مقابلة مع المحامية والمناضلة العراقية هناء ادوار: خمسون سنة من تاريخ نضال المرأة العراقية


2017-01-10    |   

مقابلة مع المحامية والمناضلة العراقية هناء ادوار: خمسون سنة من تاريخ نضال المرأة العراقية

درست هناء إدوار الحقوق في جامعة بغداد بين 1963 و1967. وقد انخرطت خلال سنواتها الدراسية هناك في كل من الحركة الطلابية ورابطة المرأة العراقية[1]. وكانتا مدخلها للاطلاع على مفاهيم جديدة حول حقوق الانسان ومطالب الطلاب. منذ ذلك الحين وخلال أكثر من خمسين سنة أعقبته، ناضلت إدوار لأجل بناء نظام ديمقراطي في العراق. فدافعت عن حقوق الانسان بشكل عام، والمرأة بشكل خاص. فهي عضو مؤسس في جمعية الأمل العراقية التي تترأسها اليوم، وهي أيضاً عضو مؤسس في شبكة النساء العراقيات التي تضم 90 جمعية نسوية عراقية.[2] في سنة 2011، حازت على جائزة مكتب السلام العالمي "ماك برايد" كما صنفت في كانون الاول من العام نفسه كمدافعة متميزة عن حقوق الانسان من قبل وكالة الامم المتحدة في العراق. في منتصف شهر كانون الأول/ديسمبر 2016 وخلال تواجدها في بيروت، التقت المفكرة القانونية مع إدوار. استعادت المناضلة النسوية في هذه المقابلة مسيرتها النضالية، في إطار أهم التبدلات التي طرأت على واقع حقوق المرأة في العراق خلال هذه السنين، لا سيما على صعيد الأحوال الشخصية، وأزمات الحكم والنظام والنزاعات المسلحة، بالإضافة إلى مشاركة المرأة في الحياة السياسية.

بداية النضال

تزامن عام ادوار الجامعي الأخير مع نكسة 1967[3]، مع ما أنتجه من التأييد الشبابي في الدول العربية لفكرة "الكفاح المسلح في فلسطين ودافعاً لتحقيق التغيير في المنطقة في اتجاه تكريس الأفكار الوطنية والإنسانية عبر الكفاح". هذا التوجه سرعان ما وجد ترجمته في الداخل العراقي عام 1982 "عندما تبنى الحزب الشيوعي العراقي والقوى الكردستانية شعار الكفاح المسلح لانهاء الديكتاتورية في العراق". في تلك المرحلة انتمت ادوار الى الحزب الشيوعي العراقي، فكان لها "دافعاً لمحاربة الاستغلال الطبقي والاجتماعي، للكادحين والنساء" على حد قولها. بعد خمس سنوات من النضال اليساري النسوي، مثلت إدوار رابطة المرأة العراقية في اتحاد النساء الديمقراطي العربي في برلين الشرقية عام 1972. وفي سنة 1982 تركت ادوار برلين، لتلتحق بما وصفته بـ"الحلم الجيفاري الرومنسي". أي "الكفاح المسلح الهادف إلى إيقاف المسلسل الدموي في العراق". تمكنت عام 1985 من الإنضمام إلى وحدة الناصرات[4] ضمن كتائب الأنصار التابعة للحزب الشيوعي العراقي والتي رابطت في جبال كردستان. في تلك الأوقات، كان "المعيار الثوري ومعيار الإنسان المناضل هو مدى إيمانه بحقوق المرأة وأن تطور المجتمع مستحيل من دون تطور حقيقي على هذا الصعيد".

الأحوال الشخصية: أداة حكم اجتماعية

بعد ثورة 1958[5]، صدر قانون الأحوال الشخصية الأول في العراق عام 1959. جمع هذا القانون، وفقاً لادوار، "كل ما تضمنته المدونة العثمانية في إطار نظرة تقدمية تجاه المرأة". فحدد سن الزواج بـ18 سنة، ساوى بالإرث بين الرجال والنساء، واشترط إتمام الزواج ضمن المحكمة". النقلة الثانية، كانت مع بدايات حكم صدام حسين في السبعينيات، نتيجة حراك نسوي استمر فترة الستينيات. وقتذاك، امتلكت المرأة "حقها بالتفريق. كما تم توحيد المحاكم الشخصية السنية والجعفرية في محكمة واحدة للأحوال الشخصية".

هذه التطورات سقطت أمام الممارسات اللاحقة التي لجأ اليها النظام للبقاء في الحكم. فبعد الحرب العراقية الايرانية وغزو الكويت، "عوّض النظام عن ضعفه السياسي والأمني، عبر إعادة إحياء العشائر، بالتالي إعادة إحياء عاداتها وتقاليدها البائدة مثل النهوة[6] والفصلية[7]. أنتج ذلك حالة واسعة من مخالفة النصوص القانونية، فانتشر الزواج خارج المحاكم وازداد تزويج القاصرات بشكل مخيف". الأسوأ وفقاً لـ"إدوار" هو انعكاس هذا النظام العشائري على القضاء الذي "يُخضع الأفراد لهذا العرف عنوةً، مبرراً ذلك بغياب الأمان وسيطرة العشائر".

عام 2003 طرح أحد الزعماء السياسيين مشروع قانون يُعيد لكل طائفة ومذهب استقلاليتها على صعيد الأحوال الشخصية. "جابهنا الطرح إلى أن أسقطناه" تقول ادوار. ومنذ تلك الفترة تدور الأمور في نفس الحلقة، بين محاولات "مستميتة" لتكريس قانون طائفي للأحوال الشخصية، تقابلها حملات معارضة – نسوية بشكل خاص – تُسقط هذه المقترحات. من بينها مثلاً "تمرير مادة في دستور عام 2005 تنص على كون العراقيين أحراراً في قضايا الأحوال الشخصية حسب دياناتهم ومذاهبهم وقناعاتهم". وهذه المادة مجمدة التطبيق اليوم بسبب حملة نسوية "ارتكزت على مبدأ المساواة الذي يضمنه الدستور للعراقيين/ات".

ومن الطروحات التي لم تنجح رغم جهود الحكومة لهذا الأجل، مشروع قانون لإنشاء محكمة جعفرية للاحوال الشخصية. فضلاً عن ذلك تشير إدوار أنه منذ فترة قصيرة "استلمت مشروع قانون جديد ينظم الأحوال الشخصية الجعفري المقدم من قبل أحد رجال الدين الشيعة […] وهو يضم 918 مادة. القانون مهين للمرأة بشدة، فيسمح بتزويج الفتاة دون الثامنة وحتى الرضيعة، ويسمح بالتمتع بها ضمن أحكام خاصة". فبالنسبة لـ"إدوار" إن "الشيء المخيف [في مثل هذه التوجهات في مشاريع القوانين] هو اعتبار المرأة أداة إمتاع لزوجها وربط حقوقها بالتعليم والعمل بموافقته". مضيفة "أنا كامرأة من الصعب أن أتقبل النظر إلى المرأة والطفلة بهذه الطريقة".

المرأة ضحية الأنظمة والنزاعات المسلحة

تأثر أوضاع النساء بالتبدلات السياسية لم ينحصر في إطار قانون الاحوال الشخصية. تستذكر إدوار الحالة التي سادت أواخر التسعينيات. وقتذاك، "بدأ صدام حسين يتشبث بأي أمر يخلق له قاعدة شعبية، فادعى في إطار ما سمي الحملة الإيمانية، محاربة الإنفلات الاجتماعي". وقد راح ضحية الحملة "200 امرأة بغالبيتهن من عوائل معارضين، اتهموهن بممارسة الدعارة". بالمقابل، استخدمت النساء "كوكيلات أمن للايقاع بالمعارضين".

خلال السنوات الأخيرة، تحديداً بعد سيطرة داعش، "فتحنا النقاش حول العنف الجنسي ضد النساء رغم كونه من المواضيع المحظورة". على صعيد آخر، استطاع الحراك النسوي العراقي أن يدفع الحكومة لتبني استراتيجية  لمناهضة العنف ضد المرأة (2012) وأخرى لتطور المرأة (2014). كما عملت النساء مع الحكومة على "صياغة قانون يتعلق بالعنف الأسري وصل أخيراً عام 2015 الى مجلس النواب بعد نضال طويل".

المرأة في مجال الحكم

"وجود المرأة في مواقع صنع القرار" أثير عام 2003 بعد سقوط النظام السابق. وأدى إلى "حضور 6 وزيرات في الحكومة الأولى". العمل النسوي على الصعيدين المحلي والوطني أدى الى تضمين الدستور عام 2005  بند الكوتا النسوية التي حددت نسبة 25% كحد أدنى لتمثل النساء في المجالس التمثيلية". لكن الانتخابات أدت إلى تمثل المرأة بـ31% داخل البرلمان" حسب إدوار. على الرغم من الإيجابيات، فإن "الواقع الطائفي والعشائري أدى إلى وصول النساء اللواتي يتم إنتقاؤهن من قبل رجال في السلطة بدواعي عائلية وطائفية". هذا الأمر "أفقد الكوتا قيمتها، كما شوّه صورة المرأة المناضلة من أجل المساواة". مع ذلك، حوالي 22 مرشحة وصلت في الإنتخابات الأخيرة من دون كوتا. بعضهن حصدن أعلى نسب الأصوات". تردف إدوار: "معنى ذلك أن المجتمع العراقي مستعد لقبول المرأة ويشجع تمثيلها لكن لا توجد إرادة سياسية لدى من هم في السلطة من إسلاميين وليبراليين على حد سواء". أما اليوم، "التعويل على الجيل الجديد الذي ينخرط بشكل مهم وكبير في القضايا الحقوقية.

 


[1] حركة نسوية عراقية كانت تمثل شريحة كبيرة من "النساء العراقيات المناضلات لاجل عراق ديمقراطي ولتمتع المرأة بالمساواة"
[2] Hanaa Edwar, the dream of overcoming all borders, Heinrich boll stiftung – middle east, 28 octobre 2016
[3] تعرف أيضاً بحرب الستة ايام أو حرب حزيران، وقد بدأت في الخامس من حزيران عام 1967 بهجوم اسرائيلي على قواعد سلاح الجو المصري في سيناء، وذلك في اطار حرب شاملة بين الكيان الاسرائيلي وكل من مصر وسوريا والأردن، شاركت فيها قوات عراقية كانت مرابطة في الأردن. وقد انتهت هذه المعركة باستيلاء الجيش الاسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغربية، بالتالي على كامل الأراضي الفلسطينية بالاضافة الى سيناء وهضبة الجولان.
[4] الوحدة الأولى التي ضمت نساء، قاتلنا الى جانب الباشميركا في العراق. وكانت وحدة الناصرات الوحيدة التي تضم نساء من مختلف القوميات والأديان، اغلبيتهن متعلمات من الطبقة الوسطى.
[5] اسقطت نظام المملكة الهاشمية في العراق، ونشأت اثرها الجمهورية العراقية.
[6] سلطة ابن العم بأن يمنع زواج ابنة عمه من اي رجل ارادته مقابل ان يتزوجها هو بقرار منفرد من قبله.
[7] حل النزاعات بين العشائر من خلال دفع المال ومنح النساء لبعضهم في اطار زيجات لا رأي للمرأة فيها، وهو شكل من أشكال العبودية المقنعة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية