مقابلة مع المحامية نجاة العبيدي: إحالتي إلى المحاكمة العسكرية رسالة إلى النشطاء والحقوقيين والمحامين


2015-12-30    |   

مقابلة مع المحامية نجاة العبيدي: إحالتي إلى المحاكمة العسكرية رسالة إلى النشطاء والحقوقيين والمحامين

مازالت قضية "برّاكة الساحل" التّي تهم ملفّ عدد من العسكريّين الذين تعرّضوا للتعذيب بسبب اتّهامهم بمحاولة الانقلاب على نظام بن علي سنة 1991 أمام أنظار المحكمة العسكرية حتى اليوم بعد سحبها من القضاء العدلي سنة 2011.  وقد تمّ مؤخّرا إحالة المحاميين عبد الرؤوف العيّادي ونجاة العبيدي على التحقيق العسكري وتتّبعها أمام المحكمة العسكرية بتونس بتهمة "هضم جانب موظف من النظام العدلي طبق أحكام الفصلين 125 و126 من المجلة الجزائية" .
 
وقد رفض المحاميان المثول أمام أنظار المحكمة خلال الجلسة التّي حدّدت يوم 17 ديسمبر الجاري لما اعتبروه خروقات وضرباً لحقّ المحامي في الترافع عن منوّبيه.

وفي سياق متابعتها لتطور الملف، التقت المفكّرة القانونية المحامية نجاة العبيدي وأجرت معها الحوار التالي.

 
 
المفكرة: ماهي أسباب رفضكم المثول أمام القضاء العسكري يوم 17 ديسمبر 2015؟ 
 
العبيدي: لقد رفضنا المثول لأنّ القضاء العسكري كان استثنائيّاً ولخرقه الإجراءات وعدم احترامه لمرسوم المحاماة والدستور التونسي الذّي ينصّ على ضرورة توفير الضمانات اللازمة والكافية للمحامي للقيام بدوره على أكمل وجه. ومرسوم المحاماة خاصّة في فصله عدد 47 ينصّ على ضرورة احترام حصانة المحامي أثناء الترافع وأثناء أداء مهامه. ولهذه الأسباب لا يمكن لنا كمحامين أن نمثل أمام القضاء العسكري واستنطاقنا كمتّهمين في مجال عملنا وبسبب مرافعتنا.
وإضافة إلى هذا، فإنّ رئيس فرع الهيئة الوطنية للمحامين وعدداً من المحامين قدّموا تقريراً تضّمن عدم اختصاص القضاء العسكري وعدم وجاهة التتّبع وطالبوا بحفظ التّهم، مع العلم أنّ عدداً من المحامين رفضوا تقديم إعلامات نيابة بسبب عدم الاختصاص والخروقات الإجرائية من قبل القضاء العسكري. ونحن ننتظر قرار قاضي التحقيق العسكري الذّي طلب إمهاله فترة زمنية حتى يبتّ في الملف ويتّخذ قراره ويعلم به الفرع الجهوي للمحامين بتونس.

 

المفكرة: ما هي أسباب إحالتك صحبة الأستاذ عبد الرؤوف العيادي على أنظار القضاء العسكري؟ 
 
العبيدي: إنّ قرار الإحالة تمّ على خلفية تقديم مرافعة ضدّ عز الدين جنيّح المتّهم في قضية برّاكة الساحل، والذّي تقدّم باعتراض على حكم غيابي يقضي بسجنه خمس سنوات مع النفاذ العاجل.
وبصفتي ضمن محامي الدفاع عن المتضرّرين في الملّف، تقدّمت بإعلام نيابة. لكن ما راعنا إلاّ أنّ رئيسة الدائرة ترفض الإعلام وتصدر أحكاما تحضيرية مرّة أخرى وتقول أنّه لا توجد صفة للمحامين، في حين أنّ هذا الحكم صدر غيابيا وخلال الطور الابتدائي والقانون ينصّ على الطور التعقيبي والقيام بالحقّ الشّخصي. كما أنّ الفصل 175 من القانون ينصّ على أنّ الخصم والمتّهم يعودان إلى الحالة الأولى التّي كان عليها الحكم ما يعني عودة كافة الأطراف الى المرحلة الأولى.
ورغم تقديم قرارات محكمة التعقيب وفقه القضاء إلاّ أنّ الدائرة لم تحترم الإجراءات ولم تنصفنا ولم تعطنا حقّنا كمحامين في النقاش قانونا وإنارة لسبيل العدالة باعتبار أنّ المحامي شريك في ذلك. لكنّ المحكمة العسكرية حاولت بكلّ الأشكال تعطيل الإجراءات. ورغم خطورة القضيّة، فإنّ النيابة العمومية لم تطالب بإصدار بطاقة إيداع بالسّجن في المتهم خصوصا وأنّ هناك حكما ضدّه بالنفاذ العاجل، كما أنّ المحكمة لم تصدر بطاقة إيداع بالسجن من تلقاء نفسها ما يدلّ على عدم حياد المحكمة في هذا الإطار.
كما أشير أنّه تمّ استدعاء المتضرّرين وإعلامهم أنّه سيتّم التحقيق معهم بصفتهم شهود، لكنّ الاستدعاء لم يكن بالطريقة القانونية ولم يتمّ إعلامهم كتابيا بالموضوع بل تمّ التعامل معهم بطريقة غريبة وفيها الكثير من الترهيب. فأحد المتضرّرين تعرّض للتهديد من قبل مدير القضاء العسكري ومستشارين آخرين بسبب تدوينة على صفحته الخاصّة في مواقع التواصل الاجتماعي اتّهم من خلالها قاضي التحقيق بعد الحياد مع المتّهم "جنيّح".
وأنا أستغرب هذا الأسلوب الذّي يذكّرنا بالمنظومة السابقة. فقد كان على القضاء العسكري الاهتمام بالملّفات الكبيرة والتّي مازالت تحت أنظاره منذ سنوات ولم يتمّ البتّ فيها حتى اليوم.

 

المفكرة: هل تعتبرون الإحالة على القضاء العسكري محاولة للاعتداء على حق المحامين في الترافع؟ 
 
العبيدي: في الحقيقة هي ليست المرّة الأولى التّي يتدخّل فيها القضاء العسكري في عمل المحامين. فكم من مرّة يتّم الاتّصال بمنوّبينا والتنبيه عليهم بعدم توكيلي كمحامية ويتّم اقتراح أسماء أخرى عليهم. وفي هذا الإطار، سبق وأن تقدّمت بتنبيه إلى عدد من القضاة بعدم اللّجوء إلى هذا الأسلوب الذّي يُعتبر اعتداء على المهنة. كما أني أعلمت الهيئة الوطنيّة للمحامين بهذا الخرق . وإثر هذه الخطوة، تمّت إحالتي على القضاء العسكري. وهو ما يُعدّ نسقاً تصاعدياً من قبل المحكمة في الاعتداء على المحامين بصفة عامة، يتوجّب رفضه والتنديد به. وعلى الجميع أن يعلم أنّ هناك اعتداء اليوم على عمل المحامي.
وأعتبر أنّ سبب إحالتي شخصيا على القضاء العسكري هو تمسّكي بالملّف وتتّبعه منذ سنة 2011 وتقديم كل المؤّيدات أمام كل العراقيل التّي عرفتها القضية. 

 
المفكرة: هل تعتبرين تاريخ الإحالة رسالة موجّهة إلى الحقوقيين والنشطاء؟ 
 
العبيدي: لا يخفى عن الجميع أنّ المتّهم"جنيّح" هو الصندوق الأسود في ملفّات التعذيب وإدارة أمن الدّولة في المنظومة السّابقة، وهو على علم بكافّة الملفّات في وزارة الداخليّة. وهناك من يريد إعطاءه حظوة وحصانة معيّنة. وأعتبر تاريخ إحالتي على القضاء العسكري مدروساً ورسالة موجّهة من قبل المتّهم والقضاء العسكري بأنّه لا وجود للثّورة ولم يعد بإمكاننا التكلّم، وأنّهم قادرون على خرق القانون والإجراءات مرّة أخرى، وأننا نحن المحامون، الذّين نترافع في مثل قضايا الإفلات من العقاب وملفّات المحاسبة، نُحال في هذا التاريخ بالذات لأننا نعتبره رمزا وتاريخا لانطلاقة ثورة 2011. إنّ تاريخ الإحالة له خلفية وهو ليس اعتباطيا. والقضاء العسكري عندما اختار هذا الموعد له رسائل يحاول توجيهها .ولكن في المقابل، أعتبر حضور شخصيات وطنيّة و سياسيّة وأعضاء من مجلس نوّاب الشعب ورئيس الدولة السابق وتعاطف واتّصال جمعيات حقوقيّة دوليّة ردّا مناسباً على الاعتداء الذّي قاموا به ضدّنا. 

 
المفكرة: بالعودة إلى قضية برّاكة الساحل، لمَ تمّتْ إحالة الملف من القضاء العدلي إلى القضاء العسكري؟ 
 
العبيدي: لقد كان ملف قضية "برّاكة الساحل" من اختصاص قاضي التحقيق العدلي بالمحكمة الابتدائية بتونس، وكان هناك احترام للإجراءات، والقاضي يشهد له بالحياد والمهنية رغم الضغوطات التّي سلّطت عليه، بل كان على دراية بأهميّة الملف. ولهذا وعندما وجّه استدعاءات إلى المتّهمين في الملف وإثرحضورهم واستنطاقهم تدخّل القضاء العسكري وطلب من قاضي التحقيق التخلّي عن الملّف بعلّة أنّه غير مختصّ وأنّ القضية من اختصاص القضاء العسكري.
ومن الخروقات أيضا، أنّه كان من المفروض أن يتخلّى القضاء العدلي تلقائيا عن الملف أو إحالته على الدائرة باعتبار أنّ القضيّة تهمّ المسائل العامة،إضافة إلى وجود ملفّات أخرى بنفس المتّهمين والفارق الوحيد غياب العسكريين وفي المقابل القضاء العسكري لم يتخلّ .
إلى جانب ذلك، أعتبر أن لإصرار القضاء العسكري على توليّه ملف القضية خلفيات أخرى. وهذا ما اتّضح إثر هذا حيث لم تتّم توجيه استدعاءات للجنرالات المتّهمين في الملفّ ولم يتّم استنطاقهم على الأقلّ حفظا لماء الوجه. بل إنّ قاضي التحقيق العسكري يكتفي بإحالة وزير الداخلية وأمنيين سابقين ويصدر في حقّهم قراراً بالإحالة دون الرجوع الى العسكريين المتضررّين والذّين رفضت الدائرة الاستماع إليهم كشهود في الطور الابتدائي ثم استمعت الدائرة الإستئنافية الجناحية العسكرية للمتهمين كشهود ودون تمكين المحامين من القيام بإجراءات مهامهم واكتفت بالاستماع للمتّهمين في مكتب مغلف دون حضور محامين. 

 

المفكرة: بالنظر إلى توصيفكم للخروقات،هل توجهتم إلى مجلس نوّاب الشعب كسلطة تشريعية قصد سحب الملف من القضاء العسكري؟ 
 
العبيدي: إجرائيا وقانونيا لايمكن للمتّهم الاعتراض على الحكم الغيابي والصادر في حقّه إلا أمام الدائرة التي أصدرت الحكم، ثانيا وحسب الأمر الصادر في شهر سبتمبر 2015 فهناك دوائر للعدالة الانتقالية. ولهذا، يتعيّن اليوم تعيين قضاة عدليين يتكفّلون بالبحث في هذه الملّفات.
ولهذا نطالب كنشطاء وحقوقيين ومحامين بتفعيل هذه الدوائر واستجلاب جميع الملّفات التّي هي من صلب اختصاصها وينصّ عليها قانون العدالة الانتقالية وأن تنظر في الملّفات لأنّه أصبح من الواضح اليوم أنّ القضاء العسكري غير قادر على النظر في مثل هذه القضايا بشكل محايد.

 

المفكرة: مؤخّرا توجّه عدد من ضحايا الملّف الى هيئة الحقيقة والكرامة،هل قمتم بالاتّصال بها أيضا؟
 
العبيدي: صحيح، لقد قمنا بالاتّصال بهيئة الحقيقة والكرامة، وأعلمناها بجملة الخروقات، إضافة الى مراسلات صادرة عن المتضررّين في القضيّة. لكن ننتظر حتى اليوم ردّا صريحا وواضحا من الهيئة التّي عليها أن تتفاعل مع هذه الملّفات التّي بلغت المراحل النهائية. كما نطالبها اليوم بلعب دور جدّي وإيجابي في قضايا المحاسبة والإفلات من العقاب من أجل كسب الوقت. فلا مبررّ اليوم لمزيد الإطالة في هذه الملّفات. 
 
انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية