ممنوع التجوّل تحت طائلة تسطير مخالفة: هل محاضر الضبط قانونيّة؟


2020-03-20    |   

ممنوع التجوّل تحت طائلة تسطير مخالفة: هل محاضر الضبط قانونيّة؟

ما أن أعلن مجلس الوزراء حالة التعبئة العامة الأحد الماضي والتي تمتد حتى 29 آذار، حتى بدأت قوى الأمن الداخلي بتسطير محاضر ضبط لأشخاص يتجوّلون في الشوارع.

نصوص محاضر الضبط التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي لا تحدّد قيمة الغرامة ولكنّها توضح مكان المخالفة (مكان التجوّل) وبعض المعلومات عن المخالف (المواليد/مكان الإقامة/ المهنة / الوضع العائلي/الجنسية..) فضلاً عن المخالفة التي لا تبدو نفسها في جميع المحاضر التي اطّلعنا عليها.

فالسبب الوارد في أحد المحاضر هو مخالفة ” لقرار مجلس الوزراء إعلان التعبئة العامة بسبب كورونا”، فيما يذكر محضر آخر السبب على أنّه “مخالفة أنظمة إدارية تقضي بعدم التجوّل دون أسباب طارئة”، الأمر الذي دفع البعض إلى السؤال عن قانونية هذا الإجراء.

يوضح مصدر أمني في حديث لـ”المفكرة القانونية” أنّ ما تقوم به عناصر قوى الأمن ينطلق ممّا يُسمّى بـ”القرار الإداري” الصادر عن مجلس الوزراء والمتعلّق بالتعبئة العامة، معطوفاً على المادة 770 من الفصل السابع من قانون العقوبات المتعلّق بمخالفة القانون الإداري.

ويوضح المصدر أنّ المادة 770 تنصّ صراحة على عقوبة الحبس حتى ثلاثة أشهر وغرامة من مئة ألف إلى ستمائة ألف ليرة أو إحدى هاتين العقوبتين لمن يخالف الأنظمة الإدارية أو البلدية الصادرة.

أما عن قيمة هذا المخالفة غير المحددة في متن الضبط، فيقول المصدر إنّ “الأمر يعود إلى القاضي في المحكمة المختصّة فهو يستنسب العقوبة انطلاقاً من قانون العقوبات وتحديداً من المادة 770 التي ذكرناها سابقاً، والمادة  606 المتعلقة بالأمراض الوبائية”.

ويشرح المصدر أنّ المادة 606 من الفصل الثالث من قانون العقوبات المتعلقة بالجرائم المضرّة بصحة الإنسان والحيوان تنصّ على معاقبة “من لا يراعي الأنظمة الخاصة لمكافحة الأوبئة”.

ويؤكد المصدر أنه وفور استئناف عمل المحاكم، يجب على المواطنين الذين سطّرت بحقهم محاضر ضبط التوجّه إلى القاضي مشيراً إلى أنّه يحقّ لهؤلاء أن يتقدموا باعتراض.

ويوضح المصدر أنّ عناصر قوى الأمن لا تسطّر المحاضر عشوائياً، “فليس من المنطقي تحرير مخالفة بحق من كان تجوّله لضرورة قصوى” على حد تعبيره، مشيراً إلى أنّ قوى الأمن تنذر المواطنين انطلاقاً من أنّ بقاءهم في المنزل في ظلّ تفشي فيروس “كورونا” هو أيضاً واجب وطني وإنساني تماماً كما واجب عناصر الأمن البقاء في الشارع لحفظ الوطن والمواطنين.

ويشكو بعض المواطنين أنّهم وقبل السّماع بتسطير محاضر ضبط للمتجوّلين لم يعلموا أنّ التجوّل ممنوع منعاً باتاً، على اعتبار أنّ ما أعلن عنه كان تعبئة عامة وليس حال طوارئ. وفي هذا الإطار تقول إحدى المواطنات التي سطّر بحقها محضر ضبط في منطقة “المنارة قرب عمود الجامعة”، كما ورد في متن المحضر، إنها لم تكن تعلم أنّ التجوّل على الكورنيش ممنوع بالكامل، فنزلت إلى الكورنيش لتمارس رياضة الركض صباحاً مع العلم أنها التزمت منزلها لأيام.

وتضيف المواطنة التي فضلت عدم ذكر اسمها أنّها لا تعترض على المخالفة فحماية المجتمع واجبة، لكنها تعترض على الطريقة التي عوملت بها والتي تنافي هدف منع التجوّل أي حماية المواطنين.

وتشرح أنها أثناء تواجدها على الكورنيش طلب منها عناصر من قوى الأمن بطاقتها الشخصية لتسطير محضر لها، ورفضوا أن تحضر هذه البطاقة من سيارتها التي كانت بالكاد تبعد 300 متر منها.

وتحدثت عن جلبة حصلت بين العناصر الأمنية، إذ طلب بعضهم السماح لها بإحضار البطاقة فيما أصرّ الأعلى رتبة على أخذها إلى مخفر حبيش وهو ما حصل.

ونُقلت هذه المواطنة مع مواطنة أخرى لا تحمل بطاقتها الشخصية أيضاً في سيارة واحدة إلى المخفر ومن ثمّ نقلت من المخفر في سيارة للشرطة إلى مكان سيارتها حيث أحضرت البطاقة وعادت بالسيارة التي أحضرتها إلى المخفر مجدداً لتستطير المحضر.

وأوضحت المواطنة أنّ ما تعترض عليه هو تعريض حياتها للخطر بهذه الطريقة موضحة أنها وبعد الانتهاء من تسطير المحضر، اضطرّت للعودة مشياً على الأقدام إلى سيارتها وتقول: “أحترم قرار منع التجوّل حفاظاً على حياتي وحياة الآخرين، ولكن ما حصل معي عرّض حياتي وحياة العناصر للخطر أكثر من تجوّلي. لا أعرف لمَ لم يُسطّر المحضر في مكان المخالفة كما العادة وكما حصل مع مواطنين آخرين، ولكان انتهى الأمر في مكانه لو سمحوا لي بجلب البطاقة من السيارة”.

ويعلّق المصدر الأمني على ما حصل مع السيدة بالقول إن “هذه الأمور قد تحصل” ولكن هذا لا ينفي الجهد الكبير الذي تقوم به عناصر قوى الأمن لحماية المجتمع مع التأكيد أن هذه العناصر تلقّت تعليمات واضحة بطريقة التعامل مع المواطنين والنابعة من قاعدة أساسية وهي أن الهدف حماية المواطنين، مشيراً إلى أنّ منع التجوّل أيضاً مطلب مجتمعي فالناس تطالب به لأنّ الوباء ينتشر بسرعة ويهدد الجميع.

وطلب المصدر من المواطنين “التعاون مع بعضهم البعض ومع القوى الأمنية التي تعرّض حياتها للخطر، والتزام المنازل حتى نتخطى الأزمة”.

وفي حديث مع المدير التنفيذي لـ”المفكرة القانونية” المحامي نزار صاغية، أبدى ملاحظتين:

الأولى، أنّ النص الوارد في مرسوم التعبئة العامة بهذا الشأن يتحدّث عن “التأكيد على وجوب إلتزام المواطنين البقاء في منازلهم وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى بما ذلك من تأثير سلبي يفضي إلى انتشار الوباء”. ويُفهم من هذه المادة أنها تهدف إلى حثّ المواطنين والتمنّي عليهم بعدم التجوّل إلّا في حالات الضرورة القصوى. وهذا ما نتبيّنه من العبارة المستخدمة: “وجوب إلتزام” والتي تؤشر إلى تكريس واجب هو في طبيعته أخلاقي ووطني من دون أن يكون له أي تبعة قانونية. وخير دليل على ذلك هو تضمين الفقرة مبرر هذا الواجب (تجنّب انتشار الوباء) على سبيل الحثّ والإقناع. ولو كان خلاف ذلك لاستخدم المرسوم عبارة “منع التجوّل” أو “حظر التجوّل” تماماً كما هي الحال في الفقرة اللاحقة لها من المرسوم والتي تناولت “منع التجمّعات في الأماكن العامة والخاصة على اختلافها”.

الملاحظة الثانية، أن المرسوم لم يتضمن أي تعريف لحالات “الضرورة القصوى” أو آليات تكريسها، مما يجعلها متروكة لتقدير استنسابي يتعارض جملة وتفصيلاً مع مبدأ اعتماد الدقة في صياغة الموانع القانونية التي قد يستتبعها عقوبات جزائية. إنطلاقاً من ذلك، فإنّ أيّ تطبيق زجري لهذه المادة يؤدي إلى مفاعيل غير مستحبّة أبرزها الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون.

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الصحة والتعليم ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *