مقبرة الغرباء: نهايات المهاجرين الذين لا نعرفهم


2021-04-05    |   

مقبرة الغرباء: نهايات المهاجرين الذين لا نعرفهم
شمس الدين مرزوق في مقبرة الغرباء

كانت دقيقة واحدة كافية لتجسيد النهايات المُوحشة لمئات المهاجرين غير النظاميين الذين قذفت بهم الأمواج إلى شواطئ محافظة جرجيس بالجنوب الشرقي لتونس. دقيقة واحدة التقطَها المخرج التونسي وليد فلاّح بهاتفه الجوال[1] ليسرد حكاية البحّار، شمس الدين مرزوق، الذي صنع أرض السلام الأخير لموتى شرّدتهم أوطانهم ولم تكن أنواء البحر رحيمة بهم.

“مقبرة الغرباء”، هي اللقاء الأخير غير المتوقع والحزين بين مئات البشر، أطفال ونساء وكهول هاربين من جحيم الحرب والفقر والاحتقار، جاء معظمهم من إفريقيا جنوب الصحراء، أبحروا نحو الموت دون قصد منهم، ولم يَعِدهم شمس الدين سوى بأمتار من التراب تليق بنهايات إنسانية محترمة.

مقبرة الغرباء، التي تبعد بعض الكيلومترات القليلة عن مدينة جرجيس، تنتصب إشارة دائمة وموجعة عن الحصار الخانق الذي يعانيه ملايين البشر في الجنوب الفقير والمسلوب، فالسواحل الجنوبية للمتوسط تُشبه منظومة صغيرة للحواجز الأمنية، تشرف عليها رقابة الأموال الأوروبية و”سكادرات”[2] خفر السواحل المحلية ومافيات الإتجار بالبشر.

“أولئك الموتى إخوتي”

كان العمل في البحر كافيا لأن يمنح شمس الدين إحساسا بقيمة إنقاذ التائهين في البحر ومنحهم الحياة مجددا، وكان العثور المتكرّر على أشلاء بشرية في البحر دليلا قويا على قسوة الموت غرقا دون التمتع بسلام أخير على الأرض. قال لي بأن فكرة “مقبرة الغرباء” بدأت تدور في رأسه منذ سنة 2003، عندما كان البحارة ينخرطون في انقاذ مراكب المهاجرين غير النظاميين القادمة من السواحل الليبية. وقد اختار شمس الدين الانخراط في العمل الجمعياتي بعد ثورة 2011، حتى تكون لديه قدرة أكبر على مطالبة السلطات المحلية بتوفير أرض لدفن المهاجرين الذين يلقي بهم البحر باستمرار على شواطئ مدينة جرجيس.

نجح البحّار الخمسيني في تحويل قطعة أرض مهملة، كانت فيما مضى مصبّا للفضلات، إلى أرض تصلح لقبر مئات البشر مجهولي الهوية والمنشأ والديانة والجنس في بعض الأحيان، وكل ما تربطه بهم صلة روحية وإنسانية عميقة، يقول عنها شمس الدين: “أشعر أن أولئك الموتى إخوتي”. وبدعوات أخيرة يحاول دائما توديعهم ومواساتهم ومنحهم دفء الموت بكرامة، ويشعر أنهم ينصتون إليه ويقاسموه نفس القلق والأوجاع. فقد هاجر إبناه منذ زمن خلسة إلى أوروبا دون استشارته، بعد أن فشلوا في الحصول على تأشيرات سفر، ومن حسن حظه أن الأقدار أبقتهم على قيد الحياة.

قال شمس الدين أنه شعر بمرارة عندما رفض البعض السماح بدفن المهاجرين غير النظاميين في مقبرة “الأزرق” (مقبرة للمسلمين) بحجة اختلاف دياناتهم وقدوم معظمهم من إفريقيا جنوب الصحراء التي تتعدد فيها الديانات والأعراق. وبالنسبة إليه ليس للموت وجه ديني أو عرقي، بل له وجه إنسان، وهو الحقيقة الوحيدة التي يشترك فيها الملايين من البشر. وقال لي محاولا تلخيص نظرته لطقوس الموت وتأويلاته الدينية: “إكرام الميت دفنه تساوي في نظري إكرام الإنسان دفنه”.

“احموا الإنسانية عوضا عن حماية الحدود”

مهنة الصيد البحري استدرجت شمس الدين إلى عوالم المهاجرين غير النظاميين. في بعض الأحيان يضطر البحارة إلى الانقطاع عن العمل من أجل إنقاذ المراكب التائهة. وفي أحيان أخرى يتحوّل المهاجرون إلى مساعدين في الصيد، وهناك يجري تبادل الحكايات والأحلام والانكسارات. ومن خلال تلك اللقاءات، اكتسب البحار الخمسيني درايته بظاهرة الهجرة غير النظامية، وباتت الأشلاء البشرية المقذوفة إلى الشواطئ في نظره نهاية تراجيدية لمسارات إنسانية مطبوعة بالشقاء واللاعدالة. هناك في أمكنة بعيدة وراء الصحراء الإفريقية يُجرّد الناس من أبسط حقوقهم، وتحمِل البواخر ثروات قارتهم إلى الشمال الغني. وهكذا أراد شمس الدين الإفصاح عن كل ما فهمه ورآه: “ينهبون ثرواتهم، ويتركونهم للجوع والعراء، ثم يحرمونهم من التأشيرات”.

يشير شمس الدين إلى أن الاتحاد الأوروبي ينفق مئات المليارات سنويا على “حماية الحدود”، ليتحول معها جنوب المتوسط إلى معتقل كبير مزدحم بالبؤس وكل مظاهر الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، ويزوّد سكان الضفة الأخرى المرفّهة بخيالات وقصص طريفة عن خشونة الجنوبيين وبساطتهم. وقد قال لي: “على المعادلة أن تتغير، يجب أن يعرف مسؤولو أوروبا أن عليهم حماية الإنسانية عوضا عن حماية الحدود”.

أحلام الوصول إلى الضفة الأخرى من المتوسط تجلب أموالا طائلة إلى شبكات الإتجار بالأشخاص، التي يطلق عليها شمس الدين “مليشيا البحر”. وعادة لا تُعير هذه الشبكات أي اهتمام لسلامة المهاجرين غير النظاميين، وتنظُر إليهم من خلال الحسابات المالية، وكل مهاجر إضافي على متن الزورق يساوي أموالا إضافية. لذلك يجري حشدهم بالعشرات في قوارب مترهلة، وأحيانا في زوارق مطاطية سرعان ما تنهار في عرض البحر. وهكذا يصبح الموت المتكرر عاديا ورتيبا، ولا قيمة كبيرة لضحاياه.

الكاميرا جواز سفر إلى الضفة الأخرى

فيلم “مقبرة الغرباء” الذي يدوم دقيقة، هو التقاء أعدّته مدينة جرجيس بين المخرج السينمائي وليد فلاح الذي نشأ في المدينة وكبر على شواطئها، وبين شمس الدين مرزوق الذي ما زال يقتات من بحرها ويمارس أنشطته الحقوقية والتطوعية فيها. بدأت اهتمامات وليد فلاح بعالم الهجرة والمهاجرين منذ أمد بعيد، يقول عنه: “منذ الصغر كنت أحلم بالهجرة، هناك طوق دائم للوصول إلى الضفة الأخرى من المتوسط”. وقد كان الاختفاء وراء الكاميرا تعويضا كبيرا عن هذا الحلم الصغير، لذلك جاءت معظم أفلامه الوثائقية الطويلة لتغوص في حكايات المهاجرين غير النظامين ومساراتهم بين الجنوب والشمال. أنتج وليد فلاّح ثلاثة أفلام عن الهجرة غير النظامية، “الحرية 302″ و”Booza” و”Partir”، وهي توثيق سينمائي لسردية الهجرة غير النظامية التي انخرط فيها شباب المغرب العربي أو الشباب المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء.

كان التوثيق السينمائي وسيلة لتحطيم جبروت الحدود وإظهار وجهها غير العادل، الذي يحتجب وراء إجراءات الحماية والمراقبة ودبلوماسيات التفوق الغربي. هكذا حاول وليد فلاح أن يجعل من الكاميرا جواز سفر إلى الضفة الأخرى من المتوسط، ويقول بأن مواصلة دراسة السينما في ألمانيا وتنقله بين العديد من الدول الأوروبية جعلته أكثر تحمسا للكفاح ضد سياسات الحدود القائمة.

  1. فيلم “مقبرة الغرباء”، فيلم دقيقة للمخرج التونسي وليد فلاح، تحصل مؤخرا على جائزة الفيلم الوثائقي بمهرجان أفلام الموبايل، الذي انتظمت دورته السنوية بتونس أواخر شهر مارس الفارط.
  2. هي كلمة يطلقها المهاجرون غير النظاميين على زوارق الحرس البحري والزوارق العسكرية.

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، أوروبا ، إفريقيا ، الحق في الحياة ، تونس ، عمل ونقابات ، فئات مهمشة ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مساواة ، منظمات دولية



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *