ملف العدد 27 – هجرة السود، مرآة الدولة القاتمة


2023-11-02    |   

ملف العدد 27 – هجرة السود، مرآة الدولة القاتمة
رسم عثمان سلمي

قد تبدُو قضيّة المهاجرين للبعض، وسط زحام الانتهاكات الخطيرة والتراجعات الفادحة في الحقوق والحريّات وانهيار المكاسب الديمقراطيّة المحقّقة منذ الثورة، عرضيّة أو هامشيّة. إذ لم تُثِر صور جثث المهاجرين من جنوب الصحراء المُبعدين قسرًا إلى الصحراء في صيف 2023 ردود أفعال في حجم الكارثة، بما سهّل تواصل هذه الممارسات في حقّ العشرات من المهاجرين إلى بداية شهر أكتوبر على الأقلّ. وظلّ النقاش العامّ حول هذه القضيّة في جزء كبير منه محكومًا بمسلّمات عنصريّة، عن وعي أو من دونه، من قبيل اعتبار وجود المهاجرين في حدّ ذاته مشكلا وأزمة وتهديدًا أمنيّا وصحّيا.

باختيارنا تخصيص ملفّ العدد 27 من مجلّتنا لهذا الموضوع، نحن نهدف أوّلا إلى التأكيد على مركزيّة هذه القضيّة، ليس فقط بسبب خطورة السياسات الرسميّة التونسيّة، المتماهية مع المنطق الأوروبي لتجريم الهجرة، والتي تجرّد الضحايا من إنسانيّتهم، وخطورة عدم رؤيتنا لها وضعف اهتمامنا بها، وما عرّته من عنصريّة متغلغلة في دولتنا وفي جزء من مجتمعنا. ولكن أيضا لأنّ في تعامل الدولة مع المهاجرين سواء عبرها أو إليها، مرآة نرى من خلالها طبيعة هذه الدولة، وآليات السلطة الانضباطيّة والرقابيّة التي تستعملها ضدّ الفئات الأكثر هشاشة، واستراتيجياتها في إحكام السيطرة عبر سرديات العدوّ الداخلي والمؤامرة، ودورها ضمن نظام الهيمنة العالمي، بمعزل عن صخب الخطب الرنانة والشعارات الجوفاء.

إزاء منطق تجريم هجرة الأفارقة من جنوب الصحراء، نحن نتبنّى بوضوح منطلقا حقوقيّا وإنسانيّا، يرى الهجرة ظاهرة إنسانيّة بامتياز، ويعترف بحقّ مواطني ومواطنات الجنوب في التنقّل وفي أن يطمحُوا لتحسين ظروف عيشهم، ويعتبر سياسات الهجرة الأوروبية والسياسات المنسوخة عنها في دول الجنوب بما فيها تونس قاتلة ولاإنسانيّة. لذلك حرصْنا في هذا الملفّ على إعطاء الكلمة للمهاجرين وسماع أصواتهم وشهاداتهم وعدم احتكار الحديث عنهم. كما لم نتجاهل قضيّة التونسيين سود البشرة، الذين طالتْهم الاعتداءات العنصريّة طيلة الأشهر الأخيرة، والذين يعانون من تمييز متواصل وإرث عبوديّة لم يزل تماما من لغتنا اليوميّة ومصطلحاتنا ومن سياسة الألقاب، ولا من توزيع الثروة وامتلاك وسائل الإنتاج وفرص النفاذ إلى المهن والوظائف. وقد عدْنا إلى هذا الإرث الاسترقاقي عبر مساهمات باحثين وأكاديميين وناشطين عملوا في هذا المجال في تونس ومحيطها المغاربي. لقد سعينا في هذا الملفّ إلى أخذ مسافة من الأحداث ومن البروباغندا المنتشرة حولها، لنغوص أكثر في مختلف الأبعاد التي يطرحها الموضوع. وقد اخترنا الانطلاق مما حصل في صفاقس في صيف 2023 ولا يزال إلى الآن متواصلا، لفهم ملابساته وتطوّر الأحداث وصولا إلى المشاهد اللاإنسانيّة والوحشيّة. ثم حاولنا سبر أبعاد مختلفة للموضوع، من الزوايا القانونية والسياسيّة والحقوقيّة والاقتصاديّة والجيوسياسيّة والتاريخيّة والثقافيّة. فتوقّفنا مثلا عند العقل الأمني التونسي الذي لم تنجح الثورة في تفكيكه، وعند أدوار دول الشمال والمنظمات الدوليّة التي تسخّر في أحيانٍ كثيرة لخدمة أجندات هذه الدول، من دون أن ننسى الموروث الثقافي والاجتماعي الذي يُقصي مكوّنا أساسيّا من مجتمعنا وتاريخنا من التصوّر المهيمن للـ “تونسة”. لا يدّعي هذا الملفّ إلماما شاملا بالموضوع، ولكنّه يطمح فقط للمساهمة، في حدود إمكانيّاتنا، في وقفة تأمّل واعتراف وتحليل وتفكير، لعلّنا نستخلص بعض الدروس للمستقبل، في استحقاق مواجهة العنصريّة والظلم ونكران الحقوق والاستبداد، ومساءلة وهم “السيادة الوطنيّة” الرسمي.

للاطّلاع على ملف العدد 27 من مجلة المفكرة القانونية – تونس

للاطّلاع على العدد كاملا، إضغطوا هنا

انشر المقال



متوفر من خلال:

لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مقالات ، تونس ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، مجلة تونس ، الحق في الحياة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية