية لخط فكري وسياسي وحضاري قائم على الاعتدال والوسطية وتنبئ ثانيا بالعلاقة النوعية بين السياسي والمدني. فنوبل للسلام هذه السنة تعني التقاطع المبدع بين المجمتع المدني والمجمتع السياسي على تباين المقتضيات وهي تشير أيضا إلى وحدة المصير الإنساني في بعدها الفكري والثقافي والحضاري لما لها من بريق دولي. فالعالم الذي أصبح عبارةً عن بلدة متّحدة، تسكنه أمم في حاجة بعضها إلى بعض. وهي بالنظر إلى ما ينجرّ عن تجربتها الشخصية من عظيم الفوائد لذاتها رغم تناقض عناصرها الداخلية أحيانا مطلوب استلهام  تجربتها من كل الأمم للترسيخ والاستفادة، تلك الدول التي لم تسمح لها الفرصة بأن تستبدل لغة السلاح والموت بلغة العقل والحوار والأمل والقاسم المشترك.
 

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية