ملاحظات حول قانون محكمة المحاسبات الجديد: المستجدّات القانونيّة والرّهانات المستقبليّة


2021-01-07    |   

ملاحظات حول قانون محكمة المحاسبات الجديد: المستجدّات القانونيّة والرّهانات المستقبليّة
رسم عثمان سلمي

في رؤية متجدّدة، رسم دستور الجمهوريّة الثانية سلطة قضائيّة متعدّدة المكوّنات ثلاثيّة الأبعاد بالأساس، قوامها ثلاثة أجهزة مستقلّة بذاتها القضاء العدلي والقضاء الإداري والقضاء المالي مكرّسا التّباعد البيّن بينهم والذي أثبتته الممارسة العمليّة خلال الفترة المنقضية، تباعد هيكليّ ووظيفيّ استوجب هيكلة جديدة للقضاء تقرّ خاصّة بوجود جهاز للقضاء الماليّ مستقلّ يختصّ بالرّقابة على المال العامّ وتندرج هذه الرّقابة ضمن جدليّة الحكم والشّرعيّة باعتبار أنّ صاحب السّلطة الذي يتولّى صرف أموال المجموعة يجب أن يخضع لعين رقيبة قصد التأكّد من سلامة وحسن تصرّفه.

وعلى هذا الأساس، وتنزيلا للأحكام الدّستوريّة، تمّ إصدار القانـون الأساسي عدد 41 لسنة 2019 المؤرخ في 30 أفريل 2019 المتعلق بمحكمة المحاسبات والذي يضبط عملا بفصله الأوّل “اختصاصات محكمة المحاسبات وتنظيمها والإجراءات المتّبعة لديها”، قانون أساسي طال انتظاره قصد تغيير الموجود نحو منشود يقتفي أثار “مبادئ الشرعية والنجاعة والشفافية والمساءلة والنزاهة”[1]، قانون أساسي يستوجب التمعّن في معاني أحكامه وإرادة واضعيه، ويستوقف مختلف المهتمّين بالمال العامّ[2] لقراءته قصد التأمّل في هذا الميلاد الجديد للبحث في الملامح الّتي تمّ رسمها ويدعونا إلى ضرورة تناول مستجدّاته بالتّحليل وهي الّتي التحفت بأنامل القانون لرفع الرّهانات المستقبليّة.

  • جديد القانون الأساسي؟

اللافت للإنتباه هو تولّي المشرّع إدخال العديد من التغييرات الشكليّة والجوهريّة على هذا الإطار القانوني بالمقارنة مع القانون السّابق رقم 8/1968.

وتستجيب هذه التغييرات بالأساس إلى إرادة تدعيم الصلاحيّات القضائية للمحكمة، فضلاً عن تعزيز حوكمة هذه المؤسّسة والتي نجد أثراً لها في العديد من المواضع، أهمّها إسناد الإستقلاليّة الماليّة والإداريّة للمحكمة وإسناد رئيسها الأوّل سلطة ترتيبيّة خاصّة في مجال تحديد عدد الدّوائر، وإقرار انتخاب الرئيس الأوّل للمحكمة من ضمن قضاتها.

  • مستجدّات قضائيّة متعدّدة: تدعيم الصّلاحيّات القضائيّة لمحكمة المحاسبات بالقانون الأساسي عدد 41 لسنة 2019

أوّل ما يتبادر للعيان هو تكريس التسمية الجديدة للفاعل الأساسي للقضاء المالي تطبيقا للأحكام الدّستوريّة من خلال اعتماد عبارة محكمة المحاسبات بدلا عن دائرة المحاسبات. وفي هذا الإطار، وجب التّوضيح أنّ التمشّي المعتمد يتطلّع إلى توسيع وترسيخ الصلاحيّات القضائيّة لهذه المؤسّسة وليس إسنادها هذه الصّفة، باعتبارها كانت منذ القانون عدد 8 لسنة 1968 المذكور أعلاه تبتّ قضائيّا في حسابات المحاسبين العمومييّن وذلك إلى جانب اضطلاعها بالأعمال الرّقابيّة على التصرّف العمومي. ويستشفّ من ذلك أنّ وجود مجال قضائي محدود، والّذي أدّى وفق بعض الفقهاء إلى حدّ تناسي أنّ دائرة المحاسبات تمثّل قضاء[3]، هو الّذي برّر استعمال المشرّع التّونسي لمصطلح الدّائرة.

فبالنّظر إلى الظرفيّة الزمنيّة التي احتضنتْ ميلاد دائرة المحاسبات على إثر فشل سياسة التعاضد وحلّت محلّها الفلسفة الليبيراليّة التي سادت في بداية السّبعينات في البلاد التّونسيّة أصبحت إرادة التحكّم والتّقليص في حجم الماليّة العموميّة ضرورة ميّزت هذه الحقبة التّاريخيّة واستوجبت محدوديّة نطاق رقابة دائرة المحاسبات.

وقد ترتّب عن تدخّل المشرّع في عديد المحطّات لإسناد كتل اختصاص قضائيّة لدائرة المحاسبات خلال الفترة اللاحقة ضرورة إعادة النّظر في تسميتها. وتشمل المشمولات المسندة أساسا عديد المجالات على غرار تحقيق قضاتها في قضايا الزّجر المالي ورئاسة دائرة الزّجر المالي والمشاركة في تركيبة الهيئة الحكميّة ذات الصّلة عملا بالقانون عدد 74 لسنة 1985[4] بالإضافة إلى النّزاعات المتعلّقة بتمويل الحملات الإنتخابيّة وفقا للقانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014[5]، هذا إلى جانب النّزاع المحلّي المسند إلى مختلف الهيئات القضائيّة لمحكمة المحاسبات المختصّة ترابيّا طبقا للقانون الأساسي عدد 29 لسنة 2018[6].

وفي ذات السّياق المتعلّق بتعزيز الصّلاحيّات القضائيّة لمحكمة المحاسبات، من المهمّ الإشارة إلى الإختصاصات القضائية الجديدة المُسندة للرئيس الأوّل لمحكمة المحاسبات وذلك يبرز في العديد من المحطّات. فإلى جانب الدّور التّقليدي الموكول له في عضويّة ورئاسة الهيئة التّعقيبيّة مثلما نصّ عليها الفصل 32 من القانون الأساسي سالف الذّكر أوكل الفصلان 80 و94 من القانون الأساسي للرّئيس الأوّل إمكانيّة توقيف التّنفيذ وذلك على التّوالي بالنّسبة للقرارات الصّادرة عن السّلطة الإداريّة عند الطّعن فيها بالمراجعة من قبل المحاسبين والممثّلين القانونيّين للمؤسّسات العموميّة والجماعات المحليّة وكذلك بخصوص مطالب مراجعة الأحكام الباتّة لمحكمة المحاسبات في حسابات المحاسبين العموميّين. كما أسند الفصل 120 من القانون الأساسي للرئيس الأوّل اختصاص البتّ في الاعتراض على قرار الحفظ الصّادر عن النّيابة العموميّة في مادة زجر أخطاء التصرف.

من ناحية أخرى وفي مجال القضاء في حسابات المحاسبين العموميّين، وفضلا عن المستجدّات المتعلقة باختصار الآجال من خلال إلغاء مرحلة المقرّر الثّاني المعتمدة في التّحقيق وثنائيّة الحكم الّتي سبق اعتمادها (قرار وقتي وقرار نهائي)، يتبيّن من خلال التمعّن في الفصلين 44 و45 من القانون الأساسي[7] أنّ هنالك تغييراً على مستوى مسؤوليّة المحاسبين العموميّين والتوجّه من مسؤوليّة موضوعيّة بمقتضى الإطار القانوني السّابق إلى إقرار نظام مسؤوليّة مبنيّ على الخطأ وهو ما يؤسس لمقاربة جديدة عند النّظر في هذه الحسابات.

هذا ومن الضروريّ التّأكيد في نفس الإطار على المقاربة التّشريعيّة الهامّة بالقانون الأساسي الجديد في تكريس مبدأ الفصل بين سلطة التتبّع وسلطة التّحقيق. إلاّ أنّها تعلّقت بالأساس بمادّة تسليط الخطايا فقد خوّل القانون الأساسي إثارة مسؤوليّة المحاسب إلى النّيابة العموميّة لدى القضاء المالي وأوكل أعمال التّحقيق في شأنها إلى القاضي المقرّر[8]. وعليه، فهو يحدث ديناميّة جديدة تتعهّد بموجبها النّيابة العموميّة بدور أساسي فيما يتعلّق بإثارة الدّعوى وذلك بالمقارنة مع مادّة القضاء في الحسابات التي تتميّز بطابعها الموضوعي باعتبار خاصّة الصّبغة التّلقائيّة الطّاغية على سيرورة هذه الرّقابة القضائيّة وغياب لدور فعّال للأطراف والنيابة العموميّة خلالها.

  • زجر أخطاء التصرّف

في إطار التّأصيل القضائي لمحكمة المحاسبات تولّى المشرّع بمناسبة تنزيل الأحكام الدّستوريّة إدراج زجر أخطاء التصرّف ضمن المهامّ القضائيّة المتعهّد بها من قبل المحكمة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ المشرّع تولّى في سنة 2019 استيعاب التطلّعات الدّستوريّة المتعلّقة بإرادة مواصلة تكريس الطّابع الزّجري لنظام المسؤوليّة الخاصّ بالمتصرّف العمومي[9] وذلك من خلال إقراره بالفصل 114 بأنّه “يُعاقب كلّ شخص ثبتت مسؤوليته في ارتكاب خطأ تصرف على معنى الفصل 113 من هذا القانون بخطية يتراوح مقدارها بين الجزء الثاني عشر وكامل المرتب الخام السنوي الذي يمنح للمعني بالأمر في تاريخ ارتكاب الخطأ دون اعتبار المنح العائلية وذلك بصرف النظر عن العقوبات التأديبية”.

من جهة أخرى، من المهمّ التّأكيد على التوسّع الذي اعتمده المشرّع في هذا القانون الأساسي في مرجع النّظر الحكمي للدائرة المختصّة بزجر أخطاء التصرّف لتشمل أخطاء التصرّف المرتكبة من قبل رؤساء وأعوان الهيئات الدّستوريّة المستقلّة وغيرها من الهيئات العموميّة المستقلّة والهيئات التّعديليّة.

وفي نفس هذا التوجّه التوسّعي الذي يعزّز تموقع محكمة المحاسبات كمحرّك أساسيّ للمساءلة القضائيّة في مجال التصرّف العموميّ، ألغى الفصل 111 استثناء الأشخاص المباشرين لمسؤوليّات سياسيّة من وزراء ورئيس مجلس النواب ورؤساء البلديّات[10] آمري صرف نفقات البلديّات من مجال اختصاص دائرة الزّجر المالي سابقا. ومن شأن إلغاء العمل بهذا الاستثناء أن يرفع “الحصانة” التي كان يتمتّع بها بعض المسؤولين عن تصرّفهم وقراراتهم في المجال الإداري والمالي من دون موجب.

وفي إطار الإضافات التي نوّه بها شرح الأسباب المُصاحب لمشروع القانون الأساسي المتعلّق بمحكمة المحاسبات “تكريس مقومات المحاكمة العادلة في مجال زجر أخطاء التصرف (الفصول من 118 إلى 145) ومنها الجهات المؤهلة لرفع الدعوى وشروطها وإجراءات التحقيق وتركيبة الهيئة الحكمية وإجراءات الحكم وضمان حقوق الدفاع وإصدار الأحكام مع إمكانية استئناف والطعن بالتعقيب والمراجع”[11].

ومن أهمّ هذه المستجدّات كذلك الصّلاحيّات الهامّة والواسعة المسندة للنيابة العموميّة لدى القضاء المالي في مادّة زجر أخطاء التصرّف، والّتي تجد كنهها حسب تقديرنا في إرادة تطوير هذا الهيكل لجعله نواة صلبة في الحفاظ على المال العامّ والدفاع عنه وصيانته والجهة التي يعهد إليها مهمة تمثيل الحق العام المالي أمام محكمة المحاسبات.

والحديث عن الحقّ العامّ المالي مفاده الحقّ المرتبط بمبدأ سيادة الدّولة. فلا ريب أنّ المشرّع رسم محكمة المحاسبات سنة 2019 فحسم دورها كقضاء يذود عن النّظام العامّ الماليّ[12]. وتجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أنّ مادّة زجر أخطاء التصرّف ولئن لم تكن ذات صبغة جزائيّة بمعنى القضاء العدلي، فهي كما أبرزنا آنفا تتّصف بطابع زجريّ باعتبار أنّ الإدانة بعنوانها تؤدّي إلى تطبيق عقوبة زجريّة تتمثّل في الخطيّة الماليّة. ويفضي هذا التمشّي إلى اعتبار الدّعوى بعنوان أخطاء التصرّف دعوى عموميّة.

وبناء على ما تقدّم، يمكن اعتبار النيابة العموميّة في القضاء المالي الجّهة التي تنوب المجتمع وتقوم بتمثيله وتبرز إرادة مركزة النّيابة العموميّة في دعوى زجر أخطاء التصرّف جليّا من خلال منحها عدّة صلاحيّات منها إمكانيّة رفع الدّعوى بصفة تلقائيّة عملا بمنطوق الفصل 117 من القانون الأساسي المذكور وذلك بالرّغم من أنّها لا تنفرد بصلاحيّة رفع الدّعوى[13]، فدورها أساسيّ على مستوى انطلاق الأبحاث وكذلك على مستوى سير القضيّة باعتبار أنّ المشرّع أسند لها صلاحيّة حفظ القضيّة علما أنّ هذه الإمكانيّة تُمارس بناء على قرار معلّل وفقا لأحكام الفصل 120 من ذات القانون الأساسي.

وتبعا لذلك، فإنّ عمليّة رفع الدّعوى تلقائيّا، أي اتّخاذ قرار بافتتاح بحث في الغرض، تتأسّس على إرادة تخصيص هيكل قضائي للسّهر على النّظام العامّ الماليّ وتحريك الدعوى العموميّة بعنوان زجر أخطاء التصرّف كلّما رأت ضرورة لذلك بمعنى أنّ جهاز النيابة العموميّة لدى محكمة المحاسبات من مهامّه معاينة كافّة التّجاوزات الّتي من شأنها أن تشكّل أخطاء تصرّف[14] على معنى القانون الأساسي عدد 41 لسنة 2019 وتكييفها على هذا الأساس ومتابعة سيرها أمام الدّوائر المختصّة للمحكمة حتى يصدر فيها حكم نهائي وبات.

إنّ التّغييرات العميقة المكرّسة من قبل المشرّع في مادّة زجر أخطاء التصرّف تتعلّق كذلك بأعمال التّحقيق المنجزة من قبل القاضي المالي. ففي نطاق نظرة متجدّدة لمهام القاضي المكلّف بالتّحقيق أقرّ الفصل 122[15] سلطة واسعة له في هذا الشّأن، ذلك أنه نصّ على نظام إجرائيّ هامّ، يعكس ويتوافق مع أهميّة هذه المادّة، ويمكّنه من إطلاق يده في مجال البحث والإستقصاء إلى حدّ تطعيمها بخاصيّات التّحقيق في المادّة الجزائيّة حيث يمكن للقاضي المقرر، وفق توصيف النصّ، القيام بجميع الأبحاث والتحقيقات لدى كل الجهات العمومية أو الخاصة ذات العلاقة بالقضية وأن يطلب من كل شخص مادي أو معنوي مدّه بجميع الوثائق اللازمة للتحقيقات. وله أن يستمع للشهود بعد استدعائهم وتأديتهم لليمين وفقا للصيغ والشروط المنصوص عليها بمجلة الإجراءات الجزائية.

إنّ التّأكيد على هذه التطوّرات الّتي عرفها التّشريع الجديد للقضاء المالي يطرح تساؤلات عديدة حول كيفيّة تطبيقها على أرض الواقع ويمثّل الرّهانات المنتظر رفعها من قبل القضاء المالي.

  • الثغرات والرهانات المستقبليّة

بالرّغم من أنّ الإطار التشريعي الجديد حمل في طيّاته مستجدّات عدّة إلاّ أنّه ظلّ قاصراً على مواكبة النّفس الثّوري المضمّن بدستور الجمهوريّة الثّانية للبلاد التّونسيّة في جعل القضاء المالي يتبوّأ مكانة محوريّة في مجال المحافظة على المال العامّ.

فلئن تطوّر مسار هذا النصّ إلاّ أنّه حمل في طيّاته عديد الثغرات (2) فضلا على أنّه لم يواكب المتغيّرات الّتي عرفتها وظيفة محكمة المحاسبات (1).

  • إطار تشريعي لا يستوعب التغييرات الحاصلة أو المستقبلية

يطرح الإطار التشريعي الجديد إشكاليّات عديدة تتعلّق أساسا بمدى قدرته على “استيعاب التطوّر المتسارع للأحداث”[16] والّذي يفرض على القضاء المالي أن يكون، باعتبار المهام المسندة له في مجال المحافظة على المال العامّ، مكوّنا فاعلا في المجهود الوطني لمكافحة الفساد.

فبقراءة القانون الأساسي الجديد، لا نجد أيّ إشارة إلى هذا المعطى بصفة صريحة ممّا يفيد أنّ المشرّع تمسّك بالمنهج التّقليديّ والعملي عند تقديمه للقضاء المالي (التقديم العامّ، المشمولات، التّنظيم) متجاهلا التطوّرات المطّردة التي تعرفها السّاحة الوطنيّة والدّولية، من خلال المعايير المعتمدة[17] والّتي تجعل محكمة المحاسبات باعتبارها الجهاز الأعلى للرقابة قاطرة في مجال مكافحة الفساد، ولم يمكّن بالتّالي محكمة المحاسبات من التموقع الاستراتيجي في هذا الباب.

وفي نفس الإتّجاه، لم يمكّن هذا القانون الأساسي القضاء المالي من القيام بدور فعّال في مجال التصدّي للمال السّياسي الفاسد حيث اقتصرت رقابة محكمة المحاسبات في هذا المجال على الأحزاب التي لا تتجاوز مساهمة الدّولة في ميزانيّتها 50% وهو ما يفيد إمكانيّة الإفلات من الرّقابة لكلّ من يتحصّل على أموال مشبوهة ويريد عدم الخضوع للرّقابة من خلال عدم إلتجائه إلى الحصول على دعم من الدّولة.

وفي سياق متّصل، تجدر الإشارة كذلك إلى أنّ المشرّع عجز عن مواكبة التصورات الجديدة للعمل سواء منه الرقابي أو القضائي حيث لم يتطرّق القانون الأساسي إلى بعض الأفكار الحديثة الّتي تهدف إلى الإرتقاء بالقضاء المالي على غرار فكرة “التقرير المواطني” والذي سبق لمحكمة المحاسبات اعتماده منذ سنة 2019 أو إمكانيّة المحاكمة عن بعد.

من جهة أخرى، لم يستوعب القانون الأساسي عدد 41 لسنة 2019 المشار إليه أعلاه مختلف المشمولات الراجعة بالنّظر إلى المحكمة والتي تمّ إسنادها بمقتضى نصوص خاصّة على غرار القانون الأساسي للإنتخابات والإستفتاء ومجلّة الجماعات المحليّة.

فالصّياغة المعتمدة على مستوى هذا النصّ الجديد الذي أريد به وضع إطار عامّ للقضاء المالي تجاهلت جملة من المشمولات القضائيّة التي أصبحت اليوم هامّة بل أساسيّة بالنّسبة لمحكمة المحاسبات، علما أنّ المعيار المعتمد في هذا الإطار لتحديد نسبة الأهميّة هو عنصر الوقت باعتبار خاصّة الحيّز الزمني الهامّ المخصّص للتّحقيق والبتّ في النّزاعات المتعلّقة بتمويل الحملات الإنتخابيّة من قبل القضاة الماليّين.

وعليه يكون التساؤل حول هذا النّسيان مشروعا: هل وقع المُشرّع في غفلة نسيان تحدّ هامّ قوامه وضع إطار قانونيّ جامع يستجيب لمقوّمات صياغة النّصوص القانونيّة، إمّا بجرد مختلف الصّلاحيات المسندة لمحكمة المحاسبات بمختلف تشكيلاتها وإما التنصيص على إمكانيّة إسناد كتل اختصاص لفائدة القضاء المالي بمقتضى قوانين خاصّة، وهو الخيار الأنسب حسب رأينا باعتباره يجنّب التّنقيحات المفترض من خلال استيعاب الفرضيّات المستقبليّة المحتملة.

هل أراد المشرّع تغيير الرّؤى واستبعاد القضاء المالي من الرّقابة التي يمكن أن تثقل كاهله وتبعده عن مهامه التّقليديّة، رقابة الحسابات والتصرّف والقضاء في حسابات المحاسبين العموميّين، خاصّة في وجود أصوات تعالت نحو هذا الإتّجاه، وبالنّظر إلى أنّ نفس المشرّع، المنزّه عن العبث، اعتمد مقاربة مغايرة بالنّسبة للمهامّ الرّقابيّة للقضاء المالي، حيث لم يغفل عن ذكر المهامّ الرّقابيّة الجديدة الّتي أسندتها إليها القانون الأساسي للميزانيّة[18]؟

هل أراد المشرّع إلغاء هذه المشمولات المسندة للمحكمة بنصوص خاصّة باعتبار أنّ المهامّ المذكورة بالفصول ذات الصّلة[19] بالقانون الأساسي لم ترد على سبيل الذّكر بل على سبيل التعداد الحصري ولم تتضمّن أيّ عبارة[20] يمكن تأويلها خلاف ذلك، وبالنّظر إلى أنّ الفصل 165 منه نصّ على إلغاء جميع الأحكام المخالفة له؟

بغضّ النّظر عن الإجابة، وبعيدا عن الجدليّة المتعلّقة بتنازع القوانين في الزّمان ومدى قدرة القوانين العامّة على إلغاء الأحكام المخالفة لها بالقوانين الخاصّة، فإنّ المشرّع فوّت، على نفسه وعلى القضاء الماليّ، فرصة الوضوح والحسم.

  • إطار تشريعي ينطوي على فجوات

إنّ الأحكام الّتي وضعها المشرّع بفصول القانون الأساسي تجد نفسها اليوم وفي قادم الأيام أمام إشكاليّات عدّة، كيف لا؟ ومجرّد تطبيقها على أرض الواقع تعتريه العديد من الثّغرات لا سيّما في مجال الإجراءات.

بادئ ذي بدء، يطرح القانون الأساسيّ عدد 41 لسنة 2019 إشكاليّة دستوريّة تتمثّل في كونه لم يحترم قاعدة الفصل 65 من الدّستور والّتي تقتضي أن تتّخذ شكل قوانين عاديّة النصوص المتعلّقة بالإجراءات أمام مختلف أصناف المحاكم، وأن تتّخذ شكل قوانين أساسية النصوص المتعلقة بتنظيم العدالة والقضاء، علما أنّه تمّ تفسير هذه المقاربة اللادستوريّة  ب “مستلزمات وضوح النصّ وتضمين كامل الأحكام المتعلّقة بمحكمة المحاسبات في نصّ قانونيّ موحّد… مع العلم أنّ المجلس الدّستوريّ الفرنسيّ عند تضمّن قانون أساسيّ لأحكام من غير هذه المادّة يمتنع عن اعتبارها غير مطابقة للدّستور ممّا يسمح بإمكانيّة تعديلها بقوانين عاديّة”.

وعلى فرض تجاوز هذه الإشكاليّة وتركها لأنظار المختصّين، نتساءل عن سبب تعنّت المشرّع في إقحام مسألة الإجراءات على هذا النصّ في حين أنّه لم يقدّم تصوّرا مكتملا لهذا الجانب باعتبار أنّه لم يتمّ التعرّض إلى عديد النقاط الإجرائيّة نذكر منها على سبيل المثال حالة غياب القاضي المتعهّد بالتحقيق، حالات السّحب والتخلّي عن القضيّة وكيفيّة القيام بها، كيفيّة تسجيل القضايا من قبل النيابة العموميّة، كيفيّة قيامها بإجراءات التعهّد التلقائي.

وتبعا لذلك وجب حسب رأينا تخصيص مجلّة للإجراءات أمام القضاء المالي تفصّل كامل الإجراءات المتّبعة خاصّة في الطّور القضائي وعند مختلف المتدخّلين من الرّئيس الأول ورئيس الدّائرة المختصّة وقاضي التحقيق ووكيل الدّولة العامّ ووكيل الدّولة المختصّ ووكيل الدّولة المساعد وكتابة الدّائرة المختصّة وكتابة النيابة العموميّة ومكتب الضّبط المركزي للمحكمة.

من جهة أخرى، يفترض وجود جهاز للنيابة العموميّة يضطلع بمشمولات هامّة تمكّنه من الصلاحيّات الّتي تكفل تحقيقه لهذه المهامّ على غرار إعطائه صلاحيّات الضابطة العدلية (إمكانية حجز الوثائق، عدم قابليّة الطعن في وثائقها إلاّ بالزور، إمكانية استعمالها القوة العامة..) وتمكينه من الوسائل البشريّة واللوجستيّة لقيامه بفتح الأبحاث، الأوّليّة على الأقلّ وتقدير مدى ملاءمة التتبع من عدمه (باعتبار إمكانيّة حفظ الملفّ..).

 

* قاضية بمحكمة المحاسبات

نشر هذا المقال  بالعدد 20 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قضاء تونس في زمن الياسمين

[1]  ينصّ الفصل 2 من القانون الأساسي عدد 41 لسنة 2019 المشار إليه أعلاه على “تُكوّن محكمة المحاسبات بمختلف هيئاتها القضاء المالي، وهي الهيئة العليا للرقابة على التصرّف في المال العام.وتمارس مهامها وفقا لمبادئ الشرعية والنجاعة والشفافية والمساءلة والنزاهة.”

[2]  باعتبار أنّ محكمة المحاسبات تختصّ وفقا للفصل 117 من الدّستور بمراقبة حسن التصرّف في المال العام.

[3]  « On oublie parfois que la cour des comptes est une juidiction », Brahim Bertégi, la cour des comptes tunisienne, débitrice de transparence, Revue marocaine d’audit et de développement n° 37, 2014, p154.

[4] المؤرخ في 20 جويلية 1985 والمتعلق بتحديد أخطاء التصرف التي ترتكب إزاء الدولة والمؤسسات العمومية الإدارية والجماعات العمومية المحلية والمشاريع العمومية وضبط العقوبات المنطبقة عليها وبإحداث دائرة الزجر المالي مثلما تم تنقيحه بالنصوص اللاحقة.

[5]  المؤرّخ في 26 ماي 2014 المتعلّق بالانتخابات والاستفتاء كما تمّ تنقيحه لاحقا.

[6] المؤرّخ في 9 ماي 2018 المتعلّق بمجلّة الجماعات المحليّة.

[7]  الفصل 44 ـ يمكن لمحكمة المحاسبات أن تقضي بعدم تعمير ذمة المحاسب العمومي إذا ما تبيّن لها أنّ الإخلال المنسوب إليه لم يتسبب في حصول ضرر مالي للدولة أو المؤسّسة العموميةأو الجماعة المحلية. بيد أنّه يمكن للمحكمة في تلك الحالة أن تحمّله مبلغا لا يتجاوز مقدارا يتمّ ضبطه بأمر حكومي.
الفصل 45 ـ في صورة ما إذا تسبّب الخطأ المرتكب من المحاسب في ضرر مالي للدّولة أو المؤسسة العمومية أو الجماعة المحلية فإنّ محكمة المحاسبات تقضي بتعمير ذمّة المحاسب في حدود الضرر الحاصل.

[8]  نهاد معلول، مراد قسومة، سلطة التتبّع في ظلّ أحكام الفصل 24 من القانون الأساسي الجديد لمحكمة المحاسبات، مجلّة الأخبار القانونيّة عدد 298/299 ماي 2020

[9]  هادية بن عزّون، دسترة نظام زجر أخطاء التصرّف، مجلّة الأخبار القانونيّة عدد 284/285، جويلية-سبتمبر 2019، صفحة 26.

[10]  باستثثاء غير المنتخبين الّذين يقع تعيينهم بأمر.

[11]  بيان في شرح أسباب حول مشروع قانون أساسي يتعلق بضبط اختصاصات محكمة المحاسبات وتنظيمه والإجراءات المتّبعة لديها، ص6، موقع محكمة المحاسبات: www.courdescomptes.nat.tn

[12]  سبق وأن تمّ تداول هذا المفهوم في عديد المقالات نذكر منها l’ordre public financier, Stéphanie Flizot, revue de droit public n°6, du 1/11/2017 .

[13] يخوّل رفع الدعوى بعنوان زجر أخطاء التصرّف لدى محكمة المحاسبات وفق الفصل 117 من القانون الأساسي عدد 41 لسنة 2019 إلى
رئيس الجمهورية.ورئيس أو أحد أعضاء مجلس نواب الشعب ورئيس الحكومة.والوزير المكلف بالمالية.والوزراء بالنسبة إلى الوقائع المثارة ضدّ الأعوان الموضوعين تحت سلطتهم أو التابعين للهياكل الخاضعة لإشرافهم. ورؤساء مجالس الجماعات المحلية.ورؤساء الهيئات الدستورية المستقلّة.و رؤساء الهيئات التعديلية.

[14]  ينصّ الفصل 113 من القانون الأساسي عدد 41 لسنة 2019 على أنّه “تعتبر أخطاء تصرف على معنى هذا القانون :
– كل عمل تصرف يترتب عنه عدم تصفية أو تحصيل المقابيض والمبالغ المستحقة أو عدم إيداعها بالخزينة لفائدة الهياكل المنصوص عليها بالفصل السابع من هذا القانون.
– كل عمل تصرف لا يستجيب لشروط الرقابة الخاضع لها طبقا للقوانين والتراتيب الجاري بها العمل.
– كل عمل تصرف يقوم به شخص لم يسند له تفويض قانوني في الغرض ترتبت عنه التزامات مالية بذمة هيكل من الهياكل المذكورة بالفصل السابع من هذا القانون.
– إسناد تسبقات في غير الصور المنصوص عليها صراحة بالقانون.
– مخالفة الأحكام القانونية والترتيبية المتعلقة بالانتداب وبالتصرف في الأعوان بالهياكل المنصوص عليها بالفصل 111 من هذا القانون.
– مخـالفة النصوص القانونية والترتيبية المتعلقة بالصفقات العمومية واللزمات وغيرها من العقود التي تبرمها الهياكل المنصوص عليها بالفصل 111 من هذا القانون.
– مخالفة قواعد التصرف في الممتلكات العمومية.
وفضلا عن الحالات المذكورة آنفا يعتبر خطأ تصرف كل عمل يترتب عنه خرق للقوانين والتراتيب والقواعد والإجراءات المنطبقة على التصرف في الهياكل المذكورة بالفصل 111 من هذا القانون ويؤدي إلى حصول ضرر مالي لهذه الهياكل أو يترتب عنه إسناد أفضلية أو امتيازات عينية لغير مستحقيها.”

[15]  ينصّ الفصل 122 على أنّ “التحقيق سري وللقاضي المقرر القيام بجميع الأبحاث والتحقيقات لدى كل الجهات العمومية أو الخاصة ذات العلاقة بالقضية وأن يطلب من كل شخص مادي أو معنوي مدّه بجميع الوثائق اللازمة للتحقيقات. وله أن يستمع للشهود بعد استدعائهم وتأديتهم لليمين وفقا للصيغ والشروط المنصوص عليها بمجلة الإجراءات الجزائية.”

[16]  أحمد الماجري، المقاربة التشاركية في المنظومة الرقابية ودورها في مكافحة الفساد، ليدرز العربيّة، 29 سيتمبر 2020

[17]  هي المعايير الصّادرة بالأساس عن المنظمة الدّولية للأجهزة العليا للرّقابة.

[18]  ينصّ الفصل 10 من القانون الأساسي عدد 41 لسنة 2019 على مشمولات محكمة المحاسبات المتعلّقة بإبداء رأيها بخصوص القوائم المالية السنوية للدولة وفق الشروط المبينة بالقانون الأساسي للميزانية

[19]  من الفصل 8 إلى الفصل 19 من القانون الأساسي عدد 41 لسنة 2019

[20]  كأن يتمّ استعمال العبارات المتمثّلة في “خاصّة” أو “أساسا”…

[21]  باستثثاء غير المنتخبين الّذين يقع تعيينهم بأمر.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، تشريعات وقوانين ، تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، قضاء ، قطاع خاص ، مؤسسات عامة ، مجلة ، مجلة تونس ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *