مكافحة الفساد في مصر (2): حبس هشام جنينة نموذجاً


2016-08-16    |   

مكافحة الفساد في مصر (2): حبس هشام جنينة نموذجاً

تبعاً لثورة يناير 2011، استردّت الأجهزة الرقابية بعضاً من أدوارها، بعدما تحررت من سيطرة الحزب الوطني الحاكم على الأجهزة الرقابية والمحاسبية طوال العقود الثلاثة السابقة. فعلى سبيل المثال، أسهمت تقارير الرقابة الإدارية في تأسيس الحكم على الرئيس الأسبق حسني مبارك ونجليه في القضية المعروفة إعلاميا باسم القصور الرئاسية. كما سمحت الثورة أيضا للأجهزة الرقابية أن تقوم بدورها في كشف الفساد المتعلق وسنعرض هنا لما طال رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات السيد هشام جنينة حيث أصدرت محكمة جنح القاهرة الجديدة في 28/7/2016 حكما بحبسه سنة وتغريمه 20 ألف جنيه بتهمة نشر أخبار كاذبة عن الفساد وكفالة 10 آلاف جنيه لوقف التنفيذ.
ولعل التزامن بين التصالح مع صاحب الأعمال الهارب حسين سالم وحبس هشام جنينه يكون كفيلا بتوضيح الطريقة التي استغلت بها السلطة التنفيذية امتلاكها لسلطة التشريع خلال المرحلة الانتقالية بهدف تحصين وحماية دوائر الفساد التي تغلغلت حتى طالت مفاصل الدولة كافة. ففي موازاة تمرير التشريعات الأربعة التي مكنتها من التصالح عل قضايا إهدار المال العام والإعتداء عليه، قامت بتمرير تشريعات مكنتها من السيطرة على الأجهزة الرقابية بشكل كامل ضاربة بالدستور عرض الحائط، لتعيد هذه الأجهزة إلى وضع أسوأ من وضعها قبل الثورة.
 
ضمانات دستورية تفرض واقعاً جديداً للأجهزة الرقابية
فنصّ الدستور المصري الصادر في يناير 2014 على مجموعة واسعة من الصلاحيات والضمانات التي تحافظ على استقلال الجهاز، خصوصاً إزاء السلطة التنفيذية. فنصّ الدستور على أن الأجهزة الرقابية تتمتع بالشخصية الاعتبارية، والاستقلال الفني والمالي والإداري، ملزماً السلطة التشريعية بضرورة أخذ رأي الأجهزة الرقابية في مشاريع القوانين واللوائح المتعلقة بمجال عملها. ولمزيد من الحرص، تناول المشرع الدستوري صلاحية التعيين في هذه الأجهزة، بحيث أناطها برئيس الجمهورية مع اشتراط الحصول على موافقة أغلبية أعضاء البرلمان. كما أعطى الدستور الجهات الرقابية الحقّ في تقديم بلاغات لسلطات التحقيق المختصة بما تكتشفه من دلائل على ارتكاب مخالفات، أو جرائم، مما يؤكد أن الدستور الجديد عمل على تفعيل أدوار الأجهزة الرقابية لمواجهة الفساد[1].
 
استخدام سلطة التشريع للنيل من استقلال الأجهزة الرقابية
استمرارا لما بدأته السلطة التنفيذية من استغلال الفراغ التشريعي في المرحلة الانتقالية لتحصين الفساد أو الحد من إمكانية ملاحقته[aa1] ، لم يعد أمامها إلا أن تمنع الجهات الرقابية من القيام بدورها. وقد حدث ذلك بشكل جلي وواضح في إثر إصرار السيد هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، على أداء دوره، بحيث قدّم ما يتجاوز 107 بلاغاً للنيابة العامة في وقائع فساد ظهرت خلال قيام الجهاز بعمله. فتصديا لذلك، أصدر رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن حالات إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم، وهو القانون الذي منح رئيس الجمهورية الحق في عزل رؤساء الجهات الرقابية. وقد حدّد القانون أربع حالات يمكن فيها إعفاء هؤلاء من مناصبهم: 1) إذا قامت بشأنه (رئيس الجهاز المعني) دلائل جدية على ما يمس أمن الدولة وسلامتها، 2)إذا فقد الثقة والاعتبار 3) إذا أخل بواجبات وظيفته بما من شأنه الإضرار بالمصالح العليا للبلاد أو أحد الأشخاص الاعتبارية العامة. 4) إذا فقد أحد شروط الصلاحية للمنصب الذي يشغله لغير الأسباب الصحية. وكما يتضح من النص، وردت الحالات الأربعة التي أجاز فيها القانون عزل رؤساء الجهات الرقابية، بنصوص فضفاضة لا يمكن تحديدها أو تحديد عناصرها. كما لا يمكن إقامة دليل واضح على حدوثها من عدمه، وهو ما يعتبر اعتداء على استقلال هذه الأجهزة ويضع القانون في مرمى عدم الدستورية.
 
استخدام القانون لفرض السيطرة على الجهات الرقابية (الجهاز المركزي للمحاسبات نموذجا)
وبذلك، أصبح الإطار القانوني مهيئاً لحصار رؤساء الأجهزة الرقابية ولضرب استقلالها. وهو ما حدث سريعامع الجهاز المركزي للمحاسبات. ففي 2015، قامت وزارة التخطيط بإعداد دراسة لتحليل تكاليف الفساد في مصر، توصلت فيها إلى تقدير هذه التكلفة بنحو 257.7 مليار جنيه سنويا. وبعد الإنتهاء منها، طلب وزير التخطيط من الجهاز المركزي للمحاسبات تدقيق تلك الدراسة. وبناء على هذا الطلب، باشر الجهاز عمله. وبتاريخ 23 ديسمبر 2015، نشرت الصحف المصرية تصريحات منسوبة إلى جنينة تشير إلى أن تكلفة الفساد عن عام 2015 هي 600 مليار جنيه. وقد سارع المتحدث باسم الجهاز المركزي للمحاسبات في بيان رسمي صدر في صبيحة يوم 26 ديسمبر 2015 إلى نفي ما تردد، مؤكداً أن هذا المبلغ المذكور هو حصيلة الفساد خلال 4 سنوات، بداية من 2012 حتى 2015، وهو ما يعني أن النتيجة التي توصل لها الجهاز أقل مما قدرته وزارة التخطيط في دراستها. لكن، وبمعزل عن دقّة الأرقام المعلنة، بدت السلطة التنفيذية مستفزة من جرّاء الإعلان عنها للرأي العام. ففي عشية نفس اليوم 26 ديسمبر، نشرت رئاسة الجمهورية خبراً صحفياً مفاده أن رئيس الجمهورية أصدر قراراً بتشكيل لجنة لتقصّي الحقائق ودراسة ما جاء في هذه التصريحات، على أن تكون اللجنة برئاسة رئيس هيئة الرقابة الإدارية وعضوية ممثلين عن وزارات التخطيط والمالية والداخلية والعدل والمستشار هشام بدوي نائب رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات. وهذا الأمر إنما يكشف أنّ رأس السلطة التنفيذية تحرّك لمواجهة تصريحات تحدثت عن الفساد وحجمه. وقد استخدم رئيس الجمهورية سلطاته باعتباره رئيسا للسلطة التنفيذية في اتخاذ إجراء مخالف لنصوص الدستور: ففي حين منح الدستور والقانون كافة الضمانات التي تحفظ للجهاز استقلاله، أصدر رئيس الجمهورية قراراً شفهياً دون أي مسوغ قانوني أو سند واقعي، بإنشاء لجنة إدارية تراقب عمل الجهاز وتتقصى عن مدى مصداقية تقاريره. ومن النافل القول أن هذا القرار الشفهي لم ينشر في الجريدة الرسمية.
ووفق ما كان منتظراً، نشرت بتاريخ 12 يناير هذه اللجنة غير القانونية التشكيل تقريراً يخلص إلى نفي صحة تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات للحقيقة. وقد صدر هذا التقرير بسرعة خيالية، خلال فترة لم تتجاوز 15 يوما، وعمم على مختلف وسائل الإعلام. وقد عمد المستشار جنينه إلى الرد على هذا التقرير، مفنداً عدم مهنيته. إذ ذاك، فجّرت النيابة العامة مفاجأة كبرى بإصدار قرار بحظر النشر فيما يتعلق بهذه التصريحات. وبتاريخ 28/3/2016، تم عزل المستشار جنينه من منصبه. وبعدها، صدر قرار بعزل ابنته من عملها بالنيابة الإدارية في 29/5/2016. وقد تكلل كل ذلك بصدور قرار بإدانته لنشر أخبار كاذبة وحبسه وفق ما بيناه أعلاه.
إن ما قامت به الحكومة في مواجهه المستشار جنينه من جانب، وما قدمته من تنازلات لحسين سالم من جانب آخر يوضح بجلاء سياسة حكومات ما بعد الثورة من قضية العدالة الانتقالية. كما أنه يوضح اتجاهاتها في حماية الفساد وتقويض أي حراك يعادي مصالحها ومصالح المنتفعين من هذه الدوائر التي توارثتها مصر الثورة كإحدى نبتات حكم مبارك غير الشرعية.

يمكنكم/ن الإطلاع أيضاً على: مكافحة الفساد في مصر (1): التصالح مع حسين سالم وأصحاب الأعمال


[1] نصوص المواد 215 و 216 و217 و 218 و 219 من الدستور المصري الصادر في يناير 2014
انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، مصر ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية