مقترح موازنة 2021 يتماهى مع خطة المصارف (3): دولة مفلسة تبدّد عائدات أملاكها وتهشّل أفضل موظفيها

،
2021-02-18    |   

مقترح موازنة 2021 يتماهى مع خطة المصارف (3): دولة مفلسة تبدّد عائدات أملاكها وتهشّل أفضل موظفيها
رسم رائد شرف

إحدى خصائص مقترح موازنة 2021 والذي قدمته وزارة المالية أيضا، هو اتجاهها إلى مزيد من التخلي عن حماية أملاكها العامة أو تحصيل بدلات عادلة عن إشغالها، فضلا عن اتجاهها لتعميق التردي في الإدارة العامة من خلال تهشيل أفضل موظفيها. وهذا ما سنفصله هنا.

1- تبديد أموال الدولة ومواردها لصالح المعتدين على الأملاك العامة أو الراغبين باستثمارها

لم يكتفِ المُقترح بتحميل الخزينة العامة وبالتالي المجتمع برمته عبء امتيازات واعفاءات وتسهيلات ضريبية ضخمة للشركات وبخاصة الكبرى منها، بل قام بما هو أشد خطورة من خلال منح اعفاءات وتسهيلات لمن يشغلون الأملاك العامة بل حتى لمن يواصلون اعتداءهم على الأملاك العامة منذ عقود. لا بل تضمن المقترح موادّ تفتح الباب أمام انتفاع البعض من مزيد من الأملاك العامة ببدلات غير عادلة. فبدل أن يدفع افلاس الدولة القيمين عليها إلى وقف مختلف أشكال الهدر، نجد أن هذا الافلاس يدفع هؤلاء إلى مزيد من التخلّي وإساءة الأمانة، بما يؤشر إلى انحيازهم لصالح الفئات التي تهيمن على موارد الدولة ولو عن طريق الاعتداء بحكم نفوذها. ومن أبرز التدابير الدالّة على ذلك، الآتية:

2- حفلة تسامح جديدة حيال المعتدين على الأملاك العامة البحرية

تضمن المقترح تمديد مهلة تقديم طلبات التقسيط والاستفادة من الحسم الكلي لبدلات إشغال الأملاك العامة البحرية والغرامات لستة أشهر من تاريخ صدور قانون الموازنة (م. 69). وهذا يؤشّر إلى مزيد من التسامح إزاء المعتدين على الأملاك العامة البحرية منذ عقود، من دون تسديدهم حتى الآن أي بدل إشغال. فلم يكفِ أن الدولة لم تتخذ أي قرار في اتجاه استعادة هذه الأملاك أو تحصيل بدلات عنها حتى صدور القانون 64 في 2017 والذي سمح لهم بتقديم ملف لمعالجة التعديات الحاصلة قبل 1994 مقابل تسديد غرامات معتدلة عن الفترة اللاحقة لسنة 1994 وبانتظار صدور مرسوم يحدد رسوما للفترة اللاحقة. ولم يكفِ أن الدولة مدّدت مهلة تقديم ملفات المعالجة من ثلاثة أشهر حتى ثلاث سنوات وثلاثة أشهر بفعل قراءة ملتوية لقوانين تعليق المهل. فها المقترح يضيف إلى حفلة التسامح والتخلّي تمديد مهل تقديم تقسيط للغرامات لستة أشهر إضافية، وهو أمر يفترض أن يتسبب بضياع قيمة هذه الغرامات الموعودة بصورة تامة بفعل انهيار العملة الوطنية. للإشارة نحن هنا لا نتحدث عن مجموعات تعيش في العوز وتسعى الدولة إلى مساعدتها، إنما نتحدث بالدرجة الأولى عن مؤسسات وشخصيات احتلّت الشاطئ واستباحته لعقود على حساب المواطنين كافة بما شكل أحد أسباب افلاس الدولة وها هي الدولة تأتي اليوم لتمنحهم مزيدا من التسامح والتفهّم والأهم امكانية إطالة أمد الاعتداء.

3- تسامح مفرط حيال شاغلي الأملاك العمومية بصورة قانونية

التسامح المذكور لم يقتصر على المعتدين على الأملاك العمومية، إنما شمل أيضا شاغليها بصورة قانونية على نحو سيؤدي عمليا إلى تحصيل بدلات لا تتناسب أبدا مع قيمة الانتفاع منها بما يعكس مزيدا من التخلي عن إدارة الأملاك العامة بصورة محايدة وسليمة.

فإلى جانب عدم تضمين الموازنة أي اجراء لزيادة قيمة رسوم أشغال الأملاك العامة على الرغم من انهيار قيمتها، أعفى المقترح غرامات التأخير في تسديد رسوم إشغال الأملاك العامة بنسبة 90% عن العام 2019 وما قبل. كما سمح بتقسيط رسوم الإشغال لعامي 2020 و2021 لثلاث سنوات دون غرامات أو فوائد ودون الأخذ بعين الإعتبار إنهيار قيمة هذه الرسوم جرّاء انهيار سعر الصرف (م. 69).

فضلا عن ذلك، تم إعفاء شاغلي الأملاك العمومية من أي رسم عن الفترة التي حصل فيها إقفال عامّ بسبب جائحة كورونا، من دون حصر الإعفاء بالمؤسسات التي شملها الإغلاق فعليا وبخاصة أن الإنشاءات على هذه الأملاك متنوعة (م.69). وما يزيد من قابلية هذا التدبير للانتقاد هو أن المشرع لم يتخذ أي اجراء لإعفاء المؤسسات التي تشغل أماكن خاصة وتمّ اقفالها بموجب مراسيم التعبئة العامة من بدلات الإيجار عن فترة الإغلاق. فكأنما الدولة تغلّب الملكية الخاصة على الملكية العامة.

4- عدول عن ضوابط حسن إدارة أملاك الدولة

في الاتجاه نفسه، تضمّن المقترح تنازلا عن الضوابط القانونية لضمان حسن إدارة أملاك الدولة الخاصة، فيما كان يفترض أن يكون أكثر حرصا في هذه الفترة وبخاصة في ظلّ ترجيحات بانهيار متزايد للعملة الوطنيّة التي تحدد بها بدلات الإيجار (م. 86). ومن أبرز الضوابط التي تمّ التخلي عنها الآتية:

  • أن المقترح فتح الباب لتأجير أملاك الدولة الخصوصية لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد لمهلة مماثلة، بعدما كان من الممكن تأجيرها لمدة أربع سنوات كحد أقصى. لا بل أن المقترح ذهب أبعد من ذلك بحيث سمح بتأجير العقارات غير المبنية مع السماح بإقامة إنشاءات عليها لمدة 9 سنوات قابلة للتجديد لتصل إلى 18 سنة. ويخشى هنا أن تفسر عبارة “قابلة للتجديد” على أنها تفتح الباب أمام التجديد التلقائي ومن دون إعادة النظر في البدل.
  • أن المقترح نصّ أن قيمة الإيجار لا يجب أن تقل عن 2% من القيمة التخمينية للعقار، في حين حدد قانون الإيجارات القديمة بدل الإيجار ب 4% من قيمة المأجور. ولم يلحظ المقترح أي ضوابط لجهة رفع بدل الإيجار السنوي خلال مدة الإجارة على نحو يحفظ قيمته وبخاصة في ظل مخاطر انهيار العملة الوطنية.

كما تجدر الإشارة إلى أن المقترح قد تضمّن علاوة على ذلك إلزام جميع الإدارات والمؤسسات العامة والمشاريع المشتركة والشركات المختلطة بتزويد وزارة المالية بالمعلومات التي تملكها عن موجودات الدولة العقارية وغير العقارية وذلك ضمن مهلة ستة أشهر من نفاذ الموازنة، بالإضافة إلى وجهة استعمال هذه الممتلكات وشاغليها في حال وجدوا (م. 101). وفيما إنّ جردة الموجودات أمر طبيعي بل أساسي ضمن أي خطة للنهوض الإقتصادي، فإن تضمين هذه المادة في مقترح الموازنة يبقى مستغربا لعدم صلتها بها وأيضا لأن إلزاما كهذا لا يحتاج أصلا إلى إصدار قانون. وما يزيد من قابلية هذه الإضافة غير الضرورية للانتقاد هو أنها تأتي في سياق تخلي الدولة عن حسن إدارتها لأملاكها كما سبق بيانه وفي موازاة خطة جمعية المصارف بوضع اليد على أملاك الدولة كافة.

5- ضرب “الوظيفة العامة” وتهشيل الموظفين الأكثر كفاءة ونزاهة:

يرزح الموظفون العموميون ومنهم القضاة ومعهم المتقاعدون تحت وطأة انهيار القدرة الشرائية لرواتبهم مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية. وبالطبع، فإن الضغط من جراء ذلك يكون مضاعفا بالنسبة للموظفين الذين حافظوا على نزاهتهم والذين يراهنون تاليا على رواتبهم للعيش بكرامة وذلك بخلاف الموظفين (وليسوا قلة) الذين ينجحون في زيادة مداخيلهم من خلال الرشى أو الهبات على اختلافها. كما أنّ هذا الضغط يُصبح بمثابة حافز للموظفين الأكفّاء الذين قد تتوفر لديهم مجالات عمل أخرى للاستقالة من وظائفهم. وبدل أن يتضمّن المقترح مواد من شأنها التخفيف من حدّة الضغط الذي يرزح تحته هؤلاء، فإنه عمد على العكس من ذلك إلى ضرب ما تبقى لهم من تقديمات اجتماعية والتي هي بمثابة الدرع الأخير لأمانهم الإجتماعي في موازاة تشجيع الموظفين على الاستقالة. وقد جاءت ردة الفعل الأولى على هذا المقترح من أساتذة الجامعة اللبنانية الذين أعلنوا اضرابا تحذيريًا أعقبه اضراب آخر للأساتذة في التعليم الرسمي، ليتمّ تعليق هذين الاضرابين بناء على وعود من وزير المالية بتعديل هذه البنود.

ومن أبرز المندرجات التي تضمّنها المقترح في هذا الخصوص، الآتية:

  • توحيد منح التعليم في القطاع العام عبر وضع سقف محدّد لها وهو المعتمد لدى تعاونية موظفي الدولة (م. 93). ومن شأن هذا الأمر أن يخفّض من المساعدات الممنوحة لأبناء القضاة والعاملين في القوى الأمنية والعسكرية. ويتم هذا الأمر من دون أي تعويض أو زيادة على الأجور أو تحسين في التعليم الرسمي تسمح لهؤلاء بالحفاظ على مكتسباتهم لجهة تأمين تعليم جيد لأبنائهم،
  • تخفيض نوعية الاستشفاء للموظفين العامين، بحيث بات موظفو الفئة الثالثة يستفيدون من ضمان الإستشفاء على أساس الدرجة الثانية في المستشفيات الحكومية والخاصة، فيما كانوا يستفيدون سابقا من الإستشفاء على أساس الدرجة الأولى (م. 105).

والأهم أنه بعدما كانت موازنة 2019 رفعت عدد سنوات الخدمة الفعلية الذي يتيح الحق بالتقاعد من 20 إلى 25 سنة، أتت المادة 98 من المقترح لتعيد عدد سنوات الأقدمية إلى 20 بالنسبة للذين دخلوا الإدارة قبل 1/8/2019 (تاريخ إقرار موازنة 2019) مبقية على أقدمية 25 سنة بالنسبة للذين دخلوا بعد ذلك، أي أنّها أعادت الحال بالنسبة إلى الفئة الأولى إلى ما كانت عليه. وقد برر الوزير ذلك بأن هناك العديد من الموظفين يحاولون البقاء في العمل من أجل امكانية الحصول على معاش تقاعدي وهؤلاء أصبحوا غير منتجين بسبب نيتهم الاستقالة، فسمح لهم بذلك. كما أشارت الأسباب الموجبة للمقترح في مكان آخر في الاتجاه نفسه أن ترشيد القطاع العام يتناقض مع منع الاستقالات. هذا التحوّل السريع يعبّر عن الارتجال الكبير في إدارة الشأن العام وهو يجد ربما ما يبرره في انهيار العملة الوطنية وتهيؤ الدولة لشروط التقشف بما فيها تخفيض عدد العاملين في القطاع العام. وما يزيد من حدة هذا الارتجال هو تضمين الموازنة مقترحا آخر ذهب في اتجاه معاكس قوامه حصر حقوق من يرغب بالتقاعد خلال ثلاث سنوات بتعويض الصرف من الخدمة من دون أي معاش تقاعدي، باستثناء الذين بلغوا السن القانونية (م.99). وعليه، ترافق باب الاستقالة لمن أتمّوا 20 سنة ولم يتمّوا بعد 25 سنة أقدمية مع حرمان هؤلاء كما الذين أتموا 25 سنة أقدمية من حقوقهم المكتسبة بمعاش تقاعدي. فكأنما الإدارة تراهن على انهيار العملة الوطنية لتهشيل جزء كبير من موظفيها لقاء مبالغ ذات قيمة متدنية، من دون أي التزام تجاههم مستقبلا.

إنّ هذه الإجراءات تشكل ضربة إضافية بحق الوظيفة العامة، وانعكاسها لن يكون آنيًا فقط من خلال إحباط وتهشيل أكثر الموظفين الحاليين كفاءة ونزاهة، ولكن سيمتد إلى المستقبل بحيث سيحول دون استقطاب الطاقات الجيدة لدخول الوظيفة العامة، مع ما يستتبع ذلك من تعميق لحالة التردّي في الإدارات العامة والقضاء وتعزيز موجات هجرة الكفاءات إلى الخارج، كل ذلك في سياق استكمال مسلسل جهنمي قام وما يزال على التهجير.

 

مقترح موازنة 2021 يتماهى مع خطة المصارف (1): مخالفات دستورية جسيمة

مقترح موازنة 2021 يتماهى مع خطة المصارف (2): الدولة وناسُها بخدمة الأثرياء “الجدُد” fresh

مقترح موازنة 2021 يتماهى مع خطة المصارف (3): دولة مفلسة تبدّد عائدات أملاكها وتهشّل أفضل موظفيها

مقترح موازنة 2021 يتماهى مع خطة المصارف (4): ضريبة وهمية لتضامن وهمي

 

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

إقتراح قانون ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، البرلمان ، المرصد البرلماني ، تشريعات وقوانين ، حقوق العمال والنقابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، عمل ونقابات ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مصارف ، مقالات



لتعليقاتكم