مقابلة مع المدير التنفيذي لفرع منظّمة العفو الدولية بتونس: قانون مكافحة الإرهاب يعرّض إنجازات الثورة للخطر


2016-02-02    |   

مقابلة مع المدير التنفيذي لفرع منظّمة العفو الدولية بتونس: قانون مكافحة الإرهاب يعرّض إنجازات الثورة للخطر

أصدر الفرع التونسي لمنظمة العفو الدولية تقرير يوم 14/01/2016 بعنوان "الأدلّة على التعذيب والوفيات في الحجز تشير إلى أنّ مكتسبات الانتفاضة في مجال حقوق الإنسان في تراجع"[1]. تزامنت هذه التصريحات المقلقة مع الذكرى الخامسة للثورة التونسية دفع المفكرة القانونية لمقابلة السيد لطفي عزوز، رئيس فرع منظمة العفو الدولية بتونس.

المفكرة القانونية : أصدرت المنظّمة تقريراً حول تزايد حالات التعذيب في تونس، هل تتوقعون متابعة لهذا التقرير من قبل السلطات المختصة؟

نحن في منظّمة العفو الدولية لدينا باحثون مختصّون من الأمانة الدولية يقومون بمتابعة أوضاع حقوق الإنسان وحالات الانتهاكات. وقد كانت لهم زيارة خلال شهري نوفمبر-ديسمبر 2015 لتونس قاموا من خلالها بلقاء مدافعين عن حقوق الإنسان ومنظّمات حقوقية تعمل على قضايا التعذيب، كما التقوا بالضحايا وجمعوا شهادات. بالتالي فإنّ الفريق الباحث يقوم بمتابعة أوضاع حقوق الإنسان في تونس بشكل يومي وفيما بعد يقوم بإصدار بيان أو تنظيم تحرّك عاجل أو مراسلة السلطات بشكل مباشر. وإنّ كل ما تقوم به المنظّمة هو حصيلة عمل ميداني إمّا من خلال عمل فريق البحث أو بالاتّصال بمحامين أو بمنظّمات تعمل في نفس المجال وبعد التأكّد من صحّة المعطيات يتمّ إصدار تقرير حول الانتهاكات.
بالنسبة لظاهرة التعذيب، كان هذا من أوليات عملنا. فقد أصدرنا سنة 2011 تقريرا كان خلاصة عمل ميداني ولقاءات مع جرحى الثورة وعائلات الشهداء والنشطاء والمدافعين. ومن خلال متابعتنا في السنوات الأخيرة، لاحظنا أن ممارسة التعذيب لا زالت متواصلة. وهذا ما دفعنا إلى مطالبة السلطات التونسية للعمل على وقف هذه الممارسات والتصدّي لها، ولكن للأسف تزايدت حالات التعذيب في تونس مؤخّرا حتىّ أنها باتت تستهدف الأطفال.

المفكّرة: دعوتم إلى إجراء تحقيقات مستقلة حول ممارسة التعذيب، فهل طلبتم ذلك بشكل مباشر من السلط المعنية؟

غالبا ومع كلّ تقرير صادر عن المنظّمة نقوم بإرسال نسخة منه إلى السلطات الرسمية. كما وجّهنا مراسلات وطلبات من أجل التعجيل واتّخاذ إجراءات. لكن للأسف لم نتلقّ وإلى اليوم ردوداً حولها. فحتّى طلبات المنظّمة بزيارة السجون المرسلة منذ سنة 2015 لم نتلقّ ردّاً حولها. كلّ هذا يبين إختلافاً في التعاطي من قبل الحكومات المتعاقبة في تونس بعد الثورة، وحتّى في نفس الفترة لحكومة ما فإنّ المواقف كانت تختلف من جهة إلى أخرى. ففي أوقات معينة، فتحت السلطات العامة أبواب السجون للمنظّمات الحقوقية، وفي أوقات أخرى لم نتمكّن من ذلك.
وعلى مستوى التشريعات، حصل تطوّر من خلال المصادقة على البروتوكول المتعلّق بتجريم التعذيب، أيضا على مستوى الدستور فقد نصّ على عدم سقوط هذه الجريمة بالتقادم. لكن تبقى الإشكالية على مستوى الممارسة والتطبيق فلم نجد إجراءات أو ضمانات للحدّ من هذه الجريمة. فالسلطة القضائية لا تقوم بفتح تحقيق في ملفات حول التعذيب، بل إنّ أغلب الملفّات يتمّ التعامل معها على مستوى وزارة الداخلية التي تكتفي بفتح تحقيقات داخلية ودون أن توجّه إلى السلطة القضائية.

أيضا على مستوى الخطاب نستمع دوماً إلى تصريحات مسؤولين رسميين بأنّ الدولة تكافح ظاهرة التعذيب وأنّها لم تصدر تعليمات بتعذيب الموقوفين. ولكنّ الملاحظ أنّ السلطة التنفيذية تقوم بحماية مرتبكي هذه الجرائم والتغطية عليهم، ما يدفعنا إلى تحميل السلطة القضائية مسؤوليتها في عدم التدّخل.

المفكّرة القانونية : بالعودة إلى قانون مكافحة الإرهاب،  لماذا أشرتم في ذات التقرير إلى أنّ هذا القانون قد يعرّض الإنجازات إلى الخطر؟

هناك إشكال بين القانون والممارسة. فعلى مستوى القانون يبقى الإشكال في مستوى توفير الضمانات من أجل عدم التعرّض للتعذيب أو إساءة المعاملة، أيضا هناك إشكال في مرحلة إحتجاز الموقوف (15 يوما). فخلال هذه المدّة يكون الشخص منعزلا عن العالم الخارجي ولا يحضر معه محاميللدفاع عنه ما قد يتسببّ  في تعرّضه للتعذيب. كما أنّه وحسب هذا القانون، فبالإمكان التمديد في فترة الإيقاف وحتى أماكن الإيقافات قد لا يعلم بها أحد. ما قد يؤدّي إلى إختفاء أثار التعذيب.

كما يتضمّن قانون محاكمة الإرهاب إمكانية أن تكون محاكمات المتورطّين في هذه الجرائم سرّية. ونحن نرى أنّ مثل هذه المحاكمات يجب أن تكون استثنائية لأنّنا نخشى أن تتحوّل كل الجلسات المرتبطة بقضايا الإرهاب إلى سريّة ما يعني غياب المعلومة وغياب شروط المحاكمة العادلة. لهذا قلنا أنّ هناك نقائص على مستوى مضمون هذا القانون.

أيضا نلاحظ أنّه وبخصوص الشخص المتّهم بالجريمة الإرهابية، فعلى مستوى المجتمع يتّم التساهل والتسامح بممارسة التعذيب وارتكاب إساءة معاملة. وهذا ما قد يهدّد ثقافة المجتمع ويؤدّي إلى ثقافة التمييز بين تجويز ممارسة التعذيب في حالات ورفضها في حالات أخرى. وهنا يتوجّب على السلطة القضائية أن تتدخل حتىّ تؤكّد التورّط في ارتكاب هذه الجرائم. ونحن في العفو الدولية ضد الإفلات من العقاب في هذه الجريمة لأنّها من أخطر الجرائم في مجال انتهاك حقوق الإنسان.

ولهذا نطالب بتوفير الضمانات حيث لا بدّ من وجود حرفية في جمع الأدلّة حتى يتّم غلق الباب أمام لإفلات من العقاب، ما يعني التخلّي عن ممارسة التعذيب والوصول إلى الحقيقة دون انتزاع اعترافات.

المفكّرة: هل تعتبرون ملاحقة صحفيين ومحامين على خلفية قانون مكافحة الإرهاب خطوة إلى الوراء في مجال الحريّات؟

بالتأكيد، نعتبر هذا مؤشّرا خطيرا ومقلقاً. حتى قبل الثورة، لم تتمّ ملاحقة صحفيين على خلفية الإرهاب. فقد كان النظام السابق يقوم بالتضييق على الحريّات الصحفية من خلال تلفيق تهم أخرى. كما لم تتمّ إحالة محامين ترافعوا في قضايا الإرهاب (أحداث سليمان سنة 2006) كما هو الحال اليوم. فالغريب أنّه ورغم أنّ مهنة المحاماة محمية من خلال الدستور، إلاّ أنّه تمت إحالة عدد منهم بسبب مرافعاتهم.
ونحن نعتبر الملاحقة حسب الفصل 31 من قانون مكافحة الإرهاب تهديداً خطير ومحاولة لتكميم الأفواه وضرب للحريّات وحرية الصحافة، وهو ناقوس خطر حتّى على كافة القطاعات الأخرى.

المفكّرة القانونية : لماذا اعتبرتم في تقريركم الأخير أنّ إنجازات حقوق الإنسان هشّة وأنّ هناك خطراً حقيقياً عليها في تونس؟

لقد أصدرت المنظّمة  تقارير عدّة على واقع حقوق الإنسان في تونس. ففي سنة 2011 ومن خلال متابعتنا لجميع الأحداث، تقدّمنا بخارطة طريق خلال شهر مارس من نفس السنة وجّهت إلى السلطة وتضمّنت جملة من النقاط أساسها أنّ سبب هذه الانتهاكات هو الجهازين الأمني والقضائي والذّي استغلّهما نظام بن علي للتضييق. كما قدّمنا عشر نقاط طالبنا من خلالها السلطة بإجراءات عمليّة لوضع حدّ لهذه الانتهاكات. أيضا وقبل انتخابات المجلس الوطني التأسيسي (سنة 2011)، طلبنا من كافة الأحزاب المترشّحة بالإمضاء على بيان تضمّن مبادئ حقوق الإنسان، كما جددّنا الدعوة خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة للمترشحين من الأحزاب أن يتقدّموا بالتزام من أجل احترام حقوق الإنسان في برامجهم الإنتخابية.

كما لاحظنا أنّ هناك تنكّر وتراجع لما نصّ عليه الدستور الجديد (الصادر سنة 2014 ) خاصّة في باب الحقوق والحريّات و أيضا المراسيم الصادرة وبين الممارسة. لهذا أصدرنا تقريرا سنة 2012 بعنوان "تونس خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء"، لأنّ هناك اختلافاً بين كافة السلطات وتعاملها مع القوانين. فعلى مستوى حريّة التعبير لاحظت المنظّمة أنّ السلطة كانت غائبة ولم توفّر الحماية للنشطاء والمعارضين بل أصبحوا يتعرّضون لاعتداءات من قبل أشخاص أو مجموعات. كذلك بخصوص المرأة فقد تعرّضت إلى حملات تشويهية من خلال تصريحات دعاة دين توافدوا على تونس خلال فترة  حكم "الترويكا". كما لاحظنا تدهورا للحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية فعوض إعادة البرامج الإقتصادية ومنوال التنمية إلاّ أنّ ظاهرة الفقر والتفاوت بين المناطق الداخلية قد استفحل أكثر رغم التوصيات الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان سنة 2012 الداعية إلى اتّخاذ إجراءات تحدّ من هذا التفاوت.

كما أنّ السلطة القضائية ظلّت دون ضمانات ودون حماية للقضاة، إضافة إلى توسيع عقوبة الإعدام بالنسبة لجرائم الإرهاب. وكلّ هذا دفعنا إلى توصيف الوضع بالمتردّي وندقّ ناقوس الخطر، خاصّة وأنّ هناك استهداف للنشطاء وللمدافعين سواء من خلال هجمات إعلامية أو تضييق على نشاطاتهم أمام غياب دور السلطة في الحماية.

المفكّرة: هل تعمل المنظّمة على التشبيك مع منظّمات حقوقية وطنية أخرى؟

ما نؤمن به في العفو الدولية أنّنا جزء من المجتمع المدني الذّي يجب أن يطوّر أداء عمله من أجل التصدّي للانتهاكات، ولهذا نعمل في إطار شراكات في بعض الأحيان، لأننا لدينا بعض الشروط التي قد تخلق صعوبات في إطار التشبيك وتوسيع دائرة الشركاء.

فخلال السنوات الأخيرة، قمنا بالعمل مع منظّمات أخرى لكن حسب ضوابط معينة. فالعفو الدولية لا تعمل مع الأحزاب السياسية أو المنظّمات أو الجمعيات التّي قد يكون لها شبه إنتماء لأطراف سياسية. إنّ هذا الموقف من قبلنا من أجل ضمان الاستقلالية. أضيف أيضا أنّنا لاحظنا اختلافاً مع منظّمات وطنية أخرى بخصوص مرجعية حقوق الإنسان الكونية. ويبقى التشبيك مع المنظّمات الدولية أسهل من التشبيك مع المنظّمات الوطنية في الوقت الحالي.
 
المفكّرة: هل تتابع المنظّمة أعمال وزارة العدل في إعادة صياغة المجلة الجزائية؟ وما هي توقعّاتكم بخصوص النسخة الجديدة؟

نحن نعتبر النسخة الحالية للمجلّة الجزائية متأخّرة جدّا. لأنّه وبعد خمس سنوات من الثورة لم يتمّ تنقيحها. فنفس الترسانة القانونية على حالها منذ عهد الحبيب بورقيبة وبن علي وقد تم استغلالها للتضييق على الحرّيات والحقوق. ورغم الضمانات الواردة في الدستور الجديد، شهدنا محاكمات من خلال فصول هذه المجلّة غير الدستورية ما تسبّب في إشكالية على مستوى احترام الدستور.

ونحن نتابع عمل وزارة العدل. ولهذا تقدّمنا بمطالب للسلطة حول بعض الفصول التّي وجب تعديلها خاصّة منها المتعلّقة بالمحاكمات والمرأة والفصل عدد 230 المتعلّق بالمثلية الجنسية وعقوبة الإعدام وكلّ ما يتعلّق بالتعذيب. ونحن ننتظر إحالة مقترحات هذه الفصول إلى السلطة التشريعية للعمل على كسب تأييد من أجل المصادقة على فصول تحترم حقوق الإنسان والحرّيات.
 
 
 

[1]عنوان التقرير
 
انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية