مقتل عاملة بنغلادشية والمشتبه فيه زوجها: كيف نُنصِف “الغرباء” على أرضنا؟


2021-04-29    |   

مقتل عاملة بنغلادشية والمشتبه فيه زوجها: كيف نُنصِف “الغرباء” على أرضنا؟

انتقلَت إلى لبنان حاملة بعضاً من أشيائها في حقيبة لتبدأ معها طريقاً ما لبث أن انتهى بها أشلاء في حقائب. هي ضحية جديدة تضاف إلى جرائم قتل أو انتحار العاملات المهاجرات اللواتي غالباً ما يكون المشتبه الأوّل فيها هو صاحب العمل أو ظروف حياتهنّ، بينما توجّه التحقيقات الأوّلية هذه المرّة الاشتباه نحو زوج الضحية الذي يحمل الجنسية البنغلادشية بأنّه أقدم على قتل زوجته من الجنسية نفسها طعناً.

جريمة مروّعة شهدها لبنان في العاشر من نيسان الجاري، حيث عثر على حقيبة أمام بنك “لبنان والمهجر” في شارع الاستقلال بالعاصمة بيروت في منطقة الملّا، تحتوي على أشلاء بشرية. وبعدما حضرت القوى الأمنية إلى المكان تبيّن أنّ الجثة تعود لعاملة أجنبية، قيل في بداية الأمر إنّها من الجالية الإثيوبية بحسب المصادر الأمنية وهو ما تناقلته وسائل إعلامية بدورها. وليس الأمر مستغرباً نظراً إلى كونه انعكاس واضح للصور النمطية المنتشرة في المجتمع اللبنانيّ عن جنسيات العاملات ذوات البشرة الداكنة، ليتبيّن لاحقاً بعد التحريّات أنّها من الجنسية البنغلادشية. وبعد خمسة أيام من العثور على أشلاء السيدة الضحية، عثرت القوى الأمنية على أجزاء إضافية مرمية خلف ملعب “كلاسيكو” على طريق المطار القديم، كان قد كشف عليها الطبيب الشرعي. 

القوى الأمنية تحكم على الزوج مسبقاً

المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي شعبة العلاقات العامة نشرت في 12 نيسان بياناً كشفت فيه عن توقيفها “الزوج القاتل”، وجاء فيه “توقيف مرتكب جريمة القتل المروّعة الذي عُثِر على أطراف الضحية داخل حقيبة في بيروت – شارع الاستقلال يوم السبت 10-4-2021 من قبل شعبة المعلومات في محلة صبرا. تبيّن أنّ القاتل هو زوج الضحية وهما من الجنسية البنغلادشية، التحقيق جارٍ بإشراف القضاء المختص”، وفي هذا البيان خطورة لجهة حسم الأمر بأن الزوج هو “مرتكب الجريمة” و”القاتل”، بدلاً من الاكتفاء بالإعلان عن الاشتباه فيه، مما يخالف قرينة البراءة.

مصادر أمنية أشارت في حديث لـ “المفكرة” إلى أنّ الجريمة قد وقعت على خلفية “خيانة الضحية لزوجها”، وهو ما اعترف به الأخير خلال التحقيقات الأوليّة، حيث وجّه لها طعنة سكين في رقبتها داخل مسرح الجريمة في منزلهما في صبرا، من ثمّ قطّع الجثة إلى أجزاء ووزّع قسماً منها على حقائب ووضع قسماً آخر في مستوعبات النفايات، بحسب المصادر نفسها، على أن محاكمته ستتمّ بعد إحالته إلى النيابة العامّة في بعبدا لإصدار الحكم المناسب بحقّه.

رواية أهالي المنطقة تنسجم مع رواية القوى الأمنية، حيث أكّد متطوّع في إحدى الجمعيات المحلية في المنطقة التي يسكنها الزوجان، لـ”المفكرة” أنّ “هناك خلافات بين الطرفين وهما يسكنان في منزل مع أشخاص آخرين من الجالية نفسها. لا نعرف عنهما الكثير ولا حتى اسميهما، إلّا أنّ المؤكد أنهما تزوّجا في لبنان ويمارسان أعمالاً حرّة وأوراقهما غير قانونية”.

فرح بابا من “حركة مناهضة العنصرية” اللبنانية”، تعرب لـ”المفكرة” عن قلقها حيال السرعة التي تمّ فيها إلقاء القبض على زوج الضحية باعتباره مرتكب الجريمة، وأضافت “هناك تخوّف من أن تكون التهمة قد ألصقت به بغية إقفال التحقيق. هناك شيء غير واضح، ونحن بانتظار بيان توضيحيّ مفصّل من السلطات، فمن حقّ الرأي العام معرفة الرواية الكاملة عن حقيقة ما جرى”.

لم تؤكد المصادر ما إذا كان التحقيق مع الزوج قد حصل بوجود محام وما إذا كان قد تمّ إعلامه بحقه بالاستعانة بمحام ومترجم. ووفقاً لمسؤولة قسم التقاضي في “المفكرة القانونية” المحامية غيدة فرنجية فإنّ “تعديل المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية يستفيد منه العمّال الأجانب أسوة باللبنانيين. وفي حال عدم حصول ذلك، يمكن للمحكمة لاحقاً أن تعتبر إفادته واعترافه بالجريمة ملغاة”، واعتبرت أنّه يجب على القضاة التشدّد في ضمان حقوق الدفاع للعمّال الأجانب نظراً لوضعيتهم القانونية والاجتماعية الهشّة ولما أظهرته دراسات المفكرة من انتهاك لحقوقهم بالمحاكمة العادلة”.

12 ضحية في صفوف العاملات المهاجرات خلال عام

في حال ثبُتت التهمة على الزوج، تنضمّ السيدة البنغلادشية إلى آلاف النساء اللواتي يقعن ضحايا للعنف الأسري الممارس عليهنّ من قبل أزواجهنّ. وفي ما يخصّ العاملات المهاجرات، وبحسب جدول أرسلته منظمة “حركة مناهضة العنصرية”، إلى “المفكرة” قتلت منذ نيسان 2020، 12 عاملة أجنبية مهاجرة والرقم يشمل فقط “من تمّت تغطية أخبارهنّ إعلامياً”، ثمانية منهنّ من الجنسية الأثيوبية، اثنتان من بنغلادش، واحدة من غانا، فيما لم يُعلن عن جنسية البقية. ولعلّ ما هو أشدّ قسوة أنّ معظمهنّ مجهولات الهوية، لم تعرف سوى أسماء ثلاثة منهنّ: “فوستينا تاي، وتولاشي جرما، وتيلا أكتار”. وبحسب الجدول تعدّ السيدة البنغلادشية التي عثر على أشلاء من جثتها في منطقة الملّا الضحية رقم 12 في حين لا تزال هناك عاملات كثيرات يعانين خلف الأبواب المغلقة من قبل الكفلاء من دون أيّ حماية. 

تكشف فرح عن تخوّف من الاستهتار بالضحية لأنّها عاملة أجنبية، مشيرة إلى أنّ “تجارب سابقة للعديد من النساء اللبنانيات في قضايا العنف تفيد بأنّ القانون اللبناني ذكوريّ ويسعى إلى تبرئة الزوج ومنحه ذريعة للإفلات من العقاب. فكيف الحال إذا كانت الضحية من العاملات المهاجرات؟”. في هذا السياق، تؤكّد فرح على “أهمية توعية الرأي العام تجاه هول الجريمة وعدم السماح لاستثمارها سياسياً واستخدامها كأداة تحريضية هدفها شيطنة العمّال الأجانب من منطلق النظرة الدونية لهم بغية ترحيلهم من البلاد بخاصّة في ظلّ الأزمة الاقتصادية والمالية التي يمرّ بها لبنان، حيث يتمّ اتهامهم باستنزاف الدولارات في البلد”، الأمر الذي دفع بكثير من الكفلاء إلى طرد العاملات من منازلهم وتركهنّ من دون أوراق قانونية أو مستحقات ماليّة.

ووفقاً لـ”المفكرة القانونية”، تقلّص الطلب بشكل كبير على استقدام عاملات المنازل من الخارج بعد العام 2019، فقد انخفض عدد الموافقات المسبقة للقدوم للعمل في لبنان من 49889 في 2019 إلى 7040 في 2020 (حتى 9 كانون الأول)، بنتيجة الأزمات الاقتصادية والمالية والتي كلّلتها أزمة كورونا. وبحسب تقرير صادر عن “الدولية للمعلومات”، تراجعت أعداد العمال العرب (دون السوريين والفلسطينيين) والعمال الأجانب في لبنان بنحو 92 ألفاً في العام 2020 مقارنة بالعام 2019، وتابع التقرير أنّ “هناك نحو 100 ألف إلى 150 ألف عامل يعملون بطريقة غير شرعية، وغادر نحو نصف هذا العدد لبنان خلال العام 2020 نتيجة الأزمة، وبالتالي فقد انخفض عدد العمالة الأجنبية من نحو 400 ألف إلى نحو 230 ألف عامل”. أمّا التراجع الكبير فقد حصل في اليد العاملة المنزلية، إذ انخفض عددها من 182377 عاملة الى 117869 عاملة أي بتراجع 64508 عاملة.

التحقيق يتجاوز الجريمة ويتناول الوضع القانوني

المنسقة القانونية في مركز العاملات الأجنبيات في حركة مناهضة العنصرية، ميرا بينه تؤكّد في تصريح لـ”المفكرة” أنّ “الجرائم التي لها علاقة بالعمال الأجانب تأخذ منحى مغايراً، فهي تتجاوز الجريمة إلى التحرّي عن أوراقهم ودراسة وضعهم القانونيّ، وهنا تكمن الصعوبة”، لذلك، يتعرّض الأجانب المخالفين لنظام الإقامة إلى خطر الترحيل بعد التحقيق معهم في جريمة قتل، حتى لو لم يتبيّن أي دليل بحقهم أو لم يتم الادّعاء بحقهم. وفي حال ثبُت أنّ الزوج هو القاتل بعد محاكمته من قبل محكمة الجنايات، يمكن للعقوبة أن تصل إلى السجن 20 عاماً. كما يمكن للمحكمة أن تقرّر ترحيله من لبنان ويمنع دخوله إلى الأراضي اللبنانية لمدة تتراوح بين 15 إلى 20 سنة.

في ما يتعلّق بتفاصيل التحقيق، فإنّ الجدية بالتعاطي مع القضية تأتي بالمرتبة الأولى وتبدأ من إلزامية إعلام الزوج بحقّه في توكيل محامي، وفي حال عدم حصول ذلك تعتبر إفادته ملغاة، بحسب المحامية غيدة فرنجية، التي توضح أنّه في حال ثبُت في المحاكمة أنّ الزوج هو القاتل يُحاكم استناداً إلى قانون العقوبات، حيث تُحدّد العقوبة بالسجن 20 عاماً في حال ارتكب أحد الزوجين جرم القتل بحق الآخر.

وبحسب قانون العنف الأسري المعدّل في نهاية العام 2020، لا تزال العاملة مستثناة من الحماية العائلية بحجّة أنّها عاملة بعدما كان تم استثناؤها من حماية قانون العمل بحجة أنّها تعمل ضمن عائلة، وتالياً جعلها مستثناة من حماية هذه القوانين في حال تعرّضها للعنف في مكان عملها، إلا أنها يجب أن تستفيد من أحكام قانون العنف الأسري عندما تتعرّض للعنف من قبل زوجها وفقاً للمحامية غيدة فرنجية. ومن هذا المنظور، تبقى الدولة مسؤولة عن تقاعسها في اتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية هذه الفئة ضد أعمال العنف التي قد تتعرّض لها.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، الحق في الحياة ، بلدان أخرى ، تشريعات وقوانين ، حراكات اجتماعية ، عمل منزلي ، عمل ونقابات ، فئات مهمشة ، قرارات قضائية ، لبنان ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، محاكم جزائية ، منظمات دولية



لتعليقاتكم