ملاحظات حول مشروع قانون العقوبات البديلة في المغرب


2023-06-19    |   

ملاحظات حول مشروع قانون العقوبات البديلة في المغرب

صادق المجلس الحكومي بالمغرب بتاريخ 08 يونيو 2023 على مشروع قانون العقوبات البديلة، الذي يأتي بعد سنوات من الانتظار نتيجة تعثّر مشروع مراجعة القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية، حيث تقرر استباق ورش التعديل  الشامل لهذين القانونين وإجراء تعديل جزئي لتقنين إدماج العقوبات البديلة.

المشروع الجديد جاء مغايرا للصيغة الأولى للمسودة، حيث شهد تقليص العرض التشريعي المقترح للعقوبات البديلة بحذف الغرامة اليومية، كما عمل على توسيع نطاق تطبيقها لتشمل جرائم جديدة من بينها جرائم الإتجار في المخدرات كمحاولة لتشجيع العلاج من الإدمان كبديل للعقوبات السجنيّة في هذه الجرائم، في الوقت الذي انتقلت فيه مهمة تتبع تنفيذ هذه العقوبات من وزارة العدل إلى إدارة السجون.

مشروع قانون جديد لحلّ أزمة اكتظاظ السجون

يأتي الإعلان عن مشروع قانون للعقوبات البديلة في إطار سياق عامّ يتّصف بتفاقم أزمة اكتظاظ السجون والتي بلغت مستويات قياسية نتيجة مخلفات فترة الطوارئ الصحية، وفي هذا السياق، كشف تقرير المندوبية السامية للسجون برسم سنة 2022-ماي 2023 أن الاعتقال الاحتياطي بلغ معدلات مرتفعة، كما أن نسبة الاكتظاظ داخل السجون بلغت 160 في المائة، وتم تسجيل تراجع في المساحة المخصصة لكل سجين ما بين 2021 و 2022، من 1.9 إلى 1.79 متر مربع.

في نفس السياق، سبق للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة أن كشف جانبا من مسبّبات أزمة اكتظاظ السجون بسبب مخلّفات التضخّم التشريعي الذي تعرفه المادة الجنائية، ووجود ميل لإعمال العقوبات السالبة للحرية، كما أرجع تقرير حديث للمجلس الوطني لحقوق الإنسان ارتفاع معدلات الاعتقال الاحتياطي إلى غياب معايير موحدة من طرف النيابة العامة في إصدار الأوامر بالاعتقال في بعض الجرائم غير الخطيرة، واستمرار تجريم بعض مظاهر الجنوح البسيط، بالإضافة إلى ضعف إعمال المراقبة القضائية المنصوص عليها في المادتين  160و 161من قانون المسطرة الجنائية، كبديل عن الاعتقال الاحتياطي، وعدم تفعيل الإفراج المقيد بشروط.

قانون جديد للعقوبات البديلة في ظلّ فلسفة عقابية  قديمة

عرّف المشروع العقوبات البديلة بأنّها العقوبات التي يُحكم بها بديلا للعقوبات السالبة للحريّة في الجنح التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها خمس سنوات حبسا نافذا، وتخول للمحكوم عليه تنفيذ بعض الالتزامات المفروضة عليه مقابل حريته وفق شروط محكمة. ويقترح المشروع في هذا الصدد ثلاث عقوبات بديلة تتمثل في: العمل لأجل المنفعة العامة؛ المراقبة الالكترونية؛ وتقييد بعض الحقوق وفرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية.

وقد حدد الفصل 3-35 من المشروع الجرائم المستثناة من تطبيق العقوبات البديلة في الجرائم التالية:

  • جرائم أمن الدولة؛
  • الاختلاس أو الغدر أو الرشوة أو استغلال النفوذ أو تبديد الأموال العمومية؛
  • غسل الأموال؛
  • الإتجار الدولي في المخدرات؛
  • الإتجار في المؤثرات العقلية؛
  • الإتجار في الأعضاء البشرية؛
  • الاستغلال الجنسي للقاصرين أو الأشخاص في وضعيّة إعاقة.

ونصت المادة 1-647 على أن تنفيذ العقوبات البديلة موكول إلى الإدارة المكلفة بالسجون، وأسندت المادة 3-647 مهمّة البتّ في المنازعات المتعلقة بالعقوبات البديلة لقاضي تطبيق العقوبة. ورغم أهمية هذه المستجدات، فإن اعمال العقوبة البديلة من دون مراجعة فلسفة التجريم والعقاب وإعادة النظر في التصنيف الثلاثي للجرائم، واستحضار باقي البدائل الواردة في القانون الجنائي والتي لم تعرف طريقها إلى التطبيق عوامل قد تحدّ من فعالية العقوبات البديلة في الحدّ من أزمة السجون، خاصة إذا تمّ تطبيقها كبديل للحالات التي تحكم فيها المحاكم بالعقوبات موقوفة التنفيذ، أي في الجنح البسيطة، لا في الجرائم التي دأبت فيها المحاكم على الحكم بعقوبات سالبة للحرية.

ملاحظات حول مشروع قانون العقوبات البديلة

تعتبر الصيغة الأخيرة من مشروع قانون العقوبات البديلة التي صادقت عليها الحكومة مؤخرا صيغة محيّنة بحيث تعرّضت لتعديلات مهمّة على ضوء الملاحظات التي قدّمت لوزارة العدل من طرف عدّة مؤسسات، ويلاحظ وجود تغييرات مسّت مشروع القانون الجديد شكلا وموضوعا. فمن حيث الشكل، يلاحظ أنّه قد تمّ التراجع عن فكرة إصدار قانون مستقلّ ينظم العقوبات البديلة، وهو ما كان سيسهم في ترسيخ ظاهرة التضخم التشريعي الذي تعرفه المادة الجنائية، وجاءت الصيغة الأخيرة في شكل تعديلات ستدمج في صلب القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية.

من حيث الموضوع، يلاحظ وجود تغييرات مهمة في الصيغة الأخيرة من المشروع، يمكن اجمالها فيما يلي:

  • على مستوى تعريف العقوبة البديلة، تم رفع مدة العقوبة السالبة للحرية التي يمكن للمحكمة أن تحولها إلى عقوبة بديلة من سنتين الى خمس سنوات، وهو ما سيسهم في توسيع نطاق إعمال العقوبات البديلة لتشمل جرائم ضبطية وتأديبية، علما بأنه كان بالإمكان توسيع نطاق إعمال هذه العقوبات لتشمل أيضا بعض الجنايات البسيطة، في انتظار المراجعة الشاملة للقانون الجنائي وتغيير أوصاف بعض الجرائم أو رفع التجريم عن بعض مظاهر الجنوح البسيط، خاصة ما يتعلق ببعض جرائم السرقات وإضرام النار وجرائم المحاولة؛
  • على مستوى العرض التشريعي للعقوبات البديلة، يلاحظ أن المشروع حذف الغرامات اليومية حيث كانت الصيغة الأولى من المسودة تتيح للمحكمة إمكانية الحكم بمبلغ مالي تحدده في إطار سلطتها التقديرية عن كل يوم من المدة المحكوم بها والتي لا يتجاوز منطوقها في المقرر القضائي سنتين، وتتوزع الغرامة اليومية ما بين 100 و 2000 درهما، حسب الإمكانيات المادية للمحكوم وخطورة الجريمة. وقد خلق هذا المقترح  ضجة واسعة حيث اعتبر كتقنين لشراء مدة العقوبات السجنية، وكأداة لتكريس الطبقية داخل المنظومة العقابية.
  • على مستوى الجرائم المستثناة، يلاحظ أن المشروع حذف من نطاق الجرائم المستثناة من تطبيق العقوبات البديلة جرائم الإتجار في المخدرات وتم الإبقاء على حظر تطبيق هذه البدائل فقط في جرائم الإتجار الدولي، وهو ما يفتح المجال على مصراعيه لامكانية تطبيق العلاج من الإدمان في بعض قضايا الاتجار البسيط بالمخدرات والمرتبطة بالإدمان على استهلاكها.
  • على مستوى شروط إعمال العقوبات البديلة، يلاحظ أن المشروع أغفل الإشارة إلى المركز القانوني للضحية من خلال عدم اشتراط جبر ضرره أو إصلاح الخطأ، وقد يسهم تغييب الضحية من  مسار تطبيق العقوبة البديلة إلى غياب إحساسه بالانتصاف.

من جهة أخرى، لا شكّ أن تنزيل العقوبات البديلة على أرض الواقع سيصادفه عدة تحديات، منها ما هو قانوني يرتبط بالأساس بضرورة المراجعة الشاملة للقانون الجنائي ومراجعة فلسفة التجريم والعقاب، بما يحقق التخفيف من آثار التضخم التشريعي في المادة الجنائية وذلك برفع التجريم عن بعض مظاهر الجنوح البسيط، فضلا عن مراجعة مقتضيات قانون المسطرة الجنائية بتوسيع صلاحيات قاضي تطبيق العقوبة، من دون إغفال التحديات اللوجيستية والمالية لأن لكل إصلاح تكلفة، تستوجب توفير الميزانية الكافية لتنزيله.

كما ينبغي أيضا ألا نغفل عن التحديات المرتبطة بالعوامل غير القانونية والتي تتعلق بالجانب الثقافي والقيمي والتمثلات المجتمعية لمفهوم العقاب، نتيجة الاستمرار في سيادة اعتقاد لدى أوساط اجتماعية واسعة بعدم فعالية العدالة الجنائية من دون اللجوء إلى الاعتقال، وهو ما يظهر من خلال عدة سلوكيات منها الاحتجاجات على قرار المتابعة في حالة سراح، واتهام العدالة بانحراف السلوك أو الانحياز أو القصور أو عدم الفعالية في حالة منح السراح.

بل ويلاحظ أن هذا الاعتقاد يسجل حتى عند صناع القرار التشريعي. ولا أدلّ على ذلك من كون اللجوء إلى اعمال العقوبات السجنية هو الجواب التشريعي لغالبية الظواهر المستجدة في المجتمع من قبيل الطوارئ الصحية، شغب الملاعب، والجرائم الإلكترونية، والغش في الامتحانات..

وأخيرا فإن الرهان على نجاعة تنزيل قانون العقوبات البديلة يستوجب تعزيز دور الفاعلين الحكوميين والمؤسساتيين في الجهود الهادفة إلى التحسيس بمقتضيات هذا النص ودوره في مكافحة الجريمة وإعادة تأهيل المحكوم عليهم وإدماجهم في بيئتهم مع ضرورة المشاركة الواسعة للفاعلين غير الحكوميين سواء تعلق الأمر  بمكونات المجتمع المدني أو بالقطاع الخاص. وفي هذا السياق، يؤكد المبدأ 18-1 من قواعد الأمم المتحدة الدنيا النموذجية للتدابير غير الاحتجازية. (قواعد طوكيو) على أهمية تشجيع الأجهزة الحكومية والقطاع الخاص وعامة الجمهور على مساندة تفعيل “العقوبات الصديقة للحرية” لأن تنزيل هذا الورش ينبغي أن يكون مسؤولية جماعية باعتباره مشروعا مجتمعيا بامتياز.

للاطلاع على مشروع قانون العقوبات البديلة كاملا

مواضيع ذات صلة

مشروع قانون العقوبات البديلة عن الاحتجاز: خطوة للأمام؟

الندوة الدوليّة حول السجون التونسيّة: أي حلول لاكتظاظ السجون؟ أي خطوات لدحر ثقافة الايقاف التخفظي؟ وكيف يتحول الطبيب الى رقيب على احترام حقوق السجين؟

محاضرة لمقارنة كيفية تنفيذ العقوبة في لبنان وفرنسا “اذا كانت الغاية من انزال العقوبة حماية المجتمع، فالمتهم جزء منه

الجزائر أول دولة عربية تستخدم السوار الإلكتروني: توسع العقوبة البديلة عن السجن

تطورات مرتقبة للنظام العقابي للأردن

ورشة قانون العقوبات التي لا تنتهي: التشريع بالمفرق

المجلس الاقتصادي الاجتماعي في المغرب: ندعو لإعادة النظر في تجريم الإدمان

محكمة القنيطرة المغربية: للمدمن العلاج بدلاً عن الملاحقة

مدونون بالمغرب يطلقون حملة: “القانون الجنائي لن يمر

جدل بخُصوص تأخر مصادقة البرلمان على تعديلات القانون الجنائي في المغرب

قريباً في المغرب.. القيد الإلكتروني بديلا عن الاعتقال الاحتياطي

انشر المقال



متوفر من خلال:

مقالات ، المغرب ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، إقتراح قانون



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية