مكسب حرية الصحافة والتعبير في الذكرى الخامسة للثورة التونسية :آليات وسبل لا بدّ من اعتمادها من أجل التطوير


2016-01-19    |   

مكسب حرية الصحافة والتعبير في الذكرى الخامسة للثورة التونسية :آليات وسبل لا بدّ من اعتمادها من أجل التطوير

يكاد يتفق جميع المتتبعين للشأن التونسي ولمسار الثورة في ذكراها الخامسة  أنّ أهم مكسب تحقق بفضلها وأصبح واقعا ملموسا هو حرية الرأي والتعبير، بما في ذلك حرية الصحافة والإعلام وبقية الحريات العامة والفردية.

وتبقى التساؤلات اليوم لدى فئات مهمة من الشعب التونسي: هو ما مدى دوام هذه الحرية؟ ونتساءل نحن كصحافيين عن مدى استمرار هامش الحرية المتوفر لدينا في ظل انتكاسات تشهدها قطاعات أخرى للمرور نحو دمقرطة وجودها بشكل فعلي ونهائي؟ إن من أهم الإنجازات التي حققها الصحافيون التونسيون بعد 14 -01- 2011 هي مراسم وتشريعات تنظم قطاعهم وتمنع الارتداد عن حرية الصحافة في السنوات القليلة القادمة على الأقل. ونتحدث هنا طبعاً عن المرسوم عدد 115 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر والتوزيع والمرسوم عدد 116 المتعلق بإحداث هيئة عليا مستقلة للإتصال السمعي والبصري. بلا شك، أحدث هذان المرسومان قفزة نوعيّة في تاريخ الإعلام التونسي بما أنهما يضمنان ممارسة حرة ومستقلة للإعلام. غير أن بعض الشوائب ما زالت تلتصق بالمرسومين من حيث الشكل والمضمون، وقد عبّر الكثير من الإعلاميين عن وجود عدة نقائص لابد من تلافيها في هذين القانونين من أجل تحقيق التوازن الفعلي داخل المشهد الاعلامي وضمان الحرية والاستقلالية بشكل فعلي وحقيقي.

وسيتم فعلا تنقيح المرسومين من قبل مجلس نواب الشعب في الفترة القادمة. ونلقي هنا الضوء في مقالنا على المرسوم عدد 115 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر والسياق العام الذي لابد من مراعاته والآليات الكفيلة بتطويره بما يتماشى مع واقع حرية الاعلام في تونس، آملين أن لاتنساق الأمور إلى منحى سلبي ويحصل التلاعب بالمراسيم وتنقيحها بطريقة تفرغها من محتواها وتسلبها ما جاءت به من ضمانات لحرية الصحافي والصحافة.فبالرغم من أن هذا المرسوم نافذ منذ سنة 2012 بعد نضالات الصحافيين وأهل القطاع عموما، وبالرغم مما فيه من هنات، فإنه تضمّن عدة أحكام إيجابية ضامنة لحرية التعبير والصحافة ويعتبرتحوّلا مهمّا في الإطار القانونيّ للإعلام بتونس. كما أنه يتضمن تأكيداً على المرجعية الدولية لحقوق الإنسان في ممارسة حرية التعبير، بالإضافة الى إقرار حماية جزائية للصحفي وحرية النشر دون ترخيص مسبق مع احترام إجراءات التصريح فقط وإلغاء الجنح المرتكبة ضد النظام العامّ (خاصة جريمة النيل من كرامة رئيس الجمهورية). و يتساءل الصحافيون اليوم عن ماهية هذه الإشكالات والهنات في المرسوم الذي نسميه اختصارا المرسوم عدد 115 وهو قانون الصحافة والطباعة و النشر.

وبالرغم من تضمّنه عدة أحكام إيجابية بل وتقدمية في حماية حرية الصحافة والطباعة والنشر، إلا أنه واجه صعوبات وعوائق في تفعيله منهاعوائق وهمية ومفتعلة مثل محاولة إنكار النفاذ القانوني والأولوية في التطبيق، بالإضافة إلى عوائق جدية وحقيقية ونقائص في الشكل والمضمون منها التردد والتذبذب في تطبيقه قضائيا.
 
إشكالات جدية عند تطبيق المرسوم:

بالنسبة للنقائص على مستوى الشكل والمنهجية، تتمثّل أهم ثغراته في عدم وجود تعريف لمفاهيم حرية الصحافة والطباعة والنشر. ومنها أيضا تضمين الفصل 14 إحالة إلى عقوبة الإعتداء على شبه موظف عمومي المقررة بالفصل 123 والصواب الفصل 125 من المجلة الجزائية. وأيضاً ذكر الفصل 77 مرتين خطأ.
 
على مستوى المنهجية:

عنوان الباب السادس من المرسوم في التتبعات والعقوبات والحال أن هذا الباب المتكون من 13 فصلا لم ينص إلا على عقوبة واحدة وردت في الفصل 71.

كما أن الجرائم والعقوبات مبعثرة ومنثورة في عدّة فصول ودون تبويب.ووضع بعض الفصول في غير أبوابها، ومنها الفصل 53 (استعمال دور العبادة) والفصل 54 (نشر أخبار زائفة للنيل من صفو النظام العام).
 
على مستوى المحتوى:

أما بالنسبة للثغرات على مستوى محتوى المرسوم، فنميز بين الاجراءات   والأصل.

من حيث الاجراءات:

اتسمت الاجراءات بالتشعب والتعقيد. فيقتضي سحب الفقرة الثانية من الفصل 71 المتعلقة بالحطّ من ميعاد الحضور الى 48 ساعة ووضعها في مكانها الطبيعي أي الفصل 72 المتعلق بآجال الحضور.
من حيث الأصل:

الفصل 6 : من المتجه الاشارة إلى مخالفة أحكام الفصلين الرابع والخامس معا دون الاكتفاء بالفصل الخامس فقط. والفصل 14 :من المتعين معاقبة كل من يخالف أحكام الفصلين 9 و10 من المرسوم.

وبخصوص أحد أهم ركائز حرية عمل الصحفي وهي تجريم عرقلة الصحفي ومنعه من أدائه لعمله ونفاذه للمعلومات والأخبار.(الفصل 9 منع فرض أي قيود تعوق حرية تداول المعلومات أو تحول دون تكافؤ الفرص بين مختلف مؤسسات الاعلام في الحصول على المعلومات. والفصل 10 أقر حق الصحفي في النفاذ للمعلومات والأخبار والبيانات والإحصائيات والحصول عليها من مصادرها المختلفة.).

بالإضافة الى خطورة وجود فصول قانونية بالمرسوم تنصّ على عقوبات دون ارتكاب جريمة. ومن هذه الفصول، الفصل 67 الذي ينص على إلزام مالكي المصنفات المطبوعة أو الصوتية أو المرئية بأداء الخطايا والغرامات بالتضامن مع المحكوم عليهم. كما أن الفقرة الأخيرة من الفصل 73 ألزمت المتهم بتقديم تصريح إلى النيابة العمومية أو إلى الشاكي يتضمن بيانا في الأفعال التي يريد إثبات صحتها ونسخة من الوثائق والمستندات وأسماء الشهود في أجل عشرة أيام من تاريخ تبليغ الاستدعاء إليه وإلا سقط حقه في رد تهمة الثلب. وهو اجل قصير قد يحرمه من فرصة اثبات ما ادعاه. كما تم نسخ الفصول 397 و404 و405 من مجلة الشغل نسخا غير مبرر وغير مفهوم. فقد أقر الفصل 404 من مجلة الشغل حق الصحفي في التمتع بإجازة سنوية والمرسوم عدد 115 نسخ هذا الفصل ولم يعوضه بفصل بديل في نفس الموضوع مما أدى إلى فراغ قانوني بالنسبة للإجازة السنوية للصحفي المحترف. كما أنّ الفصل 405 تعلق ببعض الامتيازات التي تكسبها صفة الصحفي وحمل بطاقة التعريف المهنية بمناسبة تحرير جواز سفر أو القيام بأي عمل إداري أو التمتع ببعض التراتيب التي تتخذها السلط الادارية لفائدة ممثلي الصحافة. وقد نسخ المرسوم عدد 115 هذا الفصل دون تعويض أو تضمين هذه الامتيازات بنص جديد. والمفارقة هنا هو أن الفصل 408 من مجلة الشغل نصّ على أن أحكام الفصول من 397 إلى 405  تكتسي صفة النظام العام أي أنها قواعد آمرة تحمي الصحفي المحترف لا يجوز مخالفتها أو الاتفاق على خلافها.

كما توجد إشكالات على مستوى التطبيق القضائي حسب بعض القضاة الذين تحدثنا إليهم. فقداعتمدت في مقاضاة صحفيين ومديري وسائل اعلام ومدونيين أحكام المجلة الجزائية. وهذا الأمر يتعارض مع المرسوم عدد 115 لسنة2011 الذي يلغي وجوبا القوانين السابقة لصدوره. كما أوكل المرسوم حقّ التتبّع وممارسة الدعوى وتحريكها (فيما عدا بعض الحالات الخاصة والإستثنائية) للمتضرر وحده والذي يكون عليه القيام رأسا لدى المحكمة بواسطة شكوى تتزامن مع استدعاء المدعى عليه قبل عشرين يوما على الأقل من يوم الجلسة بحجرة الشورى. ويكون للمدعى عليه في هذه الحالة حق الرد في ظرف عشرة أيام قبل موعد الجلسة المذكورة وإظهار ما لديه من إثبات حول مدى صحة موضوع الثلب، وذلك في طريقة هي أقرب إلى منازعة مدنية تتخذ فيها المحكمة موقف الحياد بين المتنازعين بحضور النيابة العمومية. وتقررالمحكمة وحدها مدى وجاهة التتبع في ظرف خمسة عشر يوما بحجرة الشورى. وان رأت ذلك، تحيل الملف إلى جلسة عامة وتفصل في الموضوع في ظرف شهر على الأكثر. ونفس الاجراء ينطبق على النيابة العمومية إن كانت هي القائم بالتتبع في بعضالحالات الخاصة المنصوص عليهاحصريا كحالة الدعوة إلى الكراهية والتمييز على أساس الجنس أو الدين، وإلا عدّت إجراءات التتبع باطلة.

دور القضاء في حماية حرية التعبير

رغم بعض الثغرات والنقائص الشكلية والموضوعية التي تشوبه، فإن المرسوم عدد 115 يمثل اطارا قانونيا ملائما لحماية حرية الصحافة. والقضاء مدعو إلى تفعيل أحكامه بوصفه الضامن والحامي للحقوق والحريات من كلّ انتهاك، وعلى اعتبار أن النص الخاص يقدّم على النص العام والنص الارفق يقدم على النص الاشد والنص الناسخ على النص المنسوخ.

مطالب لابد منها من أجل تنقيحات جيدة

من اجل تنقيحات جيدة للمرسوم لابد للصحافيين وكل من تهمه حرية الإعلام والصحافة أن يسعى إلى الضغط من أجل تحقيق بل وفرض بعض التعديلات لعل أهمها:

أولا: عدم اللجوء الى العبارات الغامضة والفضفاضة في تحديد الجرائم المتعلقة بالتعبير أو النشر (مثل النظام العام، والآداب العامة، والوحدة الوطنية، والأمن القومي، وتعكير السلامة العامة، والمس بالشعور الديني، وإثارة النعرات الطائفية، والمس بوحدة البلاد، وسيادة الدولة، واستقلالها  والمكانة المالية للدولة، والحض على الاقتتال بين عناصر الامة، والتحقير، والقدح، والذم، والافتراء، والثقة العامة، والمس بهيبة الدولة، والمس بهيبة القضاء، والمس بهيبة السلطة التشريعية، واطالة اللسان كعقوبة خاصة في حال المس برئيس الدولة مثلا.

ثانيا:ضمان الحق في التجمع السلمي كأحد الحقوق المترابطة مع الحق في التعبير، مع التأكيد على توفير الالتزامات الايجابية للدولة باتخاذها الاجراءات المعقولة والمناسبة لحماية هذا الحق.

ثالثا:ضمان الحق في الحصول على المعلومات واعتبار العلنية هي الأصل في أعمال السلطات المختلفة، واللجوء إلى السرية يتم استثنائياً مع توفير إمكانية المراجعة القضائية الفاعلة لقرارات منع أو اعاقة الوصول الى المعلومات.

رابعا:إلغاء كافة النصوص التي تعطي حصانة أو تقيد حق النقد للأشخاص في المناصب العامة، و عدم التمييز لصالح منح امتياز لأشخاص بسبب منصبهم مهما علا هذا المنصب.

معايير لابد من الإلتزام بها والنضال من أجل تحقيقها في التنقيحات

أما عن المعايير التي يتوجب الإلتزام بها فيما يتعلق بمراجعة القوانين المباشرة المنظمة لحرية التعبير والصحافة، فهي متعددة ولعل أبرزها:

أولا:ضمان الحق في حرية إنشاء وتملك وسائل الاعلام والصحف والمطبوعات دون الحاجة لترخيص او اذن مسبق خاص، خلاف ما يتطلبه الشكل القانوني الذي ستتخذه هذه المؤسسات ، وبمراعاة عدم تركيز ملكية وسائل الاعلام.

ثانيا:عدم وضع قيود وشروط على المالكين والعاملين في هذه المؤسسات خلاف ما تتطلبه المهنة من شروط وقواعد سلوك، مع مراعاة أن من حق كل شخص أن يعبر عن رأيه بحرية وبالوسيلة التي يراها مناسبة والتشديد على رفض اللجوء الى الرقابة المسبقة على النشر أو اصدار أوامر بمنع النشر أو إعاقته من خلال قرارات أو أوامر بالحجب أو المنع أو المصادرة أو الإغلاق.

ثالثا: عدم تضمين هذه القوانين عقوبات جزائية على النشر، الا بتوافر مصلحة حقيقية وملحة، وبموجب نص قانوني واضح و محدد، يوازن ليس فقط ما بين حق الفرد في التعبير، وانما أيضا ما بين مصلحة المجتمع في تلقي المعلومات والآراء، والمصلحة التي تدعي الدولة حمايتها، وبناء على حكم قضائي تراعى فيه جميع ضمانات المحكمة العادلة، ودون اللجوء الى العقوبات الجسدية أو المغالاة في العقوبات المالية.

رابعا: في الحالات التي يتعدى فيها النشر على الحقوق الأخرى المكفولة وفقا للمعايير الدولية، لا يتم اللجوء الى القانون الجنائي نهائيا، وإنما يتمّ ضمان الإلتزام بالقانون من خلال تطبيق القواعد العامة في القانون المدني كالتعويض.

خامسا: النص على توفير الحماية الفاعلة للحق في التعبير من الناحية الايجابية، كحماية الصحفيين وتسهيل وصولهم للمعلومات، وحماية التجمعات السلمية، وضمان الحق في الحصول على المعلومات وتلقيها للكافة دون تمييز.

سادسا: التشديد على توفير الحماية لمصادر المعلومات، وعدم اللجوء إلى أوامر الكشف عن هذه المصادر إلا في حالات الضرورة الملحة (مثلا لمنع وقوع جناية أو إذا كان هذا الكشف ضروريا للتحقيق في جناية) وبموجب حكم قضائي خاضع للطعن.

إن الاعلام الحر والديمقراطي غير الخاضع لأي سلطة مهما كان نوعها سياسية أو فئوية أو ايديولوجية أو اقتصادية أو جهوية هو صمام الأمان لنجاح كل تجربة انتقالية ولضمان مجتمع ديمقراطي حر وعادل، كما انه قاطرة الديمقراطية في دولة مثل تونس ترنو إلى التقدم والرقي في محيط مليئ بالهزات والأزمات والحروب. لذلك فإن تحقيق اعلام ديمقراطي يرتقي إلى مطامح الشعب هو تحقيق للتقدم و الرقي والديمقراطية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، حريات عامة والوصول الى المعلومات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية